الرئيسية » سياسة واقتصاد » روسيا في الشرق الأوسط – إعداد محمد حسن / أسرة التحرير
بينت الحملة العسكرية الروسية في سوريا أن الشرق الأوسط بات واحدا من الاتجاهات الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية. وإن مقدار نجاح هذه السياسة سيكون محط جدل ونقاش المشاركين فى المؤتمر الذى ينظمه الأسبوع القادم في العاصمة موسكو نادي فالداى الدولى بالاشتراك مع معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية. وقد أجرت مراسلة صحيفة كوميرسانت الروسية مارينا بيلينكايا مقابلة مع الأكاديمي في أكاديمية العلوم الروسية فيتالي ناومكين، مدير معهد الاستشراق وأحد المشاركين الرئيسيين فى المؤتمر.

روسيا في الشرق الأوسط – إعداد محمد حسن / أسرة التحرير

 

– موضوع المؤتمر القادم هو "روسيا في الشرق الأوسط: المناورة في جميع الساحات". عن أي ساحات يجري الحديث، وهل ستستمر هذه المناورة حتى بعد انتهاء الحملة العسكرية الروسية في سوريا؟

 

– السؤال "عن أي ساحات؟" ليس صحيحا. لأن الموضوع يتعلق بجميع الساحات على الأطلاق، أيا كانت. تقدم لنا المنطقة المفاجآت باستمرار. بداية من الحرب في العراق عام 2003 وحتى "الربيع العربي" بما جلب من تغييرات كبيرة في مصر وسوريا وليبيا واليمن. وليس ببعيد عن المنطقة العربية تقع أفغانستان. في هذا المؤتمر، سوف ننظر في أحداث المنطقة من منظور الدور الذي تلعبه روسيا فيها.

 

وما هو هذا الدور؟

 

– لروسيا علاقات مع جميع اللاعبين الإقليميين. من بينهم من هو شريك وحليف مقرب، وهناك من ليس كذلك وربما، بعكس ذلك، لديه ارتباط وثيق بالغرب. انظروا إلى علاقات روسيا مع الدول الخليجية. تعزز موسكو علاقاتها بها ولا تحاول أن تفعل ذلك على حساب علاقات دول الخليج بالولايات المتحدة، ولا تحاول أن تنافس الولايات المتحدة فيها. ذلك لأن روسيا لا تملك الموارد الكافية لذلك من جهة، ومن جهة لأن دول المنطقة ذاتها تريد أن ترى في الولايات المتحدة ضامنا لمصالحها. روسيا لا تطالب أحداً بإغلاق القواعد الأمريكية ولا تسعى بسياستها لإزالة هذه القواعد من الدول التي قررت أن تقيم هذه القواعد على أراضيها.

 

– إلى متى ستتمكن روسيا من المراوغة بين مصالح الدول المختلفة في المنطقة؟ على سبيل المثال، بين إيران وإسرائيل …

 

– لماذا اسميت ذلك  بالمراوغة؟ ففي بعض جوانب هذه الكلمة نوع من انعدام المبادىء واللامبالاة. تعرف روسيا كيف تتعامل مع مختلف الدول في المنطقة لتحقيق مصالحها القومية، وسياساتها موزونة وحذرة تتجنب الصدام الحاد مع اللاعبين الإقليميين.

 

-ألن تضطر روسيا للاختيار، إلى جانب من ستقف؟

 

-لم يحصل ذلك سابقا، لدى روسيا خبرة كبيرة في التعامل مع الجهات المتصارعة، ولا تقتصر هذه الخبرة على منطقة الشرق الأوسط. لا أعتقد أن على روسيا الاختيار بين إيران وإسرائيل، أو بين المملكة العربية السعودية وقطر وهكذا دواليك. بل على العكس، تحاول روسيا تخفيف حدة هذه الخلافات بين طرفي النزاع وتجنب الانجرار إلى الأزمات. وأحيانا تضطر لتقديم التضحيات من أجل هذه السياسة الموزونة المتعددة الإتجاهات.

 

-ما هي هذه التضحيات؟

 

أحدث مثال هو العلاقات التركية الكردية، تركيا من أهم شركاء روسيا في العديد من المجالات، الاقتصادية والسياسية وأخيرا العسكرية. تركيا عضو في الناتو واشترت منظومة صواريخ "إس 400"، وهذا مؤشر هام. وبالقرب من تركيا الأكراد، وعلاقات موسكو بهم علاقة قديمة، إذ دعمت موسكو الحركة القومية الكردية في منتصف القرن الماضي. وها هي موسكو تجد اليوم نفسها في وضع صعب للغاية، إذ كانت السلطات الروسية تسعى لأن ترى إحدى القوى السياسية الكردية الأكبر في سوريا (الاتحاد الديمقراطي) و (وحدات حماية الشعب) التابعة لها، تشارك في جميع المفاوضات السياسية المتعلقة بإيجاد حل للأزمة السورية، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني الذي أقيم في سوتشي. إلا أن تركيا تعارض ذلك بشكل قطعي. فتركيا تعتبر هذه المنظمات إرهابية، أما روسيا وباقي العالم فلا يعتبرون ذلك. وكان على روسيا اتخاذ القرار الصعب.

 

-وهل تمت التضحية بالأكراد؟

 

في نهاية المطاف حضر الأكراد مؤتمر سوتشي، ولكنهم لم يكونوا من عداد حزب الاتحاد الديمقراطي، وأنا أتفهم قلق الأكراد، إلا أن روسيا تفعل كل ما بوسعها لتطلق العملية الدستورية في سوريا. وقد كرس مؤتمر سوتشي لهذا الغرض.  تعاون روسيا مع الأكراد مستمر ولكن للأسف هناك بين ساسة الأكراد من هو مستعد ليلقي بكل البيض في السلة الأمريكية. رغم أن الأمريكيين قد خدعوا الأكراد أكثر من مرة ولم يوفوا بعهودهم ويمكنهم أن يفعلوا ذلك مجددا. الأكراد من جهتهم محتارون، لا يروق لهم التعاون الروسي التركي، إلا أن هذا التعاون بالنسبة لروسيا هام جدا استراتيجيا. وهددت تركيا نفسها بالخروج من عملية التسوية السورية السياسية وخاصة من أستانا، حيث تمكنت روسيا وإيران وتركيا من إيجاد مناطق خفض التوتر.

 

-تلك التي ليست مجدية…

 

هي في الحقيقة مجدية، إذا كنا ننظر إلى المرحلة كمرحلة مثالية لا يضغط فيها أحد على الزناد في هذه المنطقة، فلا بد من تشكيل منظومات مراقبة وحواجز شرطة عسكرية – روسيا وتركية وإيرانية. ولا بد من دعم كامل من الطرف السوري – الحكومي والمعارض. ما زال هناك إرهابيون في هذه المناطق، كما أن المعارضة المسلحة والقوات الحكومية تصفي حساباتها فيما بينها فيها.

هذه المناطق مليئة بالعديد من المجموعات التخريبية، وثمة أجزاء من هذه المناطق ما زالت تحت سيطرة المجموعات الإرهابية مثل "الدولة الإسلامية" و "جبهة النصرة" (الممنوعتين في روسيا). تدفع روسيا باستمرار الأتراك إلى القضاء على "النصرة"، ولكن كيف نفعل ذلك من دون خسائر كبيرة في صفوف المدنيين؟ ناهيك عن كل ما أسلفت به، هذه المناطق محاطة بقوى معنية باستغلال هذا الوضع وعدم إنجاح نظام خفض التوتر.

 

عن أي قوى يجري الحديث؟

 

إنها القوى التي تكسب المال من هذه الحرب، وهي موجودة في صفوف مختلف جهات النزاع، ولجم هذه القوى صعب. اذاً الاتفاق على إيجاد مناطق خفض التوتر أمر، وتنفيذ هذا الاتفاق أمر آخر.

 

تحدثتم عن أهمية الشراكة بين روسيا وتركيا حول سوريا، وماذا عن إيران؟ فالمجموعات الشيعية المرتبطة بإيران تحديدا متهمة بإفشال الوضع في مناطق خفض التوتر..

 

لإيران في سوريا وفي المنطقة مصالحها الجيوسياسية الخاصة، والتي لا تتقاطع دوما مع المصالح الروسية. إيران ليست شريكا بسيطا، إلا أن روسيا في خندق واحد مع إيران في الحرب ضد الإرهاب. وما يزيد في الطين بلة العلاقات المتوترة بين إيران ودول الخليج العربي – المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة، من جهة، والحساسية الإسرائيلية من وجود إيران في سوريا من جهة أخرى. وهذه الحساسية ليست من إسرائيل ذاتها بقدر ما هي من القوى الداعمة لسياسة الاستيطان في الإدارة الأمريكية الحالية. كل هذه العوامل تشكل مخاطر لمن يتعاون مع طهران، إلا أن روسيا تعتبر أن المستشارين الإيرانيين قدموا إلى سوريا بطلب من الحكومة السورية، وأن الوجود الإيراني في سوريا شرعي.

 

وماذا عن القواعد العسكرية الإيرانية؟

لا أملك شخصيا معلومات دقيقة عن القواعد العسكرية الإيرانية. ولكن المنطق يقول إن وجود عسكريين أجانب يتطلب نقاط تمركز لهم. يبقى السؤال عن حجم هذه القواعد.

 

تريد إسرائبل من روسيا أن تضغط على إيران، وأن تغلق الأخيرة قواعدها في سوريا. هل هذا ممكن؟

 

ليس بإمكان روسيا أن تطالب، إلا أن ذلك نظريا قد يكون جزءا من اتفاقيات دولية، إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتعاون حول سوريا مع موسكو ومع الجميع بما فيهم إيران. ولكن إن كان المنطلق هو دخول المنطقة لمحاربة إيران، فرد فعل طهران سيكون مماثلا.

 

إن ابتعدنا عن سوريا، كيف يتغير دور موسكو في تسوية الأزمات في اليمن وليبيا؟

 

لا يتغير كثيرا، في ليبيا شهدنا ومضات من النشاط الدبلوماسي الروسي، وتحافظ روسيا على علاقاتها مع مختلف القوى السياسية. ولكنني لا أستطيع أن أسمي هذا النشاط بالمشاركة الفاعلة لدولتنا في تسوية الأزمة. في ما يخص دور موسكو في اليمن، يمكننا أن نسمي هذا الدور بالعمل الدبلوماسي الروتيني. هذه الأزمة متعلقة بالدرجة الأولى بالقوى الإقليمية. الوضع في اليمن حساس جدا –  والمملكة السعودية مع حلفائها تقود حملة عسكرية في اليمن.

 

هل علاقات روسيا بالمملكة السعودية جيدة الآن..

 

علاقاتها جيدة مع الجميع، والمؤتمر القادم مكرس لهذا الأمر، ولكن هذا لا يعني أن روسيا راضية عن كل شيء يفعله اللاعبون الإقليميون.

                                      فيتالي ناومكين