الرئيسية » حضاريات » شاعرية روسيا وروحانية المشرق: بوشكين والقرآن نموذجاً – مالك صقور
bwshkyn.jpeg

شاعرية روسيا وروحانية المشرق: بوشكين والقرآن نموذجاً – مالك صقور

 أصالة التلاقي بين الثقافات والتنوع الثقافي بين الأمم. محاول الوقوف على الأسباب التي دعت بوشكين لذلك، ولعلها تتلخص في قول الناقد تشيرناديف: "أن ما لفت انتباه بوشكين فيالقرآن ليس القيم الأخلاقية بل التمجيد الشاعري والتبجيل للرحمن وعظمته وجبروته، وأن الذي أدهشه في القرآن وأذهله "مهابة الله وعظمته المتعلقتان بعقيدة الإسلامالتوحيدية، والتي حاول بوشكين أن يعكسها في قصيدته تلك".

الحديث عن شاعرية روسيا وروحانية المشرق، يعني فتح صفحة مطوية، وربما منسية، لكنها صفحة مشرقة ناصعة، بين ثقافتين عريقتين هما: الثقافة العربية والثقافة الروسية.

ونحن اليوم أحوج من أي وقت مضى لفتح هذه الصفحة الحوارية بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب. إذ أصبحت سمة العصر هي: القتل، والدمار، والاحتلال، والاغتصاب، وإلغاء الآخر. بدلاً منالتفاهم، والتسامح، والمحبة، والتعاون، والعطاء المتبادل، بلى! نحن بحاجة اليوم إلىالحوار الذي يُغني التنوع الثقافي بين الأمم والشعوب والحضارات، في زمن حلت فيه الدبابة مكان الآية والقنبلة مطرح القصيدة. واحتل الفُجار مهد السيد المسيح عليه السلام.

يقول الأديب الكبير ميخائيل نعيمة: "من يقايضني قنبلة محرقة بآية منزلة. وطيارة أو دبابة بسفر مقدس؟ بل من يقايضني مخترعاً واحداً بعشرة أنبياء؟ ماهذا، ما هذا، أبصيرة تستجدي بصراً؟ أشمسٌ تستغيث بذبابة؟ ويضيف نعيمة: "لما حمل الشرق مشعل الدين إلى العالم، حصر جلّ همه في قلب الإنسان، وما انطوى عليه من الأشواق المحرقة لمعرفة من هو، ومن أين، وإلى أين، ولماذا؟"(1).

من هنا، أرى، أن عنوان (شاعرية روسيا وروحانية المشرق، بوشكين والقرآن نموذجاً)، خير مثالللقاء الثقافات والتنوع الثقافي والاطلاع على ثقافة الآخر والإفادةمنها.

ولما كان رقي الأمم، يقاس بثقافتها، لا بعدد جحافلها، ولا بعدددباباتها، وصواريخها، وآلات دمارها، يمكن القول بثقة، إن العرب والروس قدمواللبشرية إرثاً ثقافياً رائعاً خالداً. وقد احتل الشعر في الثقافتين مكانة بارزةوهامة. ولما كان الشرق – على حد تعبير رئيس الأكاديمية العلمية الروسية في سانتبطرسبورغ أوفاروف – منبع كل الديانات وكل العلوم وكل الفلسفات، فالشرق وحده، أعطىهذه الهبة الرائعة للعالم بأسره، هناك نجد المصدر الأصيل لتنوير العالم، ومن لاتحرقه الرغبة في الاقتراب من هذه الثروة التي لا تنضب في إذكاء العقل البشري"(2). كان من الطبيعي أن تكون روحانية المشرق منارة وملهمة لشعوب أخرى. وموضوع شاعريةروسيا وروحانية المشرق موضوع كبير، ولا يمكن الإحاطة به في مثل هذه العجالة، وفيمثل هذه الفسحة المعطاة هنا. لذا سأكتفي بمثل واحد هو: "بوشكين والقرآن" معالاختصار والتكثيف طبعاً.

لن نبالغ، إذا قلنا، أن بوشكين فيعصره، قد "ملأ الدنيا وشغل الناس". وبقي حتى يومنا هذا، وهو يشغل أهل الإبداعوغيرهم: قراءة، ودراسة، وبحثاً، وتحليلاً، ومتعة. . ولِمَ لا، وهو أبو الأدب الروسي، ومؤسس اللغة الروسية المعاصرة، وهو الذي قال عنه غوركي: بداية البدايات فيالأدب.

بوشكين: شاعر الحرية. وفي يقيني لم يحظ شاعر آخر على إجماع النقاد ومؤرخي الأدب قديماً وحديثاً على لقب شاعر الحرية، كما حظي بوشكين فلقد وقف حياته، وطاقته، وكل إبداعه، من أجل الحرية. عاش من أجلها، وناضل في سبيلها، وكانت سببمأساته وموته.

بوشكين: كان ألمعي الذكاء، فذ الموهبة، إنساني النزعة، تقدمي الفكر، واقعي الاتجاه، ثوري العقيدة، موسوعي المعرفة.

بوشكين هذا، اهتمبالقرآن، وأعجب به، بل شغف به شغفاً عظيماً، ومن فرط إعجابه به تأثر به وبآياته، وبشخصية النبي العربي محمد (ص) فكتب قصيدة من تسعة مقاطع مختلفة الطول بعنوان "محاكاة القرآن".

قرأ بوشكين في القرآن باللغتين الروسية والفرنسية، وفي عام 1820 عندما كان منفياً في الجنوب، كتب رسالة قصيرة إلى أخيهيقول فيها: "إني مشغول بكلمات القرآن". وعندما أمر القيصر بنقل منفى الشاعر منالجنوب – حيث صار مصدر شغب – إلى الشمال، في قرية نائية صغيرة "ميخايلونسكي" – كتبرسالة طويلة إلى صديقه الأمير فيازمسكي، نقتطف منها ما يهمنا في هذا المقام: "إنمقترحاتك بشأن مرثياتي أمر لا يتحقق، وبالمناسبة، كنت مضطراً للهروب من مكة إلى المدينة، وقرآني تخاطفته الأيدي والمؤمنون بانتظاره"(3).

وهذا ما يؤكد أنالشاعر كان على دراية تامة بسيرة الرسول (ص) عندما هاجر من مكة إلى المدينة، وعلى دراية أيضاً، بأن القرآن كان يتم تداوله بسرية تامة، في بداية الدعوة. وقد أطلق على ديوانه الشعري (قرآني) ليقينه، أن القرآن كان ثورة، هذا أولاً. وثانياً: يعرف أن الأمير فيازمسكي صديقه وصديق الثائرين المتمردين يعرف أن المقصود (بالمؤمنين) همرفاق النضال الذين يناضلون لإسقاط الحكم الاستبدادي المطلق.

لقد كتب بوشكين أكثر من مرة قصائد تحمل عنوان (محاكاة) مثل: (محاكاة القديم) و(محاكاة الإيطالي) و(محاكاة العربي) و(محاكاة القرآن) والأهم، هنا، كانت قصيدة (محاكاة القرآن) شكلاً ومضموناً.

ولا بد لنا هنا، وقبيل الحديث عن نص بوشكين الشعري (محاكاة القرآن) أن نوضح معنى (محاكاة) كي لا يقع التباس، أو سوء فهم لهذا "المصطلح" أو، كيلا يُظن أن الشاعر أراد أن يقلد القرآن.

يقول الدكتور محمد غنيمي هلال: وعلاقة المتأثر أو المحاكي – في هذه الحالة – ليست علاقة التابع بالمتبوع، ولاعلاقة الخاضع المسود بسيده، بل علاقة المهتدي بنماذج فنية أو فكرية يطبعها بطابعه، ويضفي عليها صبغة قومية"(4). وهذا ما ينطبق تماماً على بوشكين، فإنها فعلاً تعني المهتدي بنماذج فنية وفكرية استلهمها بوشكين من القرآن. ويرى بليته: "أن المحاكاة ليست تقليداً محضاً، وإنما السير على هدى نماذج بمثابة قدوة للكاتب.

تتألف قصيدة (محاكاة القرآن) من تسع مقطوعات مختلفة الطول والبحر، وتتناسب مع الآيات القرآنية التي اقتبس منها بوشكين، وأسس عليها أشعاره. وسنكتفي بقراءة بعض المقاطع من كل محاكاة:

 

القرآن

المحاكاةالأولى

والشفعوالوتر

أقسم بالشفع والوتر

والنجم إذاهوى

أقسم بالسيف ومعركة الحق

أقسم بنجمة الصبحوالعصر

أقسم بصلاةالعصر

ما ودعك ربك وما قلى

كلا أنا ماتركتك

ألم يجدك يتيماً فأوى

فعلى من أنزلترحمتي

ووجدكضالاً فهدى

ورعيتهوهديته

ووجدك عائلاً فأغنى

وحميته يوم المطاردةالصعبة

يستهل بوشكين القصيدة بالقسم، مقتبساً شكل القسم الوارد فيالقرآن الكريم، مستخدماً كلمة (أقسم) بدلاً من (واو القسم، لأن اللغة الروسية لايوجد فيها حروف قسم.

مضمون هذه المحاكاة: بداية الدعوة، وطمأنة الله لرسوله، بأنه لم يتركه أو يهجره، ثم دعوته للرسول: أن يكون رجلاً شجاعاً، ليبشر بالحقيقة، ومن ثم ينشر الأفكار الثمينة – أي القرآن.

 

 القرآن

 المحاكاة الثانية

يا نساء النبي لستن كأحد

 يانساء النبي الطاهرات

من النساء إن اتقيتُنّ فلا تخضعن بالقول في طمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً الأحزاب 32-33
 إنكن تتميزن عن كل النساء مرعب لكن، حتى ظل الخطيئة.

مضمون هذه المحاكاة: عظة وتعليم: عظة لزوجات الرسول، وضيوفه ولكافة المسلمين، كذلك تعليم آداب السلوك، والاستئذان:

 

 القرآن

المحاكاة الثالثة

عبس وتولى أن جاء الأعمى (عبس 1-2)

عبس النبي وامتعض لسماعه اقتراب الأعمى فيبتعد لا يجرؤ على العيب عليه تظهر الحيرة.

ومضمون هذه المحاكاة عن تكبر الإنسان وغطرسته وغروره وهو ضعيف، ثم عن ماذاينتظره يوم القيامة والحساب.

 القرآن

المحاكاةالرابعة

ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن أتاه اللهالملك. . إذ قال إبراهيم. . (البقرة 258).

 معك أيها القوي القديم جبار توهم أن يراهن ممتلئاً بجنون العظمة كذلك أيها الرب أذللت كبرياءه.

 مضمون هذه المحاكاة: عن إذلال الله لكل جبار، وكل مريض بداءالعظمة.

 

القرآن

المحاكاة الخامسة

خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم (لقمان-10)

هامدة هي الأرض. والسماء قباب تمسكها أنت أيها الخالق لا تسقط في الماءولا على اليابسة ولا تهبط علينا لتسحقنا.

مضمون هذه المحاكاة عنقدرة الله تعالى، في خلق السموات والأرض، وعن قدرته بتنوير الكون، ونشرالمعرفة.

 

القرآن

المحاكاة السادسة

 لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين ليس عبثاً أني رأيتكم بالمنامفي المعركة حالقين رؤوسكم والسيوف مدماة في الخنادق على البروج وعلى الأسوار.

مضمون هذه المحاكاة: عن الحرب، والجهاد، والصبر، والنصر، والغنائم، ونبذ اللامبالاة، وأن مصير الشهداء الجنة.

 

القرآن

المحاكاة السابعة

يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلا (المزمل 1-2-3-4)

انهض أيها التقي في مغارتك فالسراج المنير يشع حتى الصباح بالصلاة الروحية.

مضمون هذه المحاكاة: دعوة الرسولللقيام بواجباته الدينية، والقيام بفريضة الصلاة، بعد أن أنعم الله عليهبالنصر.

 

القرآن

المحاكاة الثامنة

فمثله كمثل صفوانٍ عليه ترابٌ فأصابه وابلٌ فتركهُ صلداً لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (البقرة –264).

واعلم: إن عطاياك مثل حفنة غبار يغسلها المطر الغزير من على الحجر فتتلاشى، والله يرفض هذا العطاء.

مضمون هذه المحاكاة عن فعل الخير والعطاء، والكرم، والإحسان، وإن كل إنسان سيجد نتيجة عمله.

 

القرآن

المحاكاة التاسعة

أو كالذي مر على قرية وهي خاوية (البقرة 259)

 إلى الله اشتكى عابر السبيل المنهك يعاني العطش باحثاً عنظل.

مضمون هذه المحاكاة: فكرة الموت والحياة وقدرة الله تعالى على البعث والنشور بعد الموت.

وهنا يطرح سؤال نفسه: لماذا حاكى بوشكين القرآن، أو ما الذي جذبه إليه وأثار اهتمامه؟

في الجواب نقول: إن سبب اهتمام بوشكين بالقرآن وانجذابه إليه ثم محاكاته له يعود إلى أسباب موضوعية وأسباب ذاتية:

أ-اهتمام أوروبا بشكل عام بالثقافة العربية – الإسلامية، وكان بوشكين على دراية تامة باهتمام اللورد بايرون، وغوته، وفيكتور هوغو بالثقافة الشرقيةالعربية – الإسلامية، خصوصاً غوته الذي اهتم بالقرآن اهتماماً خاصاً.

ب-اهتمام روسيا بالمشرق العربي بشكل خاص، وبكل ما يتعلق بالثقافة العربية الإسلامية، فترجم القرآن إلى اللغة الروسية أكثر من مرة.

ج-ربما يكون أحد الأسباب، تتعلق بأصول بوشكين الافريقية وجذوره ونسبه، إذ ينحدر بوشكين منجهة أمه إلى أصول إفريقية – من شمال الحبشة – أريتيريا. فجد أمه هو الزنجي إبراهيم هانيبال.

د-وسبب مهم آخر، يتعلق بموهبة الشاعر وقدراته العقلية التي كانتبلا حدود، من حيث استيعاب ثقافات أخرى تغني الثقافة الروسية. فعلى حد تعبير بوشكين نفسه: "إن العرب ألهموا ملاحم العصور الوسطى، النشوة الروحية، والرقة، والحب، ومناصرة الخير والبلاغة".

ومن سؤال لماذا حاكى بوشكين القرآن إلى سؤال: ماذاحاكى بوشكين في القرآن؟

لقد قال بوشكين كلمته، ومضى، وترك النقاد والباحثينيختلفون فيما قال، خصوصاً في قصيدته "محاكاة القرآن".

فالناقد تشرنايف وهو قبلالثورة 1917، يؤكد أن بوشكين في "محاكاة القرآن" وضع مهمة أمامه هي: "نقل الجانب الفلسفي – الديني للقرآن، وإن كتاب المسلمين والشرق قد أذهل بوشكين، وأنه لمن المدهش، أن القرآن هو الذي أعطى بوشكين أول دفعه (هزة) للانبعاث الديني، ولهذا كانله مغزى كبير في حياته الداخلية" كما ويؤكد تشرنايف: أن ما لفت انتباه بوشكين في القرآن ليس القيم الأخلاقية بل التمجيد الشاعري والتبجيل للرحمن وعظمته وجبروته، وأن الذي أدهشه في القرآن وأذهله "مهابة الله وعظمته المتعلقتان بعقيدة الإسلام التوحيدية، والتي حاول بوشكين أن يعكسها في قصيدته تلك".

الباحث ستراخوف يقول: "إن بوشكين لديه إحساس صادق بالنص الأصلي، في ذلك الوقت كان على استعداد أنيحاكيه تماماً. وقد أثنى على التناغم الهارموني في القصيدة وعلى الإنسيابيةالشعرية المذهلة والموسيقى العجائبية.

أما سومتسوف فيرى أن الفكرة الأساسية "عند بوشكين هي فكرة الإله القوي القدرة، الجبار، العادل، الإله المحب ارتفعت فوقأخلاق المسلمين، وهي بالتالي لا تنفصل عن تصورات الأخلاقية المسيحية الرفيعة".

ولكن ليرنر يرى "أن بوشكين الذي كان إنسان عصره وابن أرضه وتربته كان عنده هدف واحد: -هو نقل روح الشعر العربي الصافي الذي يتنفسه القرآن".

أما فيلونيتكو فيقول: "إن بوشكين اهتم بالقرآن إنسانياً وليس ربانياً إطلاقاً. والذي لفت انتباهه: "مُحيا الشعب العربي ذو السمة الخاصة فيالحقيقة، يمكن أن تكون عند الشاعر رغبة في الانطلاق إلى العلو الصوفي. لكنه تخلص منهذه الرغبة وتحول تحولاً حاداً إلى المادية واستطاع أن يبقى على الأرض وعلى تربة الواقع الإنساني المعاش".

أما كاشتاليوفا فتقول: "إن الذي لفت انتباه بوشكين هو شاعرية القرآن" وإن بوشكين حاكى القرآن قبل كل شيء، كنص أدبي شاعري عظيم، وكذلك يرى فريدمان: "عندما أبدع بوشكين محاكاة القرآن، اهتم قليلاً بالجوهر الصوفي للإسلام" إن بوشكين اهتم بالحقائق الأخلاقية في القرآن، المعروضة بشاعرية قوية، وأن التعبير الفني في سور القرآن للشعر العربي الجريء، هو الذي لفت انتباه بوشكين الذينفذ إلى عمق أدب العالم وثقافته".

ويرى الناقد بلاغوي: "أن بوشكين فهم بعمق مضمون القرآن والجانب الآخر الذي آثار اهتمام بوشكين وإعجابه هو الروح البطولية، وحماسة الدعوة للنبوة والتبشير بها، ورفع معنويات الروح البطولية، والدعوة اللاهبة للنضال، واحتقار "اللامبالاة" التي تقوض فرحة النصر".

وأن الهدف الأساسي منمؤلف بوشكين هذا، هو أن يخلق بوشكين حالة عامة في صفوف الطليعيين الروس، وفيالمجتمع المعاصر لبوشكين وعصره، وهذا انعكس في الروح البطولية لمأثرةالديسمبريين".

ويرى توماشيفسكي: "أن المحاكاة تتضمن القضايا الأساسية التيبرزت أمام الشاعر والتي من المفترض أن تحلها الرومانتيكية. . لقد انعكس الإيمان بقوةالكلمة الشاعرية خارج إطار الرومانتيكية في هذه المحاكاة…

 

ويمكن أن نوجزأهم الآراء رغم الاختلاف في وجهات النظر التي تمحورت حول النقاطالآتية:

1- نقل الجانب النفسي – الديني في القرن.

2- تمجيد الله، والإقرار بقدرته – وفكرة الإله الجبار.

3- النزعة الإنسانية.

4- نقل روح الشعر العربي الصافي.

5- السيرة الذاتية للشاعر.

6- عكس الجوانب الاجتماعية- الفلسفية.

7- تصوير العادات والتقاليد، والواقع المعاش، والحياة الثقافية العربية.

8- الجوانب الجمالية والفنية الشاعرية.

9- عكس وتصوير المضمون الأخلاقي للقرآن، الذين يتضمن المواعظ والإحسان والصدقات والمساواة والعدل والحب.

وهكذا، نرى أن وجهات النظر تتمحور حول الشكلوالمضمون ففي حين ركز النقاد وقبل الثورة على المضمون، وعلى المفاهيم العقائديةالدينية – الروحية وعلى النواحي الفلسفية ركز النقاد بعد الثورة على النواحيالجمالية والفنية والاجتماعية والإنسانية والشاعرية، وربطوها بمرحلة صعبة جداً هيمرحلة النضال الشرس التي توجتها انتفاضة الديسمبريين. ولقد عبر قبل الجميع عن هذهالقصيدة الناقد الكبير بيلينسكي قائلاً: "إنها الماسة البراقة في تاج بوشكينالشعري. وهي تعكس روح الإسلام وجمالية الشعر العربي.

بقي أن نشيرإلى "حس النبوة" عند بوشكين. أو شخصية "الشاعر – النبي".

كان بوشكين ينظرإلى محمد، كنبي عظيم، وشاعر عبقري، ولهذا كان يرى في شخص الرسول الكريم، القدوة، ومن هنا، شبّه نفسه بالرسول (ص). إذ يقول في رسالته إلى الأمير فيازمسكي: "إنمقترحاتك بشأن مرثياتي، أمر لا يتحقق، وبالمناسبة كنت مضطراً للهروب من مكة إلىالمدينة… وقرآني تخاطفته الأيدي والمؤمنون بانتظاره!

فبالإضافة إلى أن بوشكين كانمطلعاً على سيرة الرسول، فقد شبه نفسه به، حين أمر القيصر بنقل منفاه من مدينةأوديسا في الجنوب إلى قرية نائبة في الشمال. إن هذا المقطع من رسالة بوشكين، يعنيالكثير، في فهم نفسية بوشكين، وتشبيه نفسه بالرسول الكريم، في لحظات صعبة وقاسية، إذ كان يتجسد الرسول فيها في نفسه بكل معاناته وعظم مهمته وذلك في أثناء هجرته منمكة إلى المدينة، وهو يعد النفي هنا توازي الهجرة، هذا أولاً، وثانياً: كان أقرباءالرسول أو بعضهم ولنقل الأكثرية من قومه، ضده، ولما أجمعوا كي يقتلوه: كانت الهجرة، وهنا نجد: أن السلطات ضد بوشكين، وقد استطاعوا أن يوغروا صدر أبيه ضده، والمقربينمنه أيضاً. الأمر الثالث: وهو ديوانه الثوري، الذي يقول عنه (قرآني) لعلمه أنالقرآن في بداية الدعوة كان يتداول بالسر.

ومن هنا، نجد المقطع الأخير منالمحاكاة الأولى موجهاً إلى الشاعر ذاته، وليس هو خطاب الله لرسوله:

فكنشجاعاً واحتقر الغش والخداع

اتبع الحقيقة وبشر بها

أحبب اليتامىوقرآني

وبشر بالأفكار الثمينة

عن كلمة الحقيقة "يقول الناقدفينوكوروف: فكلمة "برافداً الحقيقة" لا أعرفها في بقية اللغات ولكن في اللغةالروسية لها معنيان:

الأول: الحقيقة، كما هو متداول والمعنى الثاني: هوالعدالة.

"لا يوجد حقيقة على الأرض-ولكن لا يعلو على الحقيقة شيء – هذا مايقوله بوشكين. فماذا يقصد العدالة أم الحقيقة؟ بالنسبة للإنسان الروسي، مفهوم (الحقيقة) البارد وتقويم المعنى الأخلاقي الحار (للعدالة) مجموعان في كلمة واحدة" وبوشكين، كان يرمي إلى الحقيقة زائد العدالة، التي جاء النبي محمد من أجلها، من هنارأى بوشكين في شخص الرسول يتيماً وحيداً في صحراء، وقائد عظيماً، ومحارباً شجاعاً، وإنساناً لطيفاً متواضعاً يحب الفقراء والمساكين واليتامى، وينصف المظلومين، ولهذا، كله شبه حياته بحياة محمد. وجعل منه المثال الذي اقتدى به في محنتهومعاناته.

إذن، ليس مصادفة أن يطلق على نفسه لقب "نبي"، إذ يقول: "أنا نبي، والله نبي" وليس مصادفة أن يطلق عليه صديقه الشاعر يازيكوف: "بوشكين – النبيالجميل". يقول بلاغوي: وبالمناسبة، أن استخدام كلمة "نبي" عند بوشكين توازي كلمة "شاعر" لأن بوشكين نفسه كتب إلى يازيكوف: "ربة الشعر تتفوق على النبي".

أبدعبوشكين قصيدته: (محاكاة القرآن) و(النبي) عندما كان منفياً في قرية منسية، مهجورة، طرشاء كما يسميها الشاعر نفسه، ومن هنا يمكن فهم العامل النفسي لقضية انعكاسالهجرة، والنفي، وبالتالي، مطلب الشاعر بالصبر، والنضال، والنهوض، تلك المرحلةأطلقوا عليها: (من المنفى إلى المنفى)، لكن المنفى الجديد في قرية ميخايلوفسكي، كانأشد وأقسى وأصعب على روح الشاعر نفسه، خصوصاً، أنه كان محاصراً من رجال القيصر، ومنأبيه، ومن رجال الدين – الذين رأى فيهم بوشكين خدماً لسلطان الإمبراطور المعظم، فأوغروا صدر أبيه ضده، أنه ينشر أفكاراً إلحادية هدامة، ففي هذه الحال من الحصار، والنفي، والوحشة، والوحدة، برز شخص النبي العربي، الذي كان يراه بوشكين أيضاًوحيداً ويتيماً في صحراء، وهذا ما نجده في رسالته إلى أخيه حين كتب له: "إني مشغولبكلمات القرآن" وهنا قصيدته: المغارة:

في المغارة السرية

في يومالهروب

قرأن آيات القرآن الشاعرية

فجأة هدأت روعيالملائكة

وحملت لي التعاويذ والأدعية

وهنا تشبيه آخر، فالقريةالطرشاء النائية يشبهها بالمغارة حين هاجر الرسول والهجرة يسميها: الهروب. وهو فيالمنفى أيضاً نظم قصيدته الرائعة الأخرى: (النبي) الذي يستهلها:

عذبني عطشالروح

وأنا منبوذ في صحراء مقفرة

فجأة الملاك ذو الأجنحةالستة

ظهر لي على القارعة

ويختمها:
وجاءني صوتالرب

انهض أيها النبي، وأبصر

لبّ إرادتي

وجُب البروالبحر

وألهب بفعلك قلوب الناس…

عندما نُشرت هذه القصيدة حذفت الرقابةالمقطع الآتي:

انتفض، انتفض يا نبي روسيا

واخلع رداءالعار

واذهب مع المؤمنين إلى…

يقول أنايكوف: "كان بوشكين قبل أنينظم قصيدته (محاكاة القرآن) مشغولاً بموضوعاته التي بالغ بها، بعدها، رأى من واجبهنشر اسم محمد كنبي وفنان عبقري عظيم – في الأوساط الأدبية وليس عبثاً أن يتوسل إليهرييلف كي يترك التقليد الأعمى لبايرون مستخدماً عبارته الآتية: "ولو من أجل حبيبكمحمد".

لقد قرأ بوشكين في القرآن: "يا أيها النبي إنـّا أرسلناك شاهداً ومبشراًونذيراً.

ولقد أدرك بوشكين أن للشاعر رسالة وله قضية، وأن مهمة الشاعرالنبي أن يكون شاهداً، ومبشراً، ومحرضاً، ومنوراً، ومعلماً، وثائراً، كما كان محمدالنبي العربي تماماً.

وأخيراً: نخلص إلى القول بأن بوشكين كتب رائعته: "محاكاة والقرآن"

1-                   ليغني الشعر الروسي بأعظم الأفكار وأروعها وهذا ما يؤكدههو:

"يتضمن القرآن الكثير من الحقائق والقيم الأخلاقية المطروحة بقوةوشاعرية".

2-                   وجد في القرآن الملاذ الروحي في محنته، في سنيالنفي.

3-                   رأى في شخصية النبي المثال والقدوة في تلك المرحلة من تاريخ روسياالقيصرية: إذ وجد في صبر النبي وثباته وتمسكه بمبادئه وتحمله أذى المشركين وبعضأقربائه والتبشير بالدعوة والقدوة والمثال.

4-                   بحث بوشكين عن القيمالأخلاقية، المتمثلة برفض التكبر والغرور، والغطرسة، والدعوة إلى التسامح والطهارة، والعفة.

5-                   أعجب بوشكين بفكرة العطاء والزكاة والصدقات، وإكراماليتيم.

6-                   أولى بوشكين أهمية كبيرة لقضية "البعث" بعث وانبعاث الإنسانالخاضع، الخانع للعبودية، والاستبداد.
ولقد تجلى هذا كله من خلال شاعريةبوشكين عظيم روسيا مستلهماً روحانية المشرق من خلال آيات القرآن وسيرة النبي.

هوامش

1- ميخائيل نعيمة – البيادر.

2- من كلمة رئيسأكاديمية العلوم الروسية في 22 آذار 1818 – المنشورة في كراس المعهد التربوي الأولفي بطرسبورغ ص3.

3- بوشكين المؤلفات الكاملة، بعشرة مجلدات، موسكو 1958المجلد العاشر ص111.

4- د. محمد غنيمي هلال – الأدب المقارنص106