الرئيسية » اكتشف روسيا! » قراءة في “الخال فانيا” (1): المخرج المسرحي الروسي: مارك رازوفسكي / ترجمة: أشرف الصباغ
lkhl_fny1.jpg

قراءة في “الخال فانيا” (1): المخرج المسرحي الروسي: مارك رازوفسكي / ترجمة: أشرف الصباغ

 

إن كل قراءة جديدة هي، في المقام الأول، عملية إبداعية. وباعتبار أن قراءة النص محاولة ذاتية، أو بمعنى أدق هي محاولة فردية، فمن الممكن أن تكون قراءتي مفيدة وخلاقة لقارئ آخر له محاولة ذاتية مختلفة، ومن الممكن أيضا ألا يكون لها أي تأثير في هذا القارئ. وبشكل عام لا يوجد لدىَّ هذا الوازع اللجوج لفرض رؤيتي / قراءتي – الذاتية – على القارئ. إلا أنني أود التركيز على أنه من خلال التعامل – القراءة – مع النص تتولد لديك بعض الأفكار الجاهزة مسبقا، مثل تلك التداعيات التي تخلفها كلمة الكلاسيكية، أو التعليمات التي يتلقاها الممثل من المخرج في صيغة جاهزة، حيث أن هذه الأفكار الجاهزة لا تأتى هكذا من فراغ، أو من لا شئ. فعندما نلقى بحجر في الماء، نرى الدوائر الموجية وقد بدأت بالانتشار. والتداعيات مثلها مثل هذه الدوائر، أو لنقل أن هذه الدوائر مثلها مثل التداعيات. فالدائرة الأولى تكون واضحة جلية ومحددة، ثم تأتي الثانية، والثالثة… والعاشرة… إلخ والنص التشيخوفي يمتلك خواص هذه الدوائر الموجية من حيث الغزارة والجزالة، وأبسط شئ فيه يتحول إلى قيمة ذات أهمية عالية تصدر صدى واسعا نتيجة لتقاطع الخطوط المرئية وغير المرئية، والمبنية على تناسب أجزاء العمل الفني الدرامي المعقد، والذى يمتلك ضروراته وتشعباته وأسراره عند تشيخوف. إلا أن القراءة يمكن أن تحدث بشكل سلبي، وفي هذه الحالة يكون القارئ – المتعامل مع النص – مثل بقرة تجتر وتجتر فقط ، لأنه ببساطة يتعامل مع النص بشكله المكتوب على الورق، ودون وعي لأي دوائر وتقاطعات ناجمة عن الكلمات التي تحتل مركز الجملة، وتدور حولها الفكرة. وهذا النوع من انزلاق العيون على الكلمات يعتبر غير مثمر بالنسبة للمسرح. فإذا كان الأدب عبارة عن قاعدة – قانون – فإن المسرح هو الصيغة الروائية لهذه القاعدة، ولكي نؤسس العلاقة.. ونوطدها بين القاعدة والصيغة، لا ينبغي أن تكون القراءة سلبية، بل يجب أن تكون قراءة نافذة وتفصيلية ومتأنية، أي: دراسة، وإلا تعرضنا لخطر الانحطاط الثقافي المعرفي، والجهل باللغة المسرحية التي يكتب بها الكاتب مسرحيته ووقعنا في فخ عدم فهم وإدراك البديهيات الأولية للوصول إلى أعماق النص.

إن تقديم الأعمال الكلاسيكية يعني دائما – شئنا أم أبينا – الارتداد والنكوص عما يجري في زمننا المعاصر، ذلك الزمن الذى أصبح يشكل عالما قاسيا من الخواء الروحي، الذي يفتح بدوره هوة حالكة من انعدام القيم والمفاهيم الإنسانية. مما يتطلب بشكل فوري العودة إلى الثقافة الكلاسيكية بما تنطوي عليه من زخم فكري وإنساني. وفي الوقت نفسه يعني التوغل في المعاصرة على ضوء استلهام الثقافات الكلاسيكية، وبمساعدة تجارب وخبرات أصحابها، والتي نستدعيها خصيصا لسد هوة الفراغ الروحي للزمن المعاصر، والقضاء على كل ما يتسرب إلى أرواحنا من خواء يشمل كل شئ. فالإقبال على القديم ينشأ بسبب النزوع إلى الجذور الأصلية والتوق إلى التراث حتى لا يموت في لحظات الرعـب المتأصل، أو ينثر في خضم تمزقات العالم المعاصر، بل ليبقى دائما وأبدا في وعينا ووعي أحفادنا. إن إدراك عظمة التماثيل والآثار القديمة لا يتأتى من صمتها المخيم فى الفضاء المجرد، ولكن عن طريق حركتها الواقعية الدائبة في الوعي المحسوس – الموضوعي – لكل إنسان على حدة في عالمنا الحاضر. وبالتالي، فإن إعادة إنتاج ما مضى يجب ألا تكون، في أي حال من الأحوال، مثل إقامة تماثيل لتماثيل أخرى. والمقصود هنا ذلك الفن الميت الخالي من القيم والأخلاقيات الإنسانية، والذي يرضي الكثيرين من الأدعياء والكاذبين على الرغم من إفلاسه وعدم فعاليته في الواقع. فالماضي الذي يُنْسَج بشكل غير عضوي مع الحاضر، يتم نسيانه، ومن ثم يندثر ويذهب هباء، ومن الأفضل للحاضر أن يندفع متدفقا في المستقبل بدلا من الاستقرار في التاريخ. لكن إذا كان الماضي غير مدروس ومستقرأ، فسوف يكون المستقبل غير معروف. وعندما تشكل الكلاسيكية الجوهر الروحي للحاضر، فهي جديرة بالدخول إلى المستقبل، ويتم ذلك فقط عندما تجري في هذا الحاضر عملية تحرر وانعتاق الروح، بعيدا عن محاكاة هذه العملية أو تزويرها، لأن الثقافة تأخذ دورها الطليعي عندما تتغلغل في العمق، وتعيد إنتاج نفسها، وتبعث في الذاكرة عملية بحث جبارة عن الحقيقة، وعن ذلك الذي اندثر وغاص هناك فى المجهول. في هذه اللحظة الخطيرة تصبح الثقافة ضرورية للجماهير التي صارت ضامرة الإحساس، وعديمة الاكتراث بأي تراث مهما كان رائعا وجميلا. والمقصود هنا بالطبع هو تشيخوف الذى ينكره راهننا، وتنكره انغماساتنا في مشاكلنا الخاصة، ذلك الكلاسيكي الذي مازال يحلِّق عاليا فوق رؤوسنا، وتلزمنا قوة ضخمة للوصول إليه، لأننا فى الواقع قد ابتعدنا كثيرا عن التراث، وعلينا أن نقطع مسافات طويلة من أجل عملية التماس مع هذا التراث. عندئذ سنجد أننا نصطدم بالإشكالية الدائمة لتأثير الذين ماتوا عضويا فقط: فهل أعمالهم تؤثر "أو لا تؤثر" فينا نحن الأحياء؟ وهل هذه الأعمال لها نفوذ "أم هي دون نفوذ"؟ وفي حالة الاعتماد المباشر على كفاءتنا في قراءة أو عدم قراءة النص القديم ـ فهل إعادة الخلق الفني في خبرتنا تعطى "أو لا تعطي" متعة خيالية كاملة، مادامت تظهر "أو لا تظهر" بداخلنا قدرة حقيقية على رؤية ما تحقق في الماضي من نماذج وأشكال مسرحية حية؟ وعندما نجد في أنفسنا تلك القدرة على اكتشاف العلاقة بين تصوراتنا عن العالم الذي مضى، وبين أحداث التاريخ التي جرت فيه وتناولتها الكتب بالشرح والتحليل، فسوف يحضر العالم الماضي لتشيخوف، وشكسبير، وغيرهما، ويمثل أمامنا بشكل فعلي ومقنع، على الرغم من ابتكاراتنا واختراعاتنا الفنية. إن الكلاسيكية تشكل لنا تصورا عن أنفسنا فيه معنى الخلود، وفيه إمكانية الوصول إلى أرقى مراحل المعرفة، بل وتؤكد لنا عن أنفسنا، أننا نعيش في كل الأزمنة، وفي كل الأماكن، خاصة في حالة تحطيمنا للزمن، وسلخ الأحداث التي جرت فيه، والتصقت بكل شوائبه، وعندما نحمل هذا الزمن إلى زمننا الحالي، إلى الـ "هنا" و"الآن" الخاصتين بنا. كل ذلك هو اللعبة المسرحية، وتيار صيروراتها على خشبة المسرح. فالإنسان – الممثل – في ملابسه ليس فقط تلك الشخصية التي كتبها المؤلف، ولكنه الـ "أنا" التي تعطى من ذاتها قوة وزخما، وتؤكد وجودها في كل الأزمنة، وكل الأشياء، وكل الأماكن.

في ضوء ذلك، فإن الرغبة في عرض أية مسرحية كلاسيكية تبدأ من القراءة المتواضعة للنص المسرحي مع مراعاة أن تكون قراءة واعية متعمقة ونشطة تقود إلى تكوين التصورات الإخراجية والحلول السينوجرافية. ففن المسرح النفسي لا يوجد، ولن يوجد، دون المرور بهذه الخطوة العملية، التي دعا إليها الموسيقار "ساليري" الذي كان يضع موسيقاه على أسس وقواعد القوانين الموسيقية المحسوبة، وعلى أسس ما يسمى بالجبر الهارموني، مما دعاه إلى انتقاد موسيقى "موتسارت" التي لم تكن تراعي هذه القواعد والأسس بقدر ما كانت تعتمد في عظمتها وقوتها وهارمونيتها على عبقرية موتسارت نفسه. وعلى الرغم من تدني الاهتمام بالمسرح النفسي يوما بعد يوم إلا أن ذلك لن يؤثر في قوته وعظمته، لأنه دائما يتناول كل ما هو مجهول ومتعدد الوجوه من طبيعة الإنسان.

وبرغم تأكدنا اليوم من هبوط وانحطاط المستوى العام لحرفة الإخراج الخاصة بهذا المسرح، فإننا ندرك بشكل لا يقبل الجدل بأن هذا الفن هو ذروة الاستيعاب الفني للعالم. ومن المحزن حاليا أن نرى انهيارا (ليس نهائيا) لمدرسة الممثل الروسي القائمة على "المعايشة" – معايشة الممثل للدور، وعلى أداء ممثلينا الرفيع والعقلاني المبني على الدوافع. ففي الوقت الحاضر يؤدي الممثل دوره بشكل مبـالغ فيه، وبإضفاء حالة من التصنع والصراخ. لقد أصبح من النادر حاليا وجود تلك القاعدة العلمية الأكاديمية التي تتطلب حالة من التناسب بين ما تنطوي عليه الشخصية المكتوبة، وبين الممثل الذى يؤدى هذه الشخصية على المستويين الداخلى والخارجي، والتي كان يطلق عليها، قديما، إتقان الدور، دون مبالغة عن طريق إدراك جوهر وماهية الشخصية، من أجل تجسيد الفكرة، ومن أجل كل ما هو رئيسي ومهم. وعلى الرغم من ذلك فالمسرح يذكِّرنا دائما بجوهره، وبعظمته غير العادية، وأنه في كل هذه الحالات لا يزال يؤدي طقوسه في تؤده ومهابة، ولا يهبط أو ينحط إلى حضيض المبالغة والبهلوانية، ويحفظ تراثه وكينونته التي تعلن دائما وأبدا عن الـ "أنا" غير المتحفية، وغير الروتينية، وغير الملساء، وإنما تلك الـ "أنا" التي يحققها ويعلن عنها عن طريق المشاركة والتعاون والصراحة والإخلاص، والتفاني في الجوهر. وسوف تظهر هذه الـ "أنا ة" عندما يمتلك المسرح قوته الجبارة وصراحته المطلقة في رفض الانحطاط والمبالغة والابتذال، وينهض ليصنع من نفسه جسرا روحيا ومَعْبَرا من الإنسان إلى الإنسان الآخر، وأن يجد في نفسه القدرة على التجديد، وإمكانية التخلص نهائيا من التفاهة والتكرار، ومن ثم يعيد نفسه إلى صفائه السابق ونقائه وعظمته على أسس وقواعد معروفة منذ القِدَم لكنها لم تستخدم حتى الآن، ولم يتم تطبيقها من قبل.

ترجمة: