الرئيسية » سياسة واقتصاد » روسيا والشرق الأوسط: رؤية من مصر – أحمد مصطفى
rwsy_wlshrq_lwst.jpg

روسيا والشرق الأوسط: رؤية من مصر – أحمد مصطفى

 

 المحور السياسي والإستراتيجى لروسيا فى الشرق الأوسط:

 

تعددية الاقطاب

بدأت الفكرة فى عالم متعدد القطبية منذ كان السيد/ يفجينى بريماكوف وزيرا للخارجية الروسية فى منتصف التسعينات، وأخذ تلك المبادرة بالتعاون ووضع حجر زاوية منظومة البريكس مع كل من الصين والهند ثم مدها بعد ذلك لتطال البرازيل وجنوب افريقيا، ثم تلتها بعدها بـ 10 سنوات مجموعة العشرين، حيث من خلال الشركاء الآخرين داخل المجموعة يمكننا إعادة صياغة رؤية استراتيجية للعالم فى المستقبل.

لماذا الشرق الأوسط

بالنسبة للشرق الأوسط وباعتبارها بؤرة أيديولوجية إسلامية متطرفة، فإن الشرق الأوسط لا يزال يشكل مصدر تهديد لروسيا وحلفائها، وفي الوقت نفسه، فإن روسيا تعزز دورها لقوتها العالمية المسؤولة التى تساعد في حل القضايا الأمنية المشتركة.

أهم النتائج التى حققتها روسيا فى الشرق الأوسط

·        تحرير جزء كبير من سوريا من أيدي الدولة الإسلامية بمشاركة مباشرة من روسيا وتهيئة الظروف اللازمة لدفع عملية السلام إلى الأمام وإعادة بناء سوريا.

·        إتفاقات حول مناطق تخفيف التصعيد، ومنع الصدامات بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا، والتقدم في عملية السلام في أستانا.

·        مع العلم أن الأغلبية مستعدة لإنهاء الأزمة السورية، وأنشأت روسيا  4 مناطق خفض تصعيد بالتعاون مع الضامنين إيران وتركيا، وكذلك تم تطوير الحوار بين الحكومة السورية والمعارضة وحاولت إيصال مساعدات لمناطق خفض التوتر، وتحاول القضاء على جبهة النصرة، إلا أن التحالف الدولى لا يقاتلونها لاستغلالها، وفى مجلس الأمن تم اتخاذ قرار لمكافحة الارهاب، ولكن الحقيقة أنه لا يوجد حسم من الغرب تجاه النصرة.

·        تحاول روسيا جاهدة تطبيع العلاقات مع تركيا من خلال الترهيب والترغيب على مدار السنتين السابقتين.

·        تطوير العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وتنسيق التفاعل في أسواق النفط وخصوصا بعد التعاون الأخير مع أوبك.

·        الحفاظ على الوضع الراهن فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.

التحديات والتهديدات

·        ركود وقتى لعملية السلام نتيجة للتناقضات داخل سوريا وبين اللاعبين الخارجيين (الخلافات بين روسيا والولايات المتحدة، موقف تركيا من القضية الكردية، مسألة تأثير إيران في المنطقة).

·        التهديد الإرهابي المستمر، بسبب عودة مقاتلي داعش إلى روسيا والدول السوفيتية السابقة، وزيادة نشاط الإرهابيين تحت الأرض في شمال القوقاز وآسيا الوسطى.

·        يعتبر البعض فى الغرب أن الارهاب وليد الدكتاتورية ومن خلال ذلك يتم السعى لتغيير الانظمة فى الشرق الأوسط، ولكن السؤال الأهم هل الغرب جدي فى محاربة الإرهاب؟

·        الأفضل المصالحة بين المذاهب وخصوصا السنة والشيعة وهذا يصلح الكثير، وخصوصا ما بين السعودية وإيران والبدء بحوار بناء يصب فى مصلحة سوريا واالدول الأخرى، إلا ان المشكلة تكمن فى التأثير الغربي على دول الخليج، وكذلك لا تثق روسيا فى رؤى أمريكا لتناقض الاهداف الخاصة بها متمثلة فى "هل قضاء على الإرهاب أولويتها الحالية أم رحيل بشار الأسد".

·        وكذلك التوسع على حساب الحدود الروسية من خلال أوكرانيا، وقد إقترحت روسيا مفاوضات أستانا وقد بدأت منذ عام تقريبا، وبعد ركود محادثات جنيف فإنها تدعم الحوار، ولكن معارضة الخارج تحاول إحباط المفاوضات ووضع شروط مسبقة، إلا أن روسيا تعول على مؤتمر الحوار السورى السورى فى نهاية يناير فى سوتشى، والذى يضم طيف واسع للمعارضة وخصوصا معارضة الداخل، لأن المعارضة الخارج لا تمثل تماما قلب المعارضة السورية، وطبعا تناقش روسيا أسماء الضيوف مع الدول الضامنة "ايران وتركيا" وهذا ليس ضربا لجنيف، ولكن تصحيح وفد المعارضة ليصبح موضوعيا وأكثر تنوعا.

·        طبعا مسألة تدريب الارهابيين فى بعض قواعد أمريكية فى سوريا أمر مرفوض، ويقوض المفاوضات ومجيئنا لسوريا جاء لتصحيح وضع التحالف الدولى، وحاليا لدينا مركز التشاور فى عمان الأردن لان العملية الدستورية لا بد توافر زخم فيها، ومع الأسف يوجد لاعبون خارجيون يلعبون على الأساس الطائفى. 

·        تفاقم الوضع في أفغانستان بسبب تعزيز داعش.

·        طبعا تدهور الوضع في اليمن ايضا يؤثر بالسلب.

·        وتمثل ايضا المحاولات العسكرية من الغرب دون التنسيق مع روسيا لحل الأزمة في ليبيا أحد مصادر القلق لدى روسيا لأنها توسع فجوة الشقاق وثؤثر بالسلب على فكرة مواجهة الإرهاب.

·        أيضا تهديد الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني.

الفرص المتاحة لروسيا

·        هزيمة داعش فى العراق وسوريا وتحرير ما يزيد عن 90% من الأراضى السورية.

·        دور روسيا الرائد في التسوية السورية وتنظيم مؤتمر حوار الشعب السوري والنهوض بعملية جنيف.

·        إعادة بناء سوريا بالتعاون مع المنظمات والجمعيات الدولية الرائدة وايضا مع الإتحاد الأوروبي والصين وايران.

·        تطوير التعاون العسكري والتقني والتجاري والاقتصادي مع مصر والعراق والمملكة العربية السعودية ودول أخرى كالإمارات والكويت وايضا قطر.

·        محاولة حل الأزمة القطرية ودول المقاطعة ومحاولة المصالحة ما بين ايران والسعودية.

·        وايضا تحاول روسيا تقوية علاقاتها بدول المغرب العربي وايضا مع السودان.

·        تطوير الحوار مع إيران والحفاظ على الوضع الراهن فيما يتعلق ببرنامجها النووي.

المهام ذات الأولوية للسياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط في عام 2018

·        تعزيز مواقف سوريا، مع مراعاة الانتقال من العملية العسكرية إلى إعادة بناء البلاد بعد انتهاء الصراع.

·        منع الاشتباكات العسكرية في المنطقة، وتعزيز مفهوم نظام الأمن الإقليمي، والحفاظ على العلاقات الودية وتعزيزها مع بلدان المنطقة كافة.

·        منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة.

·        منع المنطقة من التحول إلى قاعدة للإرهاب الدولي والتصدي لتصدير الإرهاب والإسلامية المتطرفة إلى شمال القوقاز وآسيا الوسطى.

روسيا والقضية الفلسطينية

أعلنت روسيا اعتبار القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، والقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، وأن أى إخلال لذلك سيضر بالإستقرار وعملية السلام فى الشرق الأوسط، وسيؤجج الوضع فى المنطقة بالكامل، وأكدت روسيا أن أى قرار يجب أن يتفق مع الشرعية الدولية وما صدر من قرارات مع مجلس الأمن، مع عدم مخالفة القانون الدولى، لأن للفلسطينيين حقوق مشروعة لا يجب إنكارها، وأن ما حدث ينسف عملية السلام من أساسها ويؤثر على أمن اسرائيل أيضا بالدرجة الأولى، "كل المعلومات الواردة أعلاه وردت فى تقرير استراتيجية روسيا والشرق الأوسط لسنة 2018 وكذلك تصريحات كلا من الرئيس الروسى بوتين ووزير الخارجية لافروف". 

روسيا واليمن

صعد مقتل صالح فى اليمن من الامور، وروسيا دائما ما تدعو كل الاطراف فى مشاركة فى حوار وطنى شامل لأنه مهما يحدث فى اليمن لا طريق غير مفاوضات يمنية يمنية، ونأمل فى أن المبعوث الأممى أن يأتى بخيارات منطقية، ولا ينحاز لطرف على حساب الآخر طالما هناك فرص للحل السياسي، واذا كان هناك حوار ايرانى خليجى لا بد ان نجلس ونسمع بعضنا البعض.

بالنسبة للعلاقات المصرية الروسية

تعد مصر شريك استراتيجى مع روسيا فى المنطقة وتدخل مصر ضمن مجموعة حميميم، ولدى الطرفين روابط استراتيجية وثقافية وتجارية وخصوصا المشروع النووى بالضبعة، وكذلك المنطقة الروسية التجارية الحرة فى منطقة محور قناة السويس الجديدة وصفقات السلاح التى تمت منذ 2014، وتدعم روسيا حزم مصر فى القضاء على الارهاب، ولدى الطرفين اتصالات على مستوى الخبراء العسكريين، أما نقل عسكريين روس لمصر أمر غير وارد حاليا كما يشاع، وهناك إتفاقية أجواء مفتوحة بين مصر وروسيا حاليا، وكذلك توجد الفصائل السريعة، وسرعة استخدام المطارات فى مصر وسوريا فى الحرب على الإرهاب وكل هذا وارد.

 

(ثانيا) روسيا والشرق الأوسط إقتصاديا

ترجع إعادة العلاقات ما بين روسيا بوتين والشرق الأوسط بداية من سوريا ‫‏بشار الأسد منذ عام 2005 وخصوصا عند زيارة بوتين التاريخية لسوريا فى ذلك التوقيت بعد الحرب المفتعلة على ‫‏العراق من قبل الولايات المتحدة فى 2003 واحتلالها لها والعجز الإقتصادى الذى اصاب امريكا، ومحاولة إيجاد موطىء قدم روسي فى المنطقة يضعه بالقرب من المياه الدافئة بالمتوسط، وايضا محاولة إحياء المحطة البحرية الروسية فى ‫طرطوس، وإحلال نوع من التوازن مع الغرب فى المنطقة لوجود فراغ فى النطاق السورى، وأيضا قامت روسيا بإلغاء ما يقرب من 74% من الديون السورية لدى روسيا، وبناء 100 مصنع داخل سوريا وبالتالى فروسيا والرئيس بوتين صاحب مصلحة فى دعم سوريا الدولة ولأن سوريا دولة مستقلة عضو بالأمم المتحدة لديها الإرادة الكاملة فى إقامة علاقات استراتيجية مع حلفاء مثل الروس والإيرانيين.

على الجانب الآخر، العرض الروسى من قبل الرئيس بوتين على رئيس مصر السابق مبارك فى 2005 لبناء محطة نووية فى منطقة الضبعة، ورفض مبارك وقال سنحيل الموضوع لمناقصة عالمية.

كان قد أعلن فى 2008 عن قرب تحالف صينى روسي إيرانى تركي قد يرقى إلى توحيد العملة بين هذه البلاد للعلاقات الإستراتيجية الإقتصادية بعضها البعض – طبعا هذا خلافا إلى كل من مجموعة بريكس وقمة العشرين اللتان ظهرتا للعلن فى هذه الفترة، وهى محاولات جيدة لإثناء العالم عن النيوليبرالية التى أدت لتخريب الإقتصاد العالمى وخراب المؤسسات المالية والبنوك العالمية بسبب الحروب من جهة والنصب المصرفى من جهة أخرى.  

وبعد حدوث الثورات العربية الأربعة (تونس ومصر واليمن والبحرين) وما حدث فى ليبيا من دمار بسبب موافقتها على قرار الناتو بقلب النظام فى ليبيا – قررت روسيا التدخل مرة أخرى فى الشرق الأوسط بشكل إيجابي فى المنطقة بعد وصول الرئيس بوتين مرة أخرى إلى السلطة فى مارس 2012 وخصوصا كان الوضع الاقتصادى بالنسبة لها ممتاز كسادس أكبر إقتصاد فى العالم، وذلك قبل موضوع ضم القرم الذى أدى لفرض عقوبات غربية، وكذلك التلاعب بأسعار النفط من قبل الولايات المتحدة نكاية فيها وفى ايران، بسبب وقوفهما بجانب النظام السورى فى حربه العالمية على الإرهاب.

ومنذ تأسيسه في عام 2011، تلقى صندوق الاستثمار المباشر الروسي (رديف) أكثر من 25 مليار دولار من المستثمرين العالميين، 90 في المائة منهم من آسيا والشرق الأوسط، وفي مقابلة مع مجلة "أرابيان بزنس" الأسبوعية، دعا الرئيس التنفيذي لشركة رديف كيريل دميتريف الشراكة مع مستثمرين من الشرق الأوسط ووصفها بـ "مباراة في السماء".

وقد ضاعفت هيئة الاستثمار الكويتية، التي كانت أول صندوق استثماري خليجي للاستثمار في (رديف)، في عام 2012، إلى استثمار مليار دولار في عام 2015، وقد أطلقت الشركة الاستثمارية الإماراتية "مبادلة"، صندوق الاستثمار مع رديف لمتابعة الفرص في روسيا، في حين خصصت وزارة المالية في أبوظبي 5 مليارات دولار تديرها مبادلة للاستثمار في مشاريع البنية التحتية الروسية، كما تم الإعلان عن شراكة أخرى مع صندوق الاستثمار العام السعودي في عام 2015، حيث وافق الصندوق على إستثمار 10 مليارات دولار في روسيا، في عام 2016، أعلنت صندوق الإستثمار في البحرين "ممتلكات"، أنها ستستثمر 250 مليون دولار في صندوق روسيا للاستثمارات المباشرة.

في النهاية، كان صوت الكرملين أكثر قوة، حيث قام الرئيس بوتين بـ "لعب دورا حاسما" في التوصل الى إتفاق "لمساعدة المتنافسين فى أوبك إيران والمملكة العربية السعودية لإقصاء الخلافات جانبا الخلافات"، حيث استفادت روسيا من وقف سقوط سعر النفط؛ حيث كانت تنتج رقما قياسيا منذ إنهيار الاتحاد السوفيتي جعلت من الاسهل الانضمام إلى التخفيضات، مع فتح أسواق جديدة لمنتجاتها وخصوصا مع آسيا متمثلة فى دول البريكس ودول شرق اسيا.

مع أكثر من 80 مشروعا نفذت في الشرق الأوسط بين عامي 2003 و 2016، أصبحت البصمة الروسية في المنطقة أكثر وضوحا، وفي قطاع الطاقة، تعمل الشركات الروسية في مجال التنقيب عن النفط وإنتاجه وتداوله، وشركات النفط والغاز الروسية "لوك أويل وغازبروم ونفت ميدل ايست" تشارك في مشاريع في العراق، وفي عام 2016 وقعت روسيا وإيران خطة استراتيجية خمسية شملت 13 اتفاقا تركز على الطاقة والبناء والتجارة، وتقدم روزنيفت دفعة مسبقة لتسليم النفط الخام في المستقبل من المنطقة الكردية في العراق.

كما تلعب الشركات الروسية دورا كبيرا في تطوير الطاقة النووية في الشرق الأوسط، وقامت روسيا ببناء أول محطة للطاقة النووية في إيران، في بوشهر، وفي عام 2014 وافقت على بناء ثمانية مفاعلات نووية أخرى في إيران، وستقوم شركة "روساتوم"، المملوكة للدولة، ببناء أول محطة للطاقة النووية في الأردن، ومن المتوقع أن يبدأ تشغيلها في عام 2023، ووقعت روسيا والمملكة العربية السعودية اتفاقا للتعاون بشأن تطوير الطاقة النووية في عام 2015، بالإضافة لتوقيع عقد بناء 4 مفاعلات نووية فى منطقة الضبعة فى شهر ديسمبر الماضى بحضور القيصر بوتين.

وتعرف صفقات الطاقة، لا سيما في القطاع النووي، بطبيعتها الطويلة الأجل، ومن ثم يمكن أن تدعم مبادرات التعاون الاقتصادي والسياسي الأوسع نطاقا التي تمتد على مدى عقود لتتناسب مع دورات حياة هذه المشاريع الطويلة، ومن المرجح أن يتم الإعلان عن المزيد من الصفقات بين روسيا ودول المنطقة، خاصة بالنظر إلى الدور السياسي المتزايد الذي تلعبه موسكو هناك.

ومع ذلك، فإن مثل هذه الصفقات لن تكون خالية من الجدل، وذلك أساسا بسبب التنافس السياسي المتوتر بين دول الشرق الأوسط – إيران والسعودية، على سبيل المثال – ومثل المنطقة الكردية والحكومة العراقية في بغداد، وكذلك مصر وتركيا وسيتطلب التنقل في هذه الحقائق الجيوسياسية المعقدة بعض المناورات الذكية من الجانب الروسي.

جزء كبير من هذا المحور يرجع إلى مقال ورد فى موقع "كريستال إنرجي" تحت عنوان "تنامى الروابط الاقتصادية الروسية فى الشرق الأوسط".

 

(ثالثا) روسيا والشرق الأوسط ثقافيا:

خمسون عاما على العلاقات الثقافية الروسية المصرية العربية – هناك مثل صينى مهم "إن أردت أن تبنى العلاقات، فعليك بمد الجسور" – هنا الجسور تتمثل فى جانبين "الجانب الإقتصادى والجانب الثقافى" الجانب الثقافى من أهم الأمور التى تربط وتخلق علاقات طيبة بين البلدان لأنها تجعلنا نتعرف على تفكير الآخر وبالتالى صياغة علاقات سياسية واستراتيجية أقوى.

وبمراجعتى لعلاقات مصر مع روسيا، والتى تدخل عامها الـ 75 على وجه العموم ثم علاقاتها الثقافية الممتدة لـ 50 عاما على وجه الخصوص – فأجد أن العصر الذهبى كان منذ نهاية الخمسينيات بداية من المهرجان العالمى للشباب سنة 1958 ومشاركة مصر بإحدى فرقها للفن الشعبي، وايضا مشاركة احد اكبر نجمات السينما والإستعراض "نعيمة عاكف" بثلاث تابوهات فنية راقصة استطاعت من خلالها الفوز بلقب أحسن راقصة فى العالم ما بين 58 دولة مشاركة فى ذات المهرجان.

تمصير الأدب وإرتباطه بصناعة السينما فبداية من "أنا كارنينا – نهر الحب" بطولة عمر الشريف وفاتن حمامة من روائع تولستوى – ثم ثلاثية دوستفسكى "الجريمة والعقاب/ سونيا والمجنون – الأبله /العبيط – الإخوة كرامازوف/ الإخوة الأعداء" إلى وجود مدربين رقص روس محترفين للفرق الشعبية المصرية وكذلك لفرقة رضا وايضا لأكاديمية الفنون لتطوير فن الباليه فى مصر وحصول مصر فى ذات التوقيت على العديد من الجوائز العالمية او على الأقل المشاركة القوية.

طبعا على مستوى الفكر والشعر والكتابة فلدينا الكثير من الكتاب والشعراء الروس المشهورين جدا فى مصر والعالم كـ "تولستوى ودوستافسكى وتشيكوف" وايضا "بوشكن" شاعر السيف والقلم فى روسيا والذى أنتج شعرا رائعا غزيرا وقتل وهو فى ريعان شبابه بشرف فى المبارزة الشهيرة بسبب الوشاية فى سان بطرسبرج، ومؤخرا تم اهداء تمثال له من روسيا الى مصر فى احتفالية خاصة به فى إبريل الماضى، وحتى لينين والذى قام بالتنظير للمذهب والفكر الشيوعى وأحد زعماء الثورة البلشفية فى ذكراها المئوى هذه الأيام. 

ودائما نفخر فى مصر بكون روسيا ضيف شرف معرض القاهرة الدولى للكتاب نظرا للانتاج الفكرى الغزير والذى يحتوى على وجهة نظر مخالفة لوجه النظر الغربية، وعلى مستوى الموسيقى أيضا لدينا "موسيقى تشيكوفسكى" أشهر مؤلف وموسيقار وعازف للبيانو فى روسيا بل وربما فى العالم، والذى تعقد فى ذكراه سنويا مسابقة عالمية فى عزف البيانو فى موسكو، وايضا كورساكوف صاحب مقطوعة ترتبط وثقافتنا العربية والشرقية "شهرزاد" والتى يتم عزفها باستمرار فى مسلسلات الف ليلة وليلة والفوازير بشهر رمضان بمحطات التلفزة المصرية.

لن أقوم بسرد أمور كثيرة تقليدية كالآخرين – انا أعمل كباحث اقتصاد سياسي وبمجال الترجمة و"عضو مجموعة رؤية استراتيجية – روسيا والعالم الإسلامى – إعلاميون ضد التطرف" – فحاليا تنسق معى المجموعة لترجمة إحدى الكتب المهمة الصادرة عن د/ سهيل فرح رئيس تحرير موقع المجموعة بعنوان "الحضارة الروسية" – كل هذا يتم من خلال الإنترنت وكان من ضمن شروط الترجمة أن يكون المدقق اللغوى بريطانى الجنسية، وبالفعل لدى بعض الأصدقاء بريطانيا ننسق سويا لإنجاز هذا العمل فى أقرب وقت، لكى يتم عرضه سواء فى مصر أو بعض الدول العربية المهتمة بالحضارة الروسية أو حتى فى الغرب، وكل هذا يتم من رقميا فلم يكن يتم تصور ذلك من قبل وأنا اعيش فى الإسكندرية والمجموعة موجودة بموسكو والمدقق يعيش بلندن.

حيث دخلت الثقافة بشدة فى زمن الرقمنة، وبالتالى الدول التى لا تعرض منتجاتها الثقافية والفنية من خلال الإعلام الرقمى ووسائل تواصل الإجتماعى، لن يكن لها على المدى البعيد دورا مؤثرا فى العالم، وهنا لا اتكلم عن الكتاب فقط حتى لا يساء فهمى، ولكن اتكلم عن تحويل المنتجات الثقافية والفكرية الى الإنترنت، قد يتفوق الغرب علينا من خلال اختراعه للانترنت والتحكم فيه من خلال محركات البحث التى اخترعها، وايضا غزارة المعلومات التى توضع من جانبه فيه، وبالتالى فى اعلامه العادى اصبح يطلق مواقع ناطقة بالعربية لكسب ود الجمهور والشباب العربي وخصوصا المصرى، ليضمن ان يكون لديه ولاءا وتعلقا بالغرب.

ولكن منذ بداية الألفية أرى جهدا لا بأس به من جانب روسيا والصين لمجابهة هذا التوغل الغربي الرقمى والإلكترونى، وخصوصا عندما أشاهد مواقع مثل "بيدو، ويوكو" الصينيين وأيضا "ياندكس" الروسى الموازيين لموقع "جوجل، ويوتيوب" الأكثر مشاهدة عالميا واللذان اصبحا ايضا محاطين بالمعلنين والرعاة بما يحقق صاحب هذا المنتج من نسب مشاهدة عالية بالملايين.

وكذلك أصبح هناك تميزا للاعلام "الروسى والصينى والإيرانى واللبنانى" على وجه التحديد خصوصا فى المجال الإخبارى، وذلك من خلال متابعتى لفضائيات مثل "آر تى بالعربية والإنجليزية" وموقع "سبوتنك" الروسيين، وأيضا متابعة قناة "سي سي تي فى" الصينية الإنجليزية، وقناة "برس تى فى" الإنجليزية والإيرانية، وطبعا قناة "الميادين" اللبنانية وذلك لجودة واحترافية المحتوى الخاص بهم مجتمعين، والذي ينافس بشدة الإعلام الغربي.

وما يزعجنى التضييق على القنوات الروسية من قبل بعض الدول، والتى تقول أنها تحترم حرية التعبير، وأصبح ذلك أمرا مفضوحا للعامة لما نجح فيه الروس وبميزانية محدودة مدارة بشكل ومفهوم احترافى كفء بتغيير وعى المواطن الغربي والعربي عن روسيا، وتسليط الضوء على سلبيات المجتمعات الغربية تلك السلبيات التى كانوا يتهمون الروس بها مسبقا كصور نمطية.

أيضا تصدى رجال القانون الروس والصينيين والإيرانيين لإيقاف هيمنة الغرب على القوانين الدولية المنظمة للملكية الفكرية وحقوق النشر فى عديد من المواقع، وخصوصا فى المنظمة العالمية للملكية الفكرية وفى منظمة اليونسكو، فالترجمة والنشر الإلكترونى من أهم الموضوعات الخاصة بالتأثير الثقافى.

حيث أصبحت التكتلات والمشاريع الثقافية المشتركة أمرا مهم للغاية يتشابه مع الأمور السياسية والإقتصادية لأنه صعب جدا على بلد وحدها أيا  كانت، أن تقوم منفردة بتحمل عبء مالى كبير مثل 50 عاما سابقة وذلك لنشر ثقافتها، حيث طغت الماديات واللوجيستيات والإحترافية على الهواية واختلفت المفاهيم، فمثلا عند مشاهدتى لفيديوهات خاصة بفرقة روسية جديدة تسمى "موسكو بويز – أولاد موسكو" فطلبت من الصديق أليكس الإتيان بهم خصوصا فى الإحتفال باليوبيل الذهبي، طبعا تكلم أليكس عن التكلفة العالية نظرا لشهرة الفرقة حاليا بروسيا ونلاحظ هذا الأمر أيضا فى المراكز الثقافية الغربية الأخرى.

وعليه فالمشروعات والشراكات الثقافية أصبحت أيضا ترتبط بالإقتصاد وخصوصا أن الشركات الكبرى والبنوك تخصص جزءا من إيرادات مشروعاتها لما يسمى "المسئولية الإجتماعية" والتى يمكن أن تمول من خلالها تلك النشاطات الثقافية المهمة، والتى لا ترتبط بالرفاهة الاجتماعية فقط، والتى يمكن ان تحارب مليون مرة الإرهاب والتطرف أكثر من الوسائل الأخرى وخصوصا الأمنية.

وهنا أود أن أشكر "شركة روس أتوم الروسية" وعلى نشاطها وخصوصا ما سنقوم به اليومين التاليين فى اللقاء المرتقب مع المدرستين واحدة حكومية والأخرى خاصة، وذلك للمساهمة فى بناء نواة قاعدة علمية ثقافية داخل الإسكندرية تكون رابط ما بين مصر وروسيا وتشجع الشباب المهتمين بالبحث العلمى والثقافة الروسية فى نفس الوقت. 

ومن هنا أدعو الشركات المصرية الكبرى والبنوك الإهتمام بالبرامج الثقافية للمصريين ودعمها، لأنها ستضرب عصفورين بحجر واحد "محاربة الإرهاب وأيضا محاربة البطالة وتفريغ طاقات الشباب" من خلال جهود بناءة تخدم مستقبل مصر، ويمكن أن يكون هناك شراكة مع شركات روسية فى هذا الصدد بالتنسيق مع الجانب الروسي.

ولكن هذا يأتى من وجود رؤية وخطة واضحة المعالم محددة معدة مسبقا مع أصدقائنا الروس من خلال المركز الثقافى للعلوم والثقافة ومن خلال السفارة الروسية حتى نسير فى الأطر الرسمية – على سبيل مثال مشروع ترجمة عددا من مسلسلات وأفلام وكتب وبرامج مصرية عالية الجودة الى الروسية. 

فمتحدثى اللغة الروسية ليسوا هم فقط 125 مليون نسمة سكان روسيا ولكن ايضا توجد دول أخرى وخصوصا دول الكومنولث الإسلامى الروسي السابق مثل "كازاخستان وأوزباكستان وآزربيجان وتتارستان والشيشان وانجوشيا وغيرها" وهى جمهوريات كثيفة السكان وللاسف المستثمر المصرى يغيب عنها.

فبيع مسلسل أو فيلم أو كتاب مترجم للروسية وخصوصا أن مصر بلد الأزهر سيشكل فارقاً، وسيعود بالنفع على الإقتصاد المصرى، وستفتح آفاقا جديدة فى مجالات تعاون ثقافى وسياحى واستثمارى – أيضا سيكون هناك فرص عمل تُخلق لمترجمين مصريين ومحررين روس، وسيستفيد ممول المشروع من المكاسب التى ستعود عليه من البيع لأنه كما نرى المسلسلات التركية والهندية والإيرانية والمكسيكية والبرازيلية غير الأمريكية طبعا ملء السمع والبصر، نظرا لأن عليها طلبا كبيرا فى كل الدول العالم ومنها مصر.

من حسن الحظ أنه أصبح لدينا أيضا مبادرة طريق الحرير، والتى ستولى الأنشطة الثقافية الكثير من الإهتمام، والتى ستربط حوالى ما يزيد عن سبعين دولة من أقصى شرق الصين وروسيا وحتى بريطانيا مرورا بمنطقتنا، ولديها أيضا صندوق يمكنه تمويل مشروعات ثقافية كبري يكون الهدف منها القضاء على الارهاب والبطالة من خلال الفنون.

وكذلك منتدى سان بطرسبرج الثقافى الدولى، الذى أختتم أعماله الأمس، والذى شهد توقيع حوالى 52 إتفاقية تعاون وشراكة ثقافية، وحضور زاد عن (20 ألف) ضيف من كل أرجاء العالم، وكانتا كلا من اليابان وكازاخستان ضيفتا الشرف هذه الدورة السادسة – دعونا نفكر سويا فى ذلك فى مستقبل الثقافة هذا امر يتطلب الكثير من الإهتمام. 

 

أحمد مصطفى

رئيس مركز آسيا للدراسات والترجمة

عضو مجموعة رؤية استراتيجية – روسيا والعالم الإسلامى – إعلاميون ضد التطرف