الرئيسية » حضاريات » رحل المغني ، أما الأغنية فما زالت باقية خاص بالموقع – ترجمة وعرض: أحمد الخميسي الجزء الثاني
رحل المغني ، أما الأغنية فما زالت باقية

رحل المغني ، أما الأغنية فما زالت باقية خاص بالموقع – ترجمة وعرض: أحمد الخميسي الجزء الثاني

ثم تطورت بعد ذلك علاقات الاتحاد السوفيتي بالعالم العربي كله . وهنا لابد من الإشارة إلي أن العلاقات السوفيتية – العربية كانت لسنوات طويلة عنصرا هاما في مجمل السياسة الدولية .

  والحق أن شخصية عبد الناصر بحد ذاتها كانت تثير اهتمامي الكبير : وحاولت دائما أن أعرف عنه أقصى ما أستطيع . وربما أن عبد الناصر كان أحد آخر الثوار الرومانسيين في السياسة ، فقد كان يقدر دائما محدثيه الجديرين بالاحترام ، ويلتزم بكلمته ، ويؤمن بمستقبل شعبه السعيد . 

 وخلال سنوات عملي الطويلة في مصر –عشرة أعوام على فترتين – كان على أن أوقع الكثير من البرقيات والتقارير المرسلة إلي موسكو ، وكان جمال عبد الناصر موضوعها الرئيسي ، وحتى عندما غادر عبد الناصر عالمنا وأصبح السادات رئيسا لمصر كنت وأنا أقيم سياسة السادات أعود إلي شخصية عبد الناصر وأقارن بشكل دائم بين هاتين الشخصيتين . 

  وقد لا يكون من المفيد هنا في مجال ذكرياتي الشخصية أن أتعمق في مسألة من نوع الأهمية السياسية لعبد الناصر ، خاصة أنني على صعيد السياسة لن أقدم أية مفاجأة جديدة . وكل ما في الأمر أنني أريد أن أكرس عدة صفحات لملاحظاتي الخاصة التي ظلت عالقة في ذاكرتي ، لكي يستطيع القارئ أن يتخيل عبد الناصر ليس فقط كقائد وزعيم ، ولكن كشخص من لحم ودم . 

 وكنا – لسنوات طويلة خلال عملنا الحزبي والرسمي – حين نريد التأكيد على أهمية الشخص الاجتماعية نكتب : ” المصالح الاجتماعية تعلو لديه على المصالح الذاتية ” . ولعل هذه العبارة البيروقراطية التي تشبه الكليشيه هي أكثر العبارات التي تنطبق على عبد الناصر . فقد وعى مبكرا أهميته كقائد سياسي ، وأخضع نفسه بالكامل لخدمة مصر وحركة التحرر الوطني . وقد تمتع ناصر باحترام هائل في العالم العربي بأكمله ، وقد أحبه العرب من صميم قلوبهم وافتخروا به ، لأنه كان يجسد بالنسبة لهم في كل رقعة الأمل في مستقبل أفضل . وكانت صورة ناصر معلقة في كل أقطار العالم العربي داخل البيوت وعلى جدران المقاهي والأكشاك في الشوارع ، اللهم إلا إذا كانت صورة ناصر تهدد من يعلقها بالملاحقة والاعتقال . وقد أدهشني شخصيا ذلك الكم الهائل من صورة عبد الناصر في المملكة الليبية حينذاك ، وأيضا مشاعر التقدير والإعجاب به التي كان أصحابها يعربون عنها بقوة . وكنت قد قضيت عدة أيام في ليبيا في نوفمبر عام 1963 ، ووجدت أن كل كشك في سوق طرابلس يضع صورة كبيرة ملونة لعبد الناصر ، وعلى مقربة من صورة ناصر صورة صغيرة غير ملونة للملك إدريس السنوسي وهو أمر لابد أن الملك كان على علم به بطبيعة الحال . 

   لم يكن عبد الناصر يعبأ على الإطلاق براحته الشخصية ، أو باقتناء الأشياء ، وعلى وجه الخصوص لم يكن يهتم باكتناز المدخرات ، وعاش فقط على اهتمامه الوحيد بالقضايا الفكرية والسياسية . وكانت هذه الصفات تتضح في بيت عبد الناصر على نحو بين . فقد قضى حياته بالمنطقة العسكرية في العباسية في نفس المنزل الذي عاش فيه حين كان مجرد بكباشي . وفيما بعد لم يدخل سوى بعض الإصلاحات البسيطة على نفس البيت . 

      ولم ينساق عبد الناصر لإغراء ترقية نفسه كرجل عسكري وهو الأمر الذي فعله تقريبا كافة الحكام من القادة العسكريين . ولنأخذ على سبيل المثال الرئيس أنور السادات – فقد اخترع لنفسه مختلف الشرائط التي تميزه عن العسكريين ، واخترع لنفسه زيا خاصا به كقائد عام أعلى ، بل ومنح نفسه لقب ” الحاكم العسكري الأعلى “. وكان السادات يغطى – بمختلف الشارات الملونة -قبعته وكتفيه وصدره وعروات أزرار الجاكتات والأوشحة الممتدة من كتفيه حتى أن عيون الناظرين إليه كانت تتموج من الوميض الذي ترسله كل تلك الزينة . وبالمناسبة ، فإن هذا الزي الرسمي للسادات هو الذي أصبح فيما بعد هدفا مناسبا جدا للرصاص الذي انطلق وصرعه في 6 أكتوبر 1981 أثناء الاستعراض العسكري بمناسبة الذكرى الثامنة لحرب أكتوبر .

   وقد شاعت في وسائل الإعلام الغربية قصص لم تحدث أبدا عن حياة عبد الناصر الشخصية ، وظهرت خاصة مقالات دورية عن تحويل عبد الناصر أموالا ( مفهوم أن ذلك تم بطرق غير شرعية ) إلي حسابات سرية في البنوك السويسرية . وفي الواقع ، فإن طريقة حياة عبد الناصر المتواضعة كانت تنفي تلك الإدعاءات حتى أن مثل تلك الأنباء والإشاعات كانت تتبخر واحدة بعد الأخرى من تلقاء نفسها بحيث لم يبق منها شئ في نهاية المطاف . وبعد وفاة عبد الناصر اتضح أن حسابه الشخصي لم يكن يحتوى إلا على ستمائة جنيه مصري فقط لا غير . 

  خلال زيارة عبد الناصر الأولى للاتحاد السوفيتي في أبريل – مايو عام 1958 وجه  نيكيتا خروتشوف قائد الاتحاد السوفيتي حينذاك سؤالا إلي عبد الناصر : كيف تقضي أوقات فراغك ؟ وأجابه عبد الناصر بقوله : في ساعات الفراغ القليلة أمارس التصوير  السينمائي . ثم دار نقاش حول هذا الموضوع ، وقال خروتشوف خلال ذلك إن أفلام التصوير السينمائية الملونة تبدو أجمل بكثير من أفلام ” الأبيض والأسود ” ، وحينئذ قال عبد الناصر : ” إن أفلام التصوير الملونة غالية علي ” . المهم أن عبد الناصر نطق بتلك العبارة بشكل طبيعي تماما ودون أي افتعال أو تصنع ، قالها ببساطة كمجرد تقرير بواقع نظام حياته اليومي . 

   وجدير بالذكر – عند الحديث عن تواضع عبد الناصر الأصيل – ذلك الجانب الذي يخص علاقته بأمنه الشخصي . وعلى سبيل المثال فقد كانت تحيط به حلقة كبيرة من الحراس عندما كان يقطع شوارع القاهرة بسيارته ، ولم يكن الأمر يتجاوز تلك الحراسة البسيطة . فلم تكن هناك أية اجراءات أخرى لحماية عبد الناصر . والغريب في الأمر أن عبد الناصر نفسه لم يكن من النوع الذي يستشعر المخاوف والشكوك المبالغ فيها . ويمكنني شخصيا أن أشهد بذلك على أساس حقائق محددة . وعلى سبيل المثال فقد طلب مني عام 1956 أحد المحيطين بعبد الناصر إرسال اخصائيين إلي القاهرة للتشاور معهم بشأن تنظيم حماية أكثر أمنا للزعيم المصري . 

   ووافقنا على ذلك الطلب على الفور . وسرعان ما وصل إلي القاهرة مسئولان كبيران من المخابرات السوفيتية ” ك . جي . بي ” . ودعانا عبد الناصر في بيته على الغداء . وفي جو منزلي دافئ للغاية أعرب عبد الناصر عن بعض أمنياته ، منها أن تستفيد الأجهزة المصرية من خبرتنا لتنظيم حراسة الرئيس . 

   وكانت دعوة المسئولين الكبيرين من المخابرات السوفيتية إلي القاهرة مرتبطة بالمعلومات التي جمعتها الأجهزة المصرية –عشية العدوان الثلاثي – عن خطط المتآمرين من الداخل والخارج لاغتيال عبد الناصر . 

  وأجرينا مناقشات عديدة مع المختصين بحماية عبد الناصر خلال وجوده في المظاهرات والاجتماعات وخلال حركة سيارته في الشوارع ، وخلال قيامه برحلات إلي خارج مصر ، وأثناء تواجده في بيته ، وتأكدنا بعد ذلك من أنه – خلافا لحلقة الحراس- لا تتخذ أية اجراءات أمنية من أي نوع لحماية الرئيس .  

   واتضح أن الطاهي الذي يعد الطعام لعبد الناصر كان يشترى له الخبز من محل مواجه لبيت الرئيس ! أما اللحوم والخضروات فكان يتجه لشرائها من أقرب سوق ! ولم تكن هناك أيضا أية رقابة طبية على مواد الطعام التي تدخل بيت عبد الناصر ، كما أن ذلك الموضوع لم يثر أصلا قلق أو اهتمام أحد ! ولم يكن هناك أي نظام إنذار خاص بمقر الزعيم ، أو خاص ببيته . وناقشنا أيضا إمكانية أن ينقل البعض إلي مقر أو بيت الرئيس أو قاعة الاجتماعات مواد مشعة أو سامة . 

  وأراد المسئولون المصريون أن نمدهم بأجهزة خاصة لاكتشاف المواد المشعة أو السامة ، ولكن الدهشة حطت عليهم حين نصحهم الجنرال الروسي بأن يضعوا عصفورا في قفص داخل الغرف والقاعات ! وقال لهم : إذا مات العصفور – فإن ذلك يعني أن بقاء الإنسان داخل هذا المكان خطر . ولم يستطع المصريون أن يثقوا في فاعلية هذه الوسيلة ، ومن ثم ظلوا يلحون علينا : أليس ثمة وسائل أكثر عصرية من العصفور ؟ وظل خبراؤنا يكررون لهم أن هناك أبحاثا تجري في ذلك المجال ولكن ليس هناك ما هو أكثر فاعلية من عصفور في قفص ! 

  وفيما بعد ظلت حكاية العصفور تتردد طويلا في مناقشاتنا مع زملائنا المصريين ..

فنقول لهم هذا جيد ، وهذا أيضا حسن ، لكن العصفور أفضل وسيلة حتى الآن ! 

  كان عبد الناصر أيضا خطيبا مفوها لا يشق له غبار ، وقد ألقى خطابات كثيرة في قاعات وأماكن ممتلئة بالجماهير ، فكان الناس ينصتون إليه باهتمام غير طبيعي مسحورين به .. ولابد من ملاحظة أن عبد الناصر كان يتوجه بخطبه إلي الفئات المتعلمة والفئات غير المتعلمة ، وكان يأخذ تلك الحقيقة بعين الاعتبار . وكان يكرر خلال خطابه عدة مرات نفس الفكرة ، أو حتى نفس العبارة ، ولكن بأشكال مختلفة . وبهذه الطريقة تمكن من غرس أفكاره في وعي من يستمعون إليه من مختلف الفئات.

   وكانت ملابس عبد الناصر بسيطة دائما ، ولم يكن من هواة الأشياء التي تستخدم كزينة أساسا مثل محابس أكمام القمصان ، أو دبوس رباط العنق ، ولكن البدل البسيطة التي كان يرتديها كانت تبدو رائعة على قامته المهيبة . وكان يحلق شعر رأسه قصيرا ، وكان كل شئ فيه يشي بأنه رجل عسكري اعتاد إلي الأبد على عادات الجيش : الملابس المستقيمة ، والجسم المفرود . 

   وكان بوسع عبد الناصر نفسه أن يحدد بنظرة واحدة منه إلي الشخص ما إذا كان ذلك الشخص قد خدم في الجيش أم لا . وكان ذلك بالنسبة لعبد الناصر أمرا هاما . وفي خلال زيارة ناصر الأولى لموسكو اقتربت منه مع أحد المسئولين من المخابرات السوفيتية لنأخذ موافقته على موضوع ما ، ولكنه بدلا من الترحيب بنا صاح فينا ضاحكا : يا جماعة .. خطوتكم واستقامة أجسامكم عسكرية مائة بالمائة ! كان ناصر يمزح معنا بالطبع ، فقد كان يعلم تمام العلم طبيعة عملنا .  

  من ملامح عبد الناصر الهامة أيضا أنه لم يقلد ولم يكن ليقلد أحدا أبدا . بالنسبة له لم تكن هناك ضرورة لتقليد الآخرين . فقد كان شخصا متحدا مع نفسه بالكامل ، جديرا بأن يقلده الآخرون ويحتذون حذوه . وهنا مرة أخرى تقفز إلي الذهن مقارنة هذا الزعيم مع أنور السادات . كان الأخير يؤدى طيلة الوقت دورا ما ، وعاش دائما في شخصيات أخرى ، وصور نفسه إما فيلسوفا ، وإما ” أبو العائلة ” ، وإما سياسيا داهية، وإما عسكريا استراتيجيا لا يبارى . ويعرف الكثيرون في مصر أن السادات كان في شبابه يجد نفسه في تقليد هتلر ! والسبب في ذلك أن الألمان حينذاك – سنوات الحرب العالمية الثانية – أحرزوا في البداية عدة انتصارات على الانجليز في أفريقيا ، ولهذا انتظر عدد من السياسيين والعسكريين المصريين دخول رومل إلي مصر ليحررها من الاحتلال الانجليزي . وظل اهتمام السادات لسنوات طويلة مركزا على شخصيات مثل تشرشل وستالين ، وحاول السادات أيضا أن يتقمص تلك الشخصيات بل ودرس سيرة حياتها الذاتية ، وخاصة الطريقة التي تصرف بها هذين القائدين . وكانت تلاحق السادات رغبة لا تهدأ في أن يلقي خطابا على الشعب على أن يكون بالحتم خطابا تاريخيا لا يتكرر ، بحيث يدخل ذلك الخطاب إلي الأبد في ذاكرة الأمة ، وتكون له أهمية حاسمة في حياة البلاد السياسية . ولذلك كان السادات يهتم بخطاب ستالين الذي وجهه إلي الشعب في 3 يوليه 1941 . ووفقا لرأي عدد من المؤرخين فإن خطاب ستالين ذلك أدى بدرجة كبيرة لحشد الشعب السوفيتي للتصدي للغزاة الألمان . وكان السادات يتوق لأن يصبح صاحب خطاب تاريخي من هذا النوع ، وهو الأمر الذي اعترف به السادات بلسانه للسيد فينوجرادوف سفيرنا في مصر حينذاك . ولكن من الأفضل أن نعود إلي عبد الناصر .. 

    وبالرغم من مهابة هيئة عبد الناصر العامة والقوة والثقة اللتين تشعان من جسمه وقامته العالية كان من الممكن – إذا طال الحديث معه –أن تلاحظ عليه حالة التوتر العصبية والإرهاق المزمن المرتبطين بقلة ساعات النوم على مدى سنوات طوال  والعمل المتصل حتى الإنهاك التام . كانت يداه حين يقوم بمباحثات معقدة ترتجفان على نحو عصبي ، أما أظافره فكانت مقروضة حتى اللحم الحي ! 

  وحينما كنت ألتقي بعبد الناصر بعد فترة طويلة من الانقطاع عن رؤيته كنت أشهد بوضوح كيف يأخذه الكبر والعجز بسرعة ، وكيف تتزايد الشعيرات البيضاء في رأسه وفوديه، والأهم ذلك التغيير الذي كان يطرأ على نظرة عينيه . كانت عيناه تغدوان شيئا فشيئا أكثر حزنا ، أما في السنوات الأخيرة فإن هاتين العينين كانتا تنطقان فقط بنظرة مريرة من الكآبة والشجن . ربما أحبطه الإخفاق ، أو انصراف الأصدقاء المقربين عنه ، أو الانعكاس القاتل لهزيمة 67 .    

    في فترة عملي الثانية بمصر التي بدأت في  8 سبتمبر 1970 لم تتح لي الفرصة لألتقي بعبد الناصر حيا ، فقد توفي في 28 سبتمبر من نفس السنة . وفي الأول من أكتوبر مضت جنازته التي تجمعت خلالها كل مصر تقريبا . وقد يكون من المناسب هنا استرجاع صورة جنازة السادات التي مضى فيها خلف نعش السادات مجموعة من الحراس وعدد لا يتجاوز الخمسمائة فرد من المشيعين ! وحتى هواة الفرجة من المصريين لم يمضوا خلف جنازة السادات ! 

  حينما مضى موكب المشيعين لعبد الناصر من ميدان التحرير في اتجاه مصر الجديدة كان المصريون الذين تدفقوا لتوديع عبد الناصر في طريقه الأخير لم يسدوا فقط كل متر من الشوارع بأجسادهم والشرفات وأسقف البيوت ، بل وتسلق بعضهم أعمدة الكهرباء ، وللقارئ أن يصدق أن البعض كان يجلس فوق سلوك الكهرباء مباشرة ! ولا يعرف أحد حتى الآن بالدقة عدد المشيعين الذين ماتوا من شدة الضغط والازدحام وتحت الأقدام ، ولكن من المؤكد أن عددهم كان كبيرا ! وقد بدأ التزاحم والضغط الشعبي من هناك حيث اجتمع قادة مصر وضيوفها الأجانب الكبار لتشييع ناصر .  

  وكان الجو حارا وخانقا وباعثا على القلق . وكانت جموع الناس تتدافع نحو المكان الذي أسجي فيه جثمان ناصر في نعش مغطى بعلم مصر ، وبين حين وآخر كان البعض يغشى عليه ، في البداية تهاوى على صبري أقرب أنصار الزعيم الراحل ، ثم قرر أنور السادات بدوره أن يغشى عليه لكي لا يجرؤ أحد على اتهامه بأنه عديم الإحساس !

  تدافع أيضا من شدة الزحام رجال الحكم من النخبة المصرية والدبلوماسيون وأعضاء الوفود الأجنبية ، وحينما تحركت العربة بالنعش تجرها ستة خيول ، اندفعت نحوها الجموع في بلبلة ولغط . وحوصر قسم من حراسة الكسي كوسيجين في إحدى مناطق المدينة فلم يستطع أن يصل إلي رئيس الوزراء السوفيتي ، وكان علينا نحن العاملين بالسفارة وبعض الحراس التابعين لنا أن نحيط كوسيجين بأجسادنا حماية له من طوفان البشر . وفيما بعد لاح خطر أن تهرس الجموع رئيسة وزراء سيلون أدخلناها إلي حلقتنا ، ثم طار فوق رؤوس المشيعين تقريبا جسم هيلاسلاسي آخر إمبراطور لأثيوبيا دون أن يدري أحد كيف تم ذلك !    

 وقبل أن تبدأ عملية التدافع تلك كنا قد لحقنا بالاقتراب من نعش الزعيم الكبير لنودعه بعد أن أغلق إلي الأبد عينيه المرهقتين والحزينتين . 

 وسوف أورد قصة واحدة من بين قصص كثيرة راجت بعد موت ناصر لأنها ظلت عالقة في ذاكرتي حتى الآن : بعد شهر واحد من موت عبد الناصر ، قال علي صبري خلال حوار مع السفير السوفيتي : ” كان بوسع عبد الناصر بحكم هيبته المطلقة أن يوحد الناس من مختلف المشارب ، وأن يجعلهم يعملون معا  ، ويتحركون في اتجاه واحد ، وقد مات عبد الناصر ، وانهار كل شئ ” . ومع ذلك فإن الاهتمام بذلك الزعيم الكبير مازال حيا ، لا ينطفئ ، ولا يخمد .               

     ومن الطبيعي أن تكون قصة عبد الناصر أشد الصفحات سطوعا في قصة الثورة الوطنية المصرية ، وأن تكون أشد الصفحات سطوعا في قصة العلاقة بين الشعب المصري والروسي ، ذلك أن تاريخ العلاقات العربية –الروسية أبعد وأقدم مما يتخيل البعض ، فقد بدأت هذه العلاقة في القرن السابع م عندما هبطت أولي السفن العربية إلى ميناء دير بند في داغستان ، ثم جاءت رحلة ابن فضلان وتبشيره بالإسلام على ضفاف نهر الفولجا في القرن العاشر ، وكادت روسيا بكاملها أن تعتنق الإسلام قبل دخولها إلي المسيحية عام 988 ميلادية . وفي أواسط القرن الخامس عشر بدأ الرحالة الروس ينقلون إلي بلادهم أولي الصور عن مصر ، وكتب أحدهم يقول : ” إن مدينة القاهرة كبيرة جدا ، وفيها 14 ألف شارع ، وفي كل شارع بوابتان وحارسان يشعلان الفوانيس وسوق كبيرة ” . وبدأت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وروسيا بافتتاح أول قنصلية روسية في الإسكندرية عام 1738 أي منذ أكثر من مائتي وخمسين عاما ! وبعد نحو نصف القرن استدعى محمد علي سنة 1838 المقدم الروسي كوفاليفسكي وأهداه علبة نشوق من الذهب الخالص بأمل التعرف إلي أحدث الطرق الروسية في تخليص الذهب من الشوائب . وفي أكتوبر 1845 وصل إلي روسيا أول مبعوثين مصريين موفدين لدراسة علم التعدين وهما على محمد وإيليا داشوري اللذان كانا يتقنان الفرنسية والألمانية ، وأقام الاثنان وراء جبال الأورال في الصقيع الروسي حيث تنخفض درجة الحرارة إلي خمسين تحت الصفر ، وظلا هناك يتعلمان بصبر أثار دهشة الروس حتى مايو 1846 . وفي ديسمبر 1847 وصلت أول بعثة تعدين روسية إلي الاسكندرية ، وفي يناير 1848 غادرت البعثة على المراكب والجمال إلي أعالي النيل  لمساعدة مصر في اكتشاف مناجم الذهب .  واستمرت تلك العلاقات دون أن يقع صدام روسي – عربي مباشر إلا في حرب القرم عام 1853 حيث اضطرت مصر للمشاركة تحت الراية العثمانية ببعض قواتها في الحرب ضد روسيا ، وكان على الفيلق العسكري المصري المؤلف من خمسة عشر ألف جندي وضابط مصري أن يحمى مع الأتراك ميناء ” يفباتوريا ” بالقرم ، وهناك سقط آلاف من الجنود المصريين في الحرب ، ومازال تراب القرم يوارى رفاتهم حتى الآن . 

    وقد أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وروسيا لأول مرة عام 1783 عهد على بك الكبير ، ولم تنقطع إلا لفترات قصيرة بسبب حرب القرم ثم إستؤنفت في سبتمبر عام 1877 ، وتوقفت مرة أخرى منذ 1917 حتى 26 أغسطس 1943 . وفي وقت لاحق ذكر جمال عبد الناصر أن حادثة اقتحام الإسرائيليين لغزة في 28 فبراير 1955 كانت بداية لتحول جديد في العلاقات المصرية مع روسيا قائلا إنه وجد نفسه عاجزا عن الحصول على السلاح لصد العدوان الإسرائيلي ، وكان لابد من البحث عن طريق للحصول على الأسلحة فاتجه بنظره إلي روسيا . وعندما وقع العدوان الثلاثي لم يكتف الاتحاد السوفيتي حينذاك بإنذار بولجانين الشهير ولكنه عزز الإنذار بوحدات عسكرية روسية وصلت إلي الأسكندرية ولكن بالزي الرسمي للجيش البولندي! 

  وأثناء زيارو عبد الناصر السرية لموسكو في يناير 1972  وافق الروس على إرسال خمسة عشر ألف ضابط وجندى سوفيتي إلي مصر ومعدات عسكرية وشبكة دفاع جوي ! وبدأت العملية التي أطلقت عليها موسكو اسما سريا هو ” القوقاز ” بعد أن سقط في حرب الاستنزاف أربعون ضابطا وجنديا روسيا كانت الطائرات تنقل جثثهم لذويهم بصمت دون الإعلان عن مصرعهم ، بعضهم استشهد داخل فرقة سلاح الصواريخ ، وبعضهم في دهشور في الفرقة الميكانيكية السادسة منهم ثلاثة مستشارون رفضوا الانصياع لتحذير صفارة الإنذار والعودة للخنادق ، واستشهد أحدهم وهو يرفع ذراعه اليمني مصدرا أوامره بالهجوم على الطائرات الاسرائيلية في الجو ، ولكي يضعوه داخل نعشه احتاج الأمر ثلاثة ضباط معا لكي يعيدوا ذراعه المفرودة إلي مكانها الطبيعي !

 لقد انطوت صفحة المعارك ، لكن صورة الذراع التي لا تنثني وهي تشير إلي الأعداء مازالت لا تفارق الذاكرة ، ومازالت صور الجنود من الفلاحين المصريين وهم يقتحمون حصون الأعداء حية في الضمائر ، وقد انطوى عصر بأكمله تخطت فيه شجاعة الأبطال الأفراد حدود الواقعي والممكن لتغدو أسطورة . عصر صاح فيه جمال عبد الناصر : لتشرب أمريكا من البحر إذا كان ما نفعله لا يعجبها ، عصر خلع فيه نيكيتا خروتشوف حذاءه وقرع به منصة الأمم المتحدة ، وتجولت روح جيفارا بين أحراش أمريكا اللاتينية تؤجج الثورة ، وفيه ألهب باتريس لومومبا مشاعر الحرية في نفوس شعبه ، عصر من الأساطير والشجاعة والتحدى كان عبد الناصر أحد ألمع فرسانه . 

لقد غادر عبد الناصر عالمنا .

رحل المغني ، أما الأغنية فما زالت باقية . 

ومازال في روسيا شارع جانبي هادئ يغمغم في السكينة بين همهمات قمم الشجر الروسي باسمه : جمال عبد الناصر ، ويفوح في كل الفصول بذلك المعنى العزيز.