الرئيسية » حضاريات » شاهد الحلم والنكسة عاشها ليرويها.. – نزار الفراوي / الجزء الاول
234567.jpg

شاهد الحلم والنكسة عاشها ليرويها.. – نزار الفراوي / الجزء الاول

تتردد الخطى حين يخذلها الانسجام، يرتجف كوب الماء في قبضة يده، والتوازن هش أمام الريح لولا عصاه التي له فيها مآرب، وسند السيدة "صباح"، الزوجة المغربية التي ترافقه في حله وترحاله، وتخفف عنه بحدبها وحيويتها وقع الخريف. والخريف عند إدغار وهن في الجسد لا يقعده في البيت، ولا يقتل فيه شهية السعي إلى الشمس، والاستمتاع بالمشي في الطرقات والسفر إلى الأمصار التي تهديه ألوانا وأصواتا جديدة، بأناقة باريسية لا تخطئها العين. لقد تقدم طاعنا في العمر دون أن يجف لديه هرمون إنتاج الأفكار، ودفق الإبداع وقوة الموقف التي لا تلين.

شاهد الحلم والنكسة — عاشها ليرويها..

إدغار موران، فيلسوف فرنسا، عالم الاجتماع، خبير التواصل وناقد السينما، يشهد على حياة تغطي قرنا يعادل حقبا بأكملها، ويبرئ ذمته تجاه المستقبل، مادام الماضي ماضيا، والراهن مجرد ذاكرة لما يأتي، وأية ذاكرة إنسانية مثخنة بالآلام الوجودية والانهيارات القيمية والمآزق الحضارية التي تجشمتها إنسانية كانت تخسر حيثما اعتقدت أنها تكسب.

إدغار موران، فيلسوف فرنسا، عالم الاجتماع، خبير التواصل وناقد السينما، يشهد على حياة تغطي قرنا يعادل حقبا بأكملها

ليس خطأ في التوثيق.. 1946 هو تاريخ صدور كتابه الأول بعنوان "العام صفر لألمانيا" عن "منشورات المدينة الجامعية" بباريس. هكذا يكون عمره في المطابع ودور النشر سبعين عاما، خزانة مؤلفات تختزل سيرة عالم وتكتب قصة تفاعل عقل جبار، وإرادة فهم حديدية مع الواقع والتاريخ. بلا توقف، بتنوع مذهل بين السياسة والمجتمع وقضايا التواصل والسينما والفلسفة، وبقناعة لا تزيدها السنين إلا صلابة وإيمانا لا ينال منه تغير أحوال المجتمع والفكر والعالم الغريب الأطوار. وعبر هذه العقود من الكتابة – الشهادة، بقدر ما جدد الفيلسوف أدواته النظرية والتحليلية، وواكب أحدث التحولات والوقائع، بقدر ما ظل متوجها صوب المدى الأرحب الذي ترتسم فيه مشاهد مغامرة إنسانية يتحقق فيها جوهر "الإنساني".

هو الشاهد الذي رأى كل شيء.. فتح عينيه على المشهد الطللي لما بعد الحرب العالمية الأولى، حين خرق صراخ الوليد إدغار "ناهوم" صمت الذهول من هول الدمار المجنون في 8 يوليو (تموز) من عام 1921 بباريس.

هو اليافع المقاوم في الخنادق، يكاد يسلم بأن باريس المدينة والحلم لن تعود إليه وقد استباحها النازية، تماما كما ذهبت والدته دون عودة، فوجد نفسه ضائعا في الفراغ. يرفع السلاح ضد حكومة فيشي، ويسمي نفسه، ممتشقا سلاحه في الجبهة، "موران".

هو اليوتوبي الذي تعلم الواقعية في درس الانفجار العظيم، لا داخل فصل العلوم، بل في مشهد هيروشيما الذي أحيى في النفوس الهائمة كابوس الفناء قبل الأوان.

كان على داعية الوحدة الإنسانية، أن يكيف نبوءته مع حدث انشطار المنتصرين في حرب "الحرية" و"الحضارة"، بين معسكرين: غربي وشرقي، ليبرالية واشتراكية، سوق هوجاء بلا عقال أم تخطيط مركزي معطل للمبادرة…فعلى أية منصة يلقي الواعظ خطبة الأسبوع؟

صوت المنسيين

يفكر إدغار في الخاسرين من كل الحروب، أبناء ذلك الجنوب الذي أصبح حتى إشعار آخر، عشبا يئن تحت قوائم الفيلة المتصارعين. من ينصر الفقراء خارج الميتروبول؟ من يفكر في مصير جمعي بصيغة الـ(نحن) بدل منطق تقاطبي: مكسب هذا خسارة لذاك.

كان الشيوعي السابق، المطرود من حوزة اليسار الدوغمائي، يسافر في المكان وفي الخيال ليطرح الأسئلة التي ينساها كبار العالم المتنافسون على إنجاز السبق وتحقيق الامتياز، الذي أضحى هوسا بالقتل المبرمج في ظل هيمنة قانون السوق في الحرب والسلم: إما أنا أو أنت. يسافر إلى أمريكا اللاتينية وإفريقيا والعالم العربي وآسيا، ليبحث في خرائط التعدد والاختلاف عن مناهل جديدة لحكمة تصمد أمام الاضطراب الكوني الذي أصبح القاعدة.

بوصلته الإنسانية وحسه النقدي تجاه المسلمات والمقولات الجاهزة وبروباغاندا المؤسسات السياسية والإعلامية، وأكاذيب القوى والجماعات المنظمة، جعلته دائما سباقا إلى اختيار الضفة التي يقف عليها الضحية، بقدرة خلاقة على تجنب السقوط في شرك الالتباس. كان حاسما في مناهضة الحرب الفرنسية في الجزائر، ظل جذريا في إدانة الاحتلال الاسرائيلي وممارساته القائمة على تحويل عقدة المظلومية التاريخية إلى ترخيص بقمع واضطهاد الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن حقه في الحياة.

بالنسبة إلى إدغار، سليل أسرة يهودية من طائفة سالونيك، ليست المحرقة المأساة الوحيدة التي تستحق الإدانة، بل يطلب النظر بميزان العدل إلى أوجاع الشعوب المظلومة والمجموعات المضطهدة من أقصى الكوكب إلى أدناه. كان واحدا من رواد اليقظة البيئية، ونصيرا طليعيا للحركات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني التي حملت لواء الدفاع عن أسباب البقاء في الكوكب المهدد بجنون الصناعة وحمى المنافسة منذ نهاية ستينيات القرن الماضي حين صادف أثناء إقامته في كاليفورنيا نهاية الستينيات مقالا بعنوان أثر فيه عميقا "موت المحيط".

 

 

نزار الفراوي – إعلامي مغربي