الرئيسية » سياسة واقتصاد » قلعجيّة يوثّق مبادئ “البوتينية السياسية عبر النظرية الأوراسية”
k2.jpg

قلعجيّة يوثّق مبادئ “البوتينية السياسية عبر النظرية الأوراسية”

قلعجية الذي عايش حقبة الإتحاد السوفياتي في لحظات الانتصار والإنكسار، كان مُؤمناً بأنّ روسيا ستعود الى سابق عهدها و بقوة أكثر. فكان كتابه «روسيا الإتحادية -زمن الرئيس فلاديمير بوتين» ، و الذي يتناول دور روسيا المعاصر وتأثيره في مجرى الأحداث السياسية الحالية والمستقبلية في العالم.
قراءة فكر الرئيس بوتين
كتاب قدّم له وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف ، وتمّ عرضه في موسكو و لاقى اهتماماً شديداً في الأوساط العلمية و السياسية الروسية. و يقول المؤلف في حديث مع «الجمهورية» على هامش حفل التوقيع مساء الأربعاء في فندق «الموفيمبيك» تحت رعاية سفير روسيا الإتحادية في لبنان ألكسندر زاسبكين : «إنّ هذا الكتاب ليس من باب التنظير السياسي او التزلّف ، هو ثمرة محبة وإخلاص لروسيا التي ذهبت إليها في عام 1982، حيث درست العلوم السياسية ».
الطبيب الإختصاصي في الأمراض الصدرية ، لم يجد مؤلفات في اللغة العربية عن روسيا الاتحادية ما بعد الاتحاد السوفياتي، فعرض فكرة تأليف كتاب على لافروف ، فشجّعه الأخير على المضي قُدماً.
و يوضح قلعجية أنّ كتابه هو محاولة لقراءة فكر الرئيس بوتين منذ وصوله إلى موقع صنع القرار في عام 2000، وما يُسمّى العقيدة الروسية العسكرية الجديدة ، وتشكّل مبادئ البوتينية السياسية عبر النظرية الأوراسية.
كتاب ينصح مدير مركز الشراكة بين الحضارات في معهد البحوث الدولية لدى جامعة العلاقات الدولية في موسكو و منسّق مجموعة الرؤية الإستراتيجية « روسيا والعالم الإسلامي » الدكتور بنيامين بوبوف ، بقراءته لفهم عمق التحوّلات الجارية ، و كيفية تأثير نهضة روسيا كدولة عظمى أكثر على مجريات الأمور في العالم.
و يقول بوبوف: « إننا نشهد حالياً اعادة تشكيل البنى العالمية، ونشوء أشكال جديدة من النظام العالمي ومراكز جديدة للتأثير ووضوح جلي في رؤية تعدّدية المراكز في العالم». وينوّه بوبوف بعمل قلعجية المعمّق وتحليله الموضوعي لكمية كبيرة من الوثائق من مصادر مختلفة.

زاسبكين
يتفق السفير الروسي مع بوبوف باعتبار كتاب قلعجية « إنجازاً فكرياً وسياسياً لخبير يعرف جيداً روسيا و السياسة العالمية ». و يقول زاسبكين: «نحن في مرحلة انتقالية في العالم… في منتصف الطريق، و لن نعرف نتائج هذه المرحلة إلاّ بعد سنوات».
ويذكّر بأنّه « تمّت المراهنة على بناء مجتمع استهلاكي في روسيا وفشلوا ، وقد ازداد التلاحم بين كلّ القوميات وتمّ تعزيز القدرات الدفاعية الروسية»، مُجدّداً تحذيره من أنّ نهج إسقاط الأنظمة يؤدّي الى تفكيك الدول وبروز الإرهاب.
ويقول زاسبكين: « لو أخذوا بالاقتراحات الروسية منذ بداية الأزمة السورية، لوفّرنا المأساة». ويشدّد على أنّ مكافحة الإرهاب تتطلّب توحيد الجهود وتشكيل جبهة عريضة وتجاوز كلّ محاولات إشعال الفتن الطائفية، مُتعهّداً مواصلة روسيا نهجها السياسي البنّاء وجهودها الدبلوماسية تحت شعار «الشراكة على قدم المساواة».
سياسة واقعية
أمّا رئيس مجلس إتحاد صناعيي النفط والغاز في روسيا، الوزير السابق لشؤون الطاقة في روسيا الاتحادية يوري شافراني، فينوّه بجهد قلعجية، ويذّكر بأن لدى روسيا «قدرات اقتصادية وعسكرية ونعتمد على الذات وليس على الاستثمارات الأجنبية أو على غيرنا».
والكتاب الذي تمّ توقيعه في حضور سياسي بارز تقدمه رئيس الجمهورية السابق الرئيس أمين الجميل، ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي ووزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر ممثلاً رئيس الحكومة تمام سلام، يلقي الضوء على عودة روسيا الإتحادية الى ساحة الصراع الدولي بسياسة واقعية، غير مدفوعة ببعد عقائدي على حدّ تعبير قلعجية، بعد أقل من عقدين ونصف من نهاية نظام القطبين وانهيار الإتحاد السوفياتي، وبزوغ نظام الأحادية القطبية الجديد، عقب حرب الخليج الثانية.
ويوثّق الكتاب لمرحلة سقوط الاتحاد السوفياتي وما بعده وملابسات وصول بوتين الى السلطة عام 2000، وتشكّل مبادئ «البوتينية السياسية عبر النظرية الأوراسية». ويتناول بناء العقيدة العسكرية الروسية الجديدة ومحاولة رسم النظام العالمي الجديد والتكتلات الإقليمية والتحالفات الدولية، ونتائج الصراع وأبعاد الصدام الجيو سياسي بين الأوراسية والأطلسية في جورجيا وأوكرانيا وسوريا.
وانطلاقاً من كون المنطقة الأوراسية جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والمصالح الوطنية الروسية المركزية التي لا يمكن التهاون فيها، يعرض قلعجية الأبعاد الإستراتيجية لمواقف روسيا الإتحادية في أزمات مثل الحرب في الشيشان، وتوسّع حلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية والدرع الصاروخية الأميركية والصراع في جورجيا، والبرنامج النووي الإيراني، وصولاً الى الأزمة الأوكرانية الأخيرة والتدخل العسكري الروسي في سوريا.
استشراف مستقبل العلاقات الدولية
وفي نظر قلعجية، ساهم وجود بوتين في موقع صانع القرار في التعامل بأسلوب مختلف مع الولايات المتحدة الأميركية، بعدما ظهر أنّ الأخيرة لا تزال تصرّ على التعامل بمنطق المنتصر في الحرب الباردة.
فبوتين لن يقبل أن يخضع أو يرضخ لمَن يريد أن يُمعن في إذلال روسيا الإتحادية، ويسعى الى فرض علاقات متكافئة على قدم المساواة تتضمّن احتراماً لأمن بلاده وسيادتها ومصالحها، وإقامة نظام إقليمي جديد يشكّل بديلاً للاتحاد السوفياتي تحت مسمى «الإتحاد الأوراسي»، وهو عبارة عن محاولة لإقامة نوع من التكامل الإقليمي في منطقة أوراسيا بقيادة روسيا الاتحادية وعضوية الجمهوريات السوفياتية السابقة (روسيا البيضاء وكازاخستان) في مواجهة الاتحاد الاوروبي.
في نهاية المطاف يسعى قلعجية في كتابه إلى محاولة استشراف مستقبل العلاقات الدولية بين القوى الكبرى في النظام الدولي الجديد، بناءً على التطوّرات التي شهدتها الساحة الروسية منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وكيف يتمّ النظر اليها والى تأثيرها في مستقبل النظام والتوازن الدوليين.
ولا يسعنا إلّا أن نشارك fوبوف الامل بأن يمكّننا كتاب قلعجية من إيجاد الإجابة عن سؤال يشغلنا جميعاً كيف يمكن إنهاء النزاع في سوريا والتوصّل الى تسوية سياسية.