الرئيسية » سياسة واقتصاد » روسيا بعد “التسونامى” – د. نورهان الشيخ
rwsy_bd_ltswnm.jpg

روسيا بعد “التسونامى” – د. نورهان الشيخ

 

ورغم إنه الحوار الخامس عشر، وكان الأول في 24 ديسمبر 2001، إلا إنه اكتسب أهمية ودلالة خاصة بالنظر لكونه يأتى بعد أن تجاوزت روسيا ثلاثة موجات عاتية ومتداخلة، فيما يشبه التسونامى، كادت أن تعصف فى عامين بما حققته روسيا على مدى عقد ونصف، وهى الأزمة الاقتصادية، والارهاب، والتوتر فى العلاقات الروسية الغربية. وتضمن الحوار رسائل عدة للداخل والخارج الروسى، وعكس مجموعة من الدلالات الهامة.

أولها، الرغبة الصادقة من جانب الرئيس بوتين فى التواصل المباشر مع مواطنيه والاستماع إليهم مباشرة دون وسيط أو انتقائية، ففى تجربة فريدة لا مثيل لها فى العالم حتى فى أكثر الدول إدعائاً للديمقراطية، عكفت خمس مراكز اتصال لمدة 12 يوم على استقبال أسئلة المواطنين من كافة أنحاء روسيا، قرى ومدن ومقاطعات وأقاليم، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وعبر مختلف وسائل الاتصال بما فى ذلك تلك الحديثة مثل فيس بوك وتويتر وإنستجرام وغيرها. ورغم أنه كان من المستحيل الإجابة خلال اللقاء على هذا السيل من الأسئلة والتى بلغت عند بدء اللقاء، مليون و600 ألف سؤال، إلا إن الرد يصل لاحقاً لكل الأسئلة فى اهتمام شديد واحترام للمواطن وحقه فى المساءلة.

ثانيها، إن الهم الشاغل للمواطنين الروسى، كسائر المواطنين فى أنحاء العالم، هو المتطلبات الحياتية اليومية، فقد كان الشأن الداخلى هو محور الغالبية العظمى للأسئلة، الأمر الذى يشير إلى عمق التحديات التى تواجه الاقتصاد الروسى والتى أثرت دون شك على مستوى معيشة المواطنين ومستوى الخدمات التى يتمتعون بها. إلا إنه من اللافت شجاعة الرئيس بوتين فى الحديث بصراحة وشفافية عن ذلك واعترافه بالأزمة والطعنات التى تلقاها الاقتصاد الروسى بفعل العقوبات الغربية، والانخفاض الحاد فى أسعار النفط الذى اعتبره العامل الأكثر تأثيراً. وقد أكد الرئيس بوتين أن الأزمة الاقتصادية فى روسيا قد انتهت، وأنه تم تجاوز انكماش الاقتصاد والانتقال من جديد إلى مرحلة النمو الاقتصادى. وأشاع بوتين الأمل فى النفوس بحديثه عن رؤيته لمستقبل الاقتصاد الروسى والتحول إلى الاقتصاد الرقمى كمتطلب ضرورى للتنمية الاقتصادية الشاملة.

ثالثها، ثبات روسيا على مواقفها من القضايا الخلافية مع واشنطن وفى مقدمتها الأزمة الأوكرانية التى تعتبرها روسيا قضية أمن قومى غير قابلة للمساومة. ورغم تأكيد الرئيس بوتين على أهمية الحوار البناء مع الولايات المتحدة، وأنه بدون التعاون بين الجانبين لا يمكن تحقيق تقدم فى العديد من القضايا الدولية والإقليمية، ومنها الحد من الانتشار النووى، ومكافحة الارهاب، ومكافحة الفقر، وقضايا البيئة والمناخ، واستغلال ثروات القطب الشمالى، والأزمة السورية، وغيرها، فإن التوتر فى العلاقة بين روسيا والغرب سيستمر لفترة ليست بالقصيرة نظراً لعمق وهيكلية التناقض بين الجانبين، واستمرار الدعاية الأمريكية ضد روسيا وتمويل المنظمات غير الحكومية للتأثير سلباً على الاستقرار الداخلى فى روسيا.

وكان وزير الخارجية الأمريكى، ريكس تيلرسون، قد أكد أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ يوم 13 يونيو أن "العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا في أدنى مستوياتها وتزداد تدهورا"، تلى ذلك بيومين تبنى مجلس الشيوخ مشروع قانون يقضي بتشديد وتوسيع العقوبات المفروضة سابقا ضد روسيا، على خلفية الأزمة الأوكرانية، وتلك التي أعلنها أوباما نهاية عام 2016. ورأى الرئيس بوتين أن هناك استهداف متعمد من جانب الغرب لروسيا، وعبر عن ذلك قائلاً "عندما يشعرون أن روسيا منافس جاد يفرضون عقوبات"، وأنه "لو لم تكن مشكلة القرم لكانوا أخترعوا مشكلة أخرى". إلا إن قدرة بوتين على تحويل السلبيات إلى إيجابيات هو ما يستحق التوقف عنده، فالعقوبات كما أشار أوجعت أوروبا وكبدتها خسائر أضخم من تلك التى طالت روسيا، والأهم أن العقوبات االجوابية كانت بمثابة حماية للقطاع الزراعى المحلى الروسى من التنافسية الخارجية التى لم يكن بوسع روسيا مقاومتها وهى عضو فى منظمة التجارة العالمية وعليها تحرير التجارة، فجاءت العقوبات لتعطى الفرصة لتطوير الانتاج المحلى سيما من الخضروات والفاكهة وهو ما تم بالفعل.

ثالثها، أن التحرك الروسى المستقبلى فى سوريا سيكون على محورين متوازيين، الأول دفع التسوية السلمية عبر مسارى أستانا وجنيف. والثانى تمكين الدولة السورية وتعزيز القدرة القتالية للجيش السورى مع سحب القوات الروسية لمناطق تمركزها فى حميميم وطرطوس والاكتفاء بالدعم الجوى عند الحاجة. ولاشك إن الإعلان عن تصفية زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادى مع 30 قيادة أخرى في إحدى الغارات الروسية على الرقة السورية، وتقدم الجيش السوري ووصوله للحدود السورية العراقية خطوة هامة تدعم المسارين معاً، وإنجاز هام يقوض التنظيم الارهابى فى سوريا والمنطقة.

إن حجم الإنجاز الذى قام به الرئيس بوتين، وقدرته على العبور بروسيا ومواجهة التحديات الصعبة التى واجهتها، تجعل منه قيادة استثنائية فى التاريخ الروسى، والمرشح الأوفر حظاً فى الانتخابات الرئاسية القادمة المقررة فى مارس 2018، وفى سؤال حول خلفه المحتمل، أجاب أنه "مازال على رأس العمل، وأن هذا يجب أن يترك لاختيار الناخبون الروس، وأن المواطن الروسى هو من يقرر ويختار"، الأمر الذى يترك الباب مفتوحاً لترشحه، ليستكمل توطيد دعائم الدولة الروسية ويقفز بها إلى مستوى الرفاهة الذى يتطلع إليه المواطن الروسى.

د. نورهان الشيخ