الرئيسية » حضاريات » رئيس أكاديمية العلوم التترية في مقابلة مع موقعنا: دراسة الإسلام بالنسبة لأكاديميتنا تعتبر مهمة جليلة. أجرى المقابلة سهيل فرح وترجمها محمد حسن. الجزء الثاني والأخير
image002.jpg

رئيس أكاديمية العلوم التترية في مقابلة مع موقعنا: دراسة الإسلام بالنسبة لأكاديميتنا تعتبر مهمة جليلة. أجرى المقابلة سهيل فرح وترجمها محمد حسن. الجزء الثاني والأخير

 

ما هي أهمية عنصر الثقافة الإسلامية في عمل أكاديميتكم المتعلق بمسائل علوم الدين والثقافة؟

تزداد أهمية العامل الإسلامي في العالم المعاصر، ولا يقتصر الأمر على أن شعوب الثقافة الإسلامية، والذين يشكلون أكثر من مليار شخص يتطورون بشكل سريع ومتضارب. لا تُعطى الهوية الحضارية مرة وإلى الأبد، بل إنها عملية تاريخية مستمرة، والأمر سواء بالنسبة لجميع الدول من دون استثناء. فيكفي أن نذكر هنا، كيف يتغير "الوجه" الإثني والديني لعدد من دول أوروبا الغربية (يعيش اليوم في فرنسا 2.5 مليون مسلم، في ألماني 2.2 مليون، في إنجلترا 1.3 مليون، في بلجيكا 500 ألف وإلى آخره). ومن هنا تأتي الأهمية المتزايدة لدراسة تاريخ وثقافة الإسلام في إطار شتى العلوم الانسانية. دراسة الإسلام بالنسبة لأكاديميتنا تعتبر مهمة جليلة، وذلك لأن تترستان، مثال فريد من نوعه للتطور المتوازن في ظروف تماس الإسلام والمسيحية، بالإضافة إلى الأسباب المذكورة أعلاه طبعا. وأما الإثنية التترية – فهي عنصر واضح في عالم المجموعة التركية، إنه من الشعوب الأكثر تعدادا في المجموعة التركية،  من تلك الشعوب التي تعيش في الأقرب إلى حدود روسيا الغربية، كما هو الأقرب إلى حدود روسيا الشمالية بين الشعوب المسلمة. حددت الثقافة الإسلامية خاصية أكثر من 40 قومية ومجموعة اثنية تعيش في روسيا، كما شكلت بالتوازي مع الأرثوذوكسية ركنا في بنيان الدولة والحياة الروحية للحضارة الروسية. سكان تترستان اليوم نحو 3.8 مليون نسمة، أكثر من نصفهم من التتر، ونحو 40% روس. ولهذه التركيبة القومية الثنائية في جمهورية تترستان، رديف في التركيبة الدينية، فالديانتان الغالبتان هم الإسلام والأرثوذوكسية. عماد سياسة قادة جمهوريتنا هو الحفاظ على علاقة سليمة بين القوميات وبين الديانات، و كذلك الحفاظ على توازن بين مصالح الديانتين الأساسيتين في تترستان. لذلك ترى أن مسائل الثقافة الإسلامية حاضرة في جميع معاهد الابحاث للعلوم الإنسانية. في معهد اللغة والأدب والفن، تدرس الثقافة المكتوبة للشعوب الإسلامية. معهد الموسوعة التترية وعلوم الدين، يعالج مسائل تنظيم وتعميم إرث الثقافة الإسلامية لدى الشعب التتري. معرفة المركب الإسلامي في الثقافة المادية يدخل في دائرة اهتمامات المختصين في معهد علوم الأثار. في معهد التاريخ،  تدرس الثقافة الإسلامية في قسم تاريخ الديانات والفكر.  عام 2010، تم إنشاء مركز أبحاث العلوم الإسلامية في إطار الأكاديمية، والذي يعمل في عدة اتجاهات في كل من الشقين: في العلوم الأساسية والعلوم التطبيقية. من المسائل النظرية – دراسة خبرة الأمة الإسلامية في روسيا والبحث عن سبل استخدام "النموذج الروسي" للعلاقات بين الدولة والدين في الظروف المعاصرة. في الشق التطبيقي، يشدد المركز على تحليل الظواهر المعاصرة في المجتمع الإسلامي في جمهورية تترستان، وهذا يمكن المركز من دعم عمل هيئات السلطة في الجمهورية بأراء الخبراء، وخاصة في عملها المتعلق بأتباع الدين الإسلامي. بالإضافة إلى هذا، يقدم المركز دعما للمنظمات الدينية والمؤسسات الإسلامية التعليمية. وقريبا سوف نقيم علاقة تعاون وطيدة بين المركز وأكاديمية بولغار الإسلامية التي افتتحت هذا العام.

 

لا تُعطى الهوية الحضارية مرة واحدة وإلى الأبد، بل إنها عملية تاريخية مستمرة 

 

اتفاقية التعاون الأولى لأكاديمية علوم جمهورية تترستان، كانت مع أكاديمية العلوم الروسية. في إطار هذه الاتفاقية، تتفاعل معاهدنا مع الجهات المعنية في أكاديمية العلوم الروسية. ويصعب علي أن أجد مجالا علميا، سواء في العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية، من تلك الموجودة في أكاديميتنا، حيث لا يتفاعل علماء قازان مع علماء موسكو وسان بطرسبورغ، ونوفوسيبيرسك ومراكز أكاديمية أخرى. وقد نظمت إدارة أكاديمية العلوم الروسية في موسكو، صيف العام الماضي ملتقى جمعها برؤساء الأكاديميات الإقليمية، حيث نال عملهم تقييما عاليا في فضاء علمي – تكنولوجي تطبيقي روسي موحد.

 

هل بإمكانكم توصيف علاقاتكم العلمية مع المراكز العلمية الإسلامية خارج روسيا؟

لدينا صلات وثيقة مع عدد من المراكز العلمية في الدول ذات الأغلبية المسلمة. ونثمن عاليا التفاعل مع معاهد العلوم الإنسانية في عالم المجموعة التركية – وهو مجتمع لغوي اثني فريد من نوعه.  تاريخيا، تفصل بين شعوب المجموعة التركية المتعددة مسافات شاسعة، فبين الألتاي والبحر المتوسط تعيش نحو 200 مليون نسمة من شعوب المجموعة التركية. وتميز هذه الشعوب خصلة واضحة – فهم لا ينسون أبدا جذورهم ، ولا ماضيهم العريق، ولا صلاتهم الثقافية.

 

العلم هو الطريق الأساسي للمعرفة. وهو المؤشر الرئيسي للثقافة القومية والشرط الأساسي للتطور الثابت للدولة 

 

لعب الشعب التتري منذ البداية دورا بارزا في التطور الروحي بعالم المجموعة التركية،  وكان لتموضعه على مفترق طرق الحضارات بين الشرق والغرب، بين الثقافة الإسلامية والأرثوذوكسية المسيحية دورا في ذلك. وعلى مر القرون، تلعب قازان دور الرابط بين شعوب وثقافات كثيرة، سعيُ شعوب المجموعة التركية للبحث عن هويتهم يتجلى بوضوح في أداء المنظمات الدولية، الموجهة لنشر إرثها الثقافي والعلمي والتاريخي.  أكاديمة العلوم في تترستان، أقامت علاقات شراكة وطيدة مع الأكاديمية الدولية للمجموعة التركية، التي أنشأت في أستانا بمبادرة من رئيس جمهورية كازاخستان نور سلطان نزارباييف في ربيع سنة 2010. وبترشيح من إدارة أكاديمية المجموعة التركية، أخذت أكاديميتنا على عاتقها دور الوسيط لتطوير العلاقات مع المراكز العلمية التابعة للمجموعة التركية في جمهوريات وأقاليم الإتحاد الروسي. وقد ساعد في هذه المهمة اتحاد أكاديميات عالم المجموعة التركية القائم في أستانا. ولهذه الخطوة بالنسبة لأكاديميتنا أهمية جمة، لأنه بإمكاننا تسمية تترستان "الباب" لدخول روسيا من عالم المجموعة التركية، ومن العالم الإسلامي. تبرز لتطوير قدرات العلوم الإنسانية أهمية خاصة في ظل توتر الوضع الجيوسياسي، وتزايد الإلحاح من الخارج على تبني الشعوب المحلية ما هو غريب عنها. إذا أردنا وصف "الاتجاه السلامي" في عمل أكاديمية علوم جمهورية تترستان، سوف أشير إلى مشاركتنا في فعاليات مجموعة الرؤية الإسلامية "روسيا والعالم الإسلامي". فكما نعلم، سنة 2014 قرر الرئيس فلاديمير بوتين أن يضع مهام إدارة المجموعة بيد رئيس تترستان روستام مينينخانوف. وبادرت أكاديميتنا العام الماضي بإقامة مؤتمر علمي "روسيا والعالم الإسلامي: البحث عن رد على عولمة الحركات المتطرفة" وسوف يقام في خريف هذا العام مؤتمر "روسيا والعالم الإسلامي: اتجاه التفاعل والبحث عن حلول لتحديات العصر".

شكلت الثقافة الإسلامية بالتوازي مع مثيلتها الأرثوذوكسية ركنا في بنيان الدولة والحياة الروحية للحضارة الروسية

 

ما هي أفق أبحاث أكاديمية علوم جمهورية تترستان لتطوير الاقتصاد والتعليم في جمهوريتكم؟

مع بداية الألفية الجديدة، تبين لنا بشكل جلي وواضح، أن العلم هو الطريق الأساسي للمعرفة، وأنه المؤشر الرئيسي للثقافة القومية وأنه شرط أساسي للتطور الثابت للدولة. عدد العاملين في مجال الأبحاث العلمية يُظهر الدور والمكانة التي يشغلها المجال العلمي في استمرارية ثراء البشرية، يشكل هذا العدد اليوم نحو 8 ملايين شخص حول العالم، وخلال العقد الأخير زاد عدد العلماء لأكثر من الخمس والتزايد متسارع. ولدى تترستان أمكانيات كبيرة في هذا المجال، اذ يوجد فيها أكثر من 100 منظمة ونحو 20 ألف خبير، يعملون جميعهم في البحث عن حلول لمهمات ومسائل علمية على مستوى الجمهورية وعلى المستوى الفدرالي كذلك. تترستان من الأقاليم الرائدة من حيث عدد الأبحاث والدراسات العلمية. وأمامنا مهمة توحيد الجهود العلمية لحل المعضلات المعاصرة في المجال العلمي-التقني. لهذا الغرض، لا بد من فهم اتجاهات تطور العلم في العالم.  في الآونة الأخيرة، نرى انتقال التركيز في مجال الاكتشافات العلمية إلى الأبحاث المعنية بحل القضايا والمشاكل. من وجهة النظر التنظيمية هذا يعني، أنه لا بد من الانتقال من إدارة المصاريف إلى إدارة النتائج. وفي هذا الواقع، يجب على أكاديميتنا استخدام مكانتها الفريدة في المجال العلمي للجمهورية، وأن تصبح "مركزا جاذبا" للمجموعات والاتحادات العلمية والانتاجية لزيادة تأثير التفاعل مع القطاع الاقتصادي، لا بد للأكاديمية من رفع مستوى التفاعل مع الجامعات الرائدة في الجمهورية، مع جامعة قازان الفدرالية قبل كل شيء. اذ أنها تشغل عن حق وبجدارة، مكانة في الريادة بين الجامعات والمراكز العلمية في الدولة. واذا تحدثنا عن أهداف الأكاديمية بشكل عام، فيمكننا قول التالي: لا بد من زيادة نشاطنا التنفيذي. مستقبل اكاديميتنا في اتحادها مع الصناعة، والقطاع الاقتصادي، ومجال الأعمال والهيئات الاجتماعية والسياسية. يجب علينا الاستمرار في نهج جذب الشباب، والعلماء النشطيي إلى مجالنا، لكي نضمن الاستمرارية. يجب علينا توسيع علاقاتنا مع أكاديمية العلوم الروسية، ولهذا الهدف، يجب السعي لأن يكون عدد أعضاء أكاديمية العلوم الروسية من جمهورية تترستان أكبر. يجب علينا زيادة عدد الأبحاث التي تجمع بين مجالين علميين أو أكثر، بمشاركة علماء محليين وأجانب، وإنشاء مجموعات علمية مؤقتة، ومجموعات عمل. يمكننا تشبيه العلوم والتعليم بالأواني المستطرقة، في مجال التعليم، تتحمل أكاديميتنا المسؤولية عن جزء معين، وهو مجال اللغة. دراسة اللغة لا تقتصر على أن يجيد المرء الكتابة والقراءة، رغم أن هذا الأمر في غاية الأهمية. بالنسبة لكل شعب، اللغة الأم هي شرط أساس لتحديد الهوية الثقافية والتاريخية، ولضمان الحالة الجيدة أو صحة للمجتمع.

 

دراسة الإسلام بالنسبة لأكاديميتنا تعتبر مهمة جليلة

 

ولذلك، عام 1992، وعلى خلفية التغيرات الاجتماعية الكبيرة، تبنت الجمهورية قرار "لغات الشعوب في جمهورية تترستان". وفي عام 1994 تم تطوير برنامج معني بالأمر. وبالأخذ بعين الاعتبار خبرة تطبيق وترجمة هذه القرارات على أرض الواقع، تم تطوير برنامج آخر بعد 10 سنوات، معني بالحفاظ ودراسة وتطوير لغات جمهورية تترستان الرسمية. يستمر البرنامج من عام 2014 وحتى عام 2020. لا شك في أن دراسة اللغات الرسمية للدولة مرتبطة بشكل وثيق مع التعليم، وكيف هو الحال في هذا المجال؟ باختصار، مسائل دعم التعليم المنهجي لدراسة اللغات تقع على عاتق عدد من الهيئات، مثل وزارة الجمهورية للتعليم والعلوم، ومعهد جمهورية تترستان لتطوير التعليم، وبعض أقسام جامعة قازان الفدرالية، وجامعة المعلمين في منطقة نابيريجنيي تشيلني، ومعهد ابراهيموف لاللغة والأدب والفن، ومعهد مرجاني للتاريخ وغيرها. أمامنا اليوم تحدي الارتقاء بمستوى التنسيق في هذا المجال. أقصد أن جميع فعاليات البرنامج، الذي تقوم بها هيئات مختلفة، يجب أن تكون موجهة للتعامل مع مسائل بعينها متعلقة باللغة والتعليم في سياسة الدولة.  ولهذا السبب، سينشأ مركز في إطار الأكاديمية (معهد) التعليم القومي، وسوف يشارك في دمج جهود جميع الجهات المعنية والمجموعات العلمية، وسيكون لهذا الهيكل عدد من المهام: متابعة حال اللغة في الجمهورية، تحضير نصائح ومشاريع قوانين محلية، وتطوير تقنيات معاصرة للتعليم، بما في ذلك تعليم اللغة التترية للناطقين باللغة الروسية وغيرها.

ترجمة: