الرئيسية » سياسة واقتصاد » قطر صغيرة.. تشعل حربًا كبيرة – د.أحمد الخميسي / الدستور
yn_tq_qtr.jpg

قطر صغيرة.. تشعل حربًا كبيرة – د.أحمد الخميسي / الدستور

 

نحن إذن نواجه احتمال شن حرب تأديب صغيرة أو حرب كبيرة على قطر، ومما يثير الاستغراب ويدعو للتأمل هنا أن طرفى الصراع: قطر من ناحية، ودول الخليج الأخرى من ناحية، تدور كلها فى فلك الهيمنة السياسية الأمريكية التى تبلغ حد وجود قواعد عسكرية أمريكية ضخمة فيها، وهى دول لم يسبق لها أن قامت بمعارضة أى خطوة أمريكية من قبل حتى إن القواعد الموجودة بها استخدمت فى الحرب على العراق، ولا تستطيع تلك الدول– سواء قطر الإرهابية أو السعودية عدو قطر الإرهابية – أن تؤجج صراعًا يمس المنطقة من دون ضوء أخضر أمريكى أو موافقة صريحة.

ولا يتقبل العقل هنا أن تشن دول تجسد المصالح الأمريكية حربا على طرف منها يجسد هو الآخر المصالح الأمريكية، وإلا أصبحنا إزاء أمريكا وهى تحارب أمريكا. لذلك تحديدًا، فإن قطر الصغيرة قد تكون مخلب قط لجر الخليج إلى حرب مع إيران، يتحقق فيها لأمريكا وإسرائيل الكثير من المكاسب الاستراتيجية.

فى مقدمة تلك المكاسب ضرب إيران وتصفية ما تمثله، أو قد تمثله، من خطر عسكرى نووى على إسرائيل.

وبالمرة تصفية حزب الله الذى يستمد بعض قوته من التسليح الإيرانى، وهو الحزب الوحيد الذى أثبت للمرة الأولى فى ٢٠٠٦ أن من الممكن هزيمة إسرائيل بحرب شعبية غير نظامية. استدراج إيران للحرب سيضمن لأمريكا وإسرائيل أيضا استكمال الإجهاز على النظام السورى. أما الأشد خطورة فهو أن تتكفل تلك الحرب التى قد تتخذ قناعا دينيا – سنيا شيعيا – بتقويض دول الخليج فى حربها على إيران، خاصة بعد أن استطاعت أمريكا أن تهدم الدولة فى العراق وليبيا واليمن وتحاول ذلك فى سوريا الآن. وربما – من وجهة نظر أمريكية – يكون قد آن الأوان لهدم دول الخليج، وإضعاف مجلس تعاونها الخليجى كشكل إقليمى، وإجبارها على اتخاذ آخر خطوات تسوية سياسية سلمية مع إسرائيل، تسوية صريحة وعلنية لا تكتفى بفتح مكاتب تجارية أو باتصالات وزيارات سرية، بل باتفاقيات علنية صريحة تقر بيهودية الدولة الإسرائيلية وحدودها والتطبيع الاقتصادى والسياسى معها.

من ضمن ما قد يكفله المخلب القطرى أيضا تصفية «حماس» التى تتهم قطر بإيواء قادتها وتمويلهم ودعمهم.

وقد تجد إسرائيل فى حرب خليجية إيرانية فرصة ذهبية للصراخ حول ضرورة تصفية «الإرهاب» وحماس فى غزة، ويؤكد ذلك ما كتبه «سيث فرانتسمان» فى صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية من أن هناك خمس فوائد لما أسماه الخروج القطرى، أهمها «كسر شوكة حماس وإضعاف قوتها». وتتزايد الشكوك حول أن المقصود بمواجهة الإرهاب هو إيران وليس قطر إذا لاحظنا أن التصعيد الأخير جاء عقب زيارة الرئيس الأمريكى ترامب للسعودية فى ٢٠ مايو وصدور بيان مشترك كان أهم ما فيه تأكيد الطرفين على أن: «التدخلات الإيرانية تشكل خطرًا على المنطقة والعالم، وأن الاتفاق النووى المبرم مع إيران يحتاج إعادة نظر.. ونزع سلاح التنظيمات الإرهابية مثل حزب الله»! إن البيان السعودى الأمريكى الذى توجت به زيارة ترامب للرياض يكاد يكون وثيقة تجسد المطالب الإسرائيلية بشأن إيران وحزب الله. أما قطر فإنها تكاد تكون ذريعة لا أكثر، يؤكد ذلك ما كتبه «سايمون هندرسون» مدير برنامج الخليج فى معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى- فى صحيفة «فورين بوليسى»- وقوله إن الهدف الشكلى لتحرك السعودية ودول الخليج هو قطر.. لكن تلك الدول كانت منذ وقت طويل تمهد لحرب مع إيران»، أما قطر فإنه يمكن مقارنتها مع اغتيال الدوق فرانز فرديناند فى سراييفو عام ١٩١٤، حين لم يكن اغتياله سوى شرارة لإشعال الحرب العالمية الأولى. فى سبيل تحطيم دول الخليج، بعد العراق وليبيا واليمن، وفى سبيل استنزاف إيران، ومن أجل خلق مناخ مناسب لكسر شوكة حماس، وضرب حزب الله فى سبيل خريطة جديدة للمنطقة يمكن لأمريكا أن تحتمل صورة حليفها الصغير قطر وهو يتلقى عدة صفعات إلى تفتح باب الحرب المقصودة.

فى كل الحالات يظل الاتهام السعودى لقطر بالإرهاب غير مقنع كذريعة للإجراءات السعودية، وهذا بالضبط ما يثير التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لقطع العلاقات مع قطر، على الأقل لأن السعودية ذاتها – التى يغضبها الإرهاب القطرى- متوغلة فى ذلك الطريق، على الأقل لأن مصر حينما أشارت فى ديسمبر العام الماضى إلى الدور القطرى فى تفجير الكنيسة البطرسية فى القاهرة، كانت السعودية على رأس مجلس التعاون أول من دافع عن قطر! وجاء دفاعها فى ١٦ ديسمبر على لسان الأمين العام للمجلس عبداللطيف الزيانى الذى أعلن أن «التسرع فى إطلاق التصريحات دون التأكد منها يؤثر على صفاء العلاقات المتينة بين مجلس التعاون ومصر». فما الذى جرى وما الذى جد ما بين دفاع السعودية عن قطر الإرهابية منذ نصف عام وإعلان السعودية الحرب على قطر الآن؟. ليس الإرهاب ما يشغل السعودية، لكنه شىء آخر.

 

الدستور الأحد 11/يونيو/2017