الرئيسية » حضاريات » نظرة جديدة إلى حضارة اليوم والغد – سهيل فرح* /ترجمة د. سرجون هداية
ykwfts.jpg

نظرة جديدة إلى حضارة اليوم والغد – سهيل فرح* /ترجمة د. سرجون هداية

ما هو الجديد العلمي في أعماله؟ في عام 2017، نشر معهد بيتيريم سوروكين- نيكولاي كوندراتيف الدولي، وهو يتمتع بصفة استشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، ويرأسه البروفيسور يوري ياكوفيتس، طبعة إلكترونية بمجلدين لـ”مجموعة الأعمال” باللغة الروسية، صدرت منها ثلاث مجلدات في سياق الأعمال المختارة باللغة الإنجليزية. هذه المجلدات تحتوي على خلاصة الاستنتاجات العلمية خلال الربع الأخير من القرن العشرين والتي قامت بها المدرسة الحضارية الروسية الحديثة، تلك التي تحظى بمكانة رائدة في مجال تشكيل نموذج متكامل للعلوم الاجتماعية، والتي حصلت على اعتراف عالمي.

يستند البروفيسور ياكوفيتس إلى المدرسة الحضارية الروسية التي لها جذور تاريخية عميقة. فمنذ أكثر من 200 سنة، وفي عام 1815، نشر في سانت بطرسبرغ أول كتاب في العالم حول نظرية الحضارة “دورة الاقتصاد السياسي” لعضو الأكاديمية الإمبراطورية الروسية للعلوم وأكاديمية ميونيخ للعلوم أندريه شتروخ. وفِي هذا المنحى تم البحث في المشاكل النظرية والتاريخ الحضاري في كتب كل من فرانسوا جيزو (1828، 1831)، وأمفروسي ميتلينسكي (1838)، وهنري توماس باكل (1851)، ونيكولاي دانيليفسكي (1859)، وأوسفالد شبينغلر (1918)، وعدد من أعمال بيتيريم سوروكين وأرنولد توينبي ونيكولاي كوندراتييف وفرناند بروديل وآلفين توفلر ونيكيتا مويسييف، وهذه الأعمال وضعت أحجار الزاوية لعلم الحضاريات او ما أسموه بالروسية “سيفيليوغرافيا.

وكانت الأزمة الحضارية العميقة في العالم، وخصوصا في روسيا في تسعينيات القرن الماضي والتي تطورت إلى أزمة حضارية عالمية مع بداية القرن الجديد، دافعا لتشكيل فرع جديد من العلوم الاجتماعية في روسيا (نظرية الحضارات أو علم الحضاريات) والتي عملت على توليف ما حققته مجموعة من فروع العلوم الاجتماعية (الفلسفة والاجتماع والتاريخ والآثار والاقتصاد والبيئة والدراسات الثقافية والدراسات الدينية والعلوم السياسية وعلم المستقبليات). ونشرت الأحكام الرئيسية للمدرسة الحضارية الروسية في دراسات البروفيسور ياكوفيتس كمثل “عند جذور الحضارة الجديدة” (1993) و”تاريخ الحضارات” (1995، 1997)، و”ماضي ومستقبل الحضارات” (الولايات المتحدة الأمريكية،2000)، و”العولمة والتفاعل بين الحضارات” (2001، 2003)، والعمل الكبير المؤلف من 6 مجلدات لكل من بوريس كوزيك ويوري ياكوفيتس “الحضارات: النظرية والتاريخ والحوار والمستقبل” (2006، 2008، 2009)، وفي “التنبؤ العالمي بمستقبل الحضارات” للفترة حتى عام 2050 (نشرت في 10 أجزاء، وعرضت في مقر الأمم المتحدة)، وفي التقرير العلمي “أسس الاستراتيجية العالمية للتنمية المستدامة على أساس الشراكة بين الحضارات” (2011)، وكتاب يوري ياكوفتس وسهيل فرح “حوار وشراكة الحضارات” (2017)، وكذلك دراسة يوري ياكوفيتس ويفغيني راستوفتسيف “نظام الأهداف الطويلة الأجل للتنمية المستدامة للحضارات” (2017)، إلخ.

ان مجمل نتائج الدراسات تم عرضها ومناقشتها في الهيئات المختصة في هيئة الأمم المتحدة، وأمام مجمع علمي يضم ممثلي الجامعات الرائدة في بلدان أوروبا وآسيا وغيرها من المنظمات في الغرب، وتمت صياغة ونشر المراجع العلمية الجامعية: “أسس الاستراتيجية الطويلة الأجل للتنمية المستدامة القائمة على الشراكة بين الحضارات” (2011) و”استراتيجية التغلب عل ى الأزمة الحضارية والتوجه نحو مسار التنمية العالمية المستدامة”(2013)، و” العالم الإسلامي في عالم الحضارات في القرن الـ21 “(2014)، و” الآفاق والأولويات الاستراتيجية لصعود بريكس” (2015)، و”الحضارة الأوراسية: الجذور التاريخية، ومراحل التطور، واستراتيجية النهضة ” (2016)، وتقرير النادي الحضاري في يالطا ” استراتيجية تشكيل نظام عالمي مستقر متعدد الأقطاب على أساس الشراكة بين الحضارات “(2017).

وعليه، تبدو واضحة مما سبق ومن خلال الأعمال المنشورة الأخرى للبروفيسور يوري ياكوفيتس الرؤية الجديدة المتكاملة علميا لماضي وحاضر ومستقبل الحضارات، ويتضح هذا الرأي بشكل جلي في الاتجاهات التالية:

أولا، يتم تقديم عالم الحضارات كثالوث من النظم الاجتماعية: الحضارات المحلية والحضارات الكبرى والحضارات العالمية. وقد تم كشف الأنماط الدورية الوراثية لتطور الحضارة: اي التبديل الدوري للأزمات الحضارية الطويلة جدا، والتي ترافقها أزمات حضارية عميقة وطويلة لدى الانتقال إلى الحضارات العالمية الجديدة وأجيال الحضارات المحلية. وقد كُشف عن القوانين الوراثية الاجتماعية لتطور الحضارة، تلك التي تضم ستة عناصر وهي: الطبيعية البيئية والاجتماعية الديموغرافية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية (العلم والتعليم والثقافة والأخلاق) وبناء الدولة السياسية.

ثانيا، تم اقتراح تراتبية جديدة في تاريخ التشكيلات الحضارية، تبدأ مع الثورة الزراعية ( منذ حوالي 10000 سنة)، وتتضمن سبع حضارات عالمية (الزراعية، البدائية، القديمة، الوسطى، ما قبل الثورة الصناعية، الصناعية، وما بعد الصناعية). وذلك في سياق دورتين تاريخيتين كبيرتين، توحد ثالوث حضارات العالم ذات الصلة. فضلا عن أربعة أجيال من الحضارات المحلية خلال الخمسة آلاف السنة الماضية. وتم اثبات قوانين ضغط الأزمان التاريخية وتقلبات البندول التاريخي (مركز التقدم الحضاري) من الشرق إلى الغرب والعكس بالعكس. وبالتالي فإن النهج الحضاري في التعامل مع الماضي الإنساني يأخذ مكانه بدلا من الطرق العلمية التقليدية.

ثالثا، الكشف عن قوانين الديناميكية التاريخية للحضارات سمح بتقييم الحقبة المعاصرة على أنها أزمة حضارية، نجمت عن تغير الدورات الطويلة، والمتمثلة في تراجع الحضارة الصناعية والسوق الرأسمالية العالمية وظهور بوادر تكون الحضارة المتكاملة الإنسانية – النووسفيرية العالمية؛ والانتقال من الجيل الرابع من الحضارات المحلية مع هيمنة الغرب إلى الجيل الخامس تحت قيادة الشرق؛

هذا الفهم العميق لمسار الحضارة المعاصرة ولرصد طبيعة وعمق الأزمة العالمية الحالية أضحى، وأقولها بحسرة كبيرة، “لغزاكبيرا” للنخب في الدول السياسية وحتى لدى دوائر علمية متعسكرة في مفاهيم ومقاربات قديمة، وهي وان وجدت بعض الإشارات الطفيفة لها في بعض وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بمشاكل وآفاق التنمية المستدامة، الا ان الحصيلة على المستويات المحلية والعالمية هي الوقوع في العديد من الأخطاء الاستراتيجية، وإطالة أمد الأزمة وتعميقها. بينما نرى في دراسات وتقارير يوري ياكوفيتس رؤية محكمة علميا يحدد فيها استراتيجية جديدة طويلة الأجل للتغلب على أزمة الحضارة، ويرسم معالم تشكل حضارة إنسانية – نووسفيرية دائمة النمو مرتكزة على عالم متعدد الأقطاب على أساس الحوار والشراكة بين الحضارات.

رابعا، تحتوي أعمال البروفيسور ياكوفيتس وغيره من الذين يشاطرونه الطروحات من ممثلي المدرسة الحضارية الحديثة، وانا أعتبر نفسي، جنديا علميا متواضعا فيها، على رؤية جديدة لمستقبل حضارة العالم في القرن الـ21. وقد تم تعريف جوهر الحضارة العالمية في المستقبل باعتبارها حضارة متكاملة إنسانية – نووسفيرية، ظهرت بدايات التفكير العلمي بصددها في رؤية بيتيريم سوروكين حول تشكيل نظام اجتماعي وثقافي متكامل، وفِي مجمل الاعمال العلمية الكبرى التي درست تحول مكونات التركيب الوراثي للحضارات : ففي هذه العملية الطويلة تشكلت آلية الانتقال من مرحلة البيوسفيرا إلى النووسفيرا ومعها جرت وتجري تحولات جذرية على مستوى إيجاد طرق متنوعة لتطوير منظومة الطاقة المعاصرة وغيرها من سيناريوهات الطاقات البديلة، ولمجمل منظومة الثورات المعلوماتية التي تؤثر بشكل جذري على مجمل مسيرة الإنتاج والاستهلاك، وتنعكس ايضا على الديناميكيات الاجتماعية الديموغرافية، وعلى النظام الاقتصادي الموجه نحو التناغم الاجتماعي البيئي والإبداعي، ونشر منظومة اجتماعية- ثقافية متكاملة لا تتجزأ، وتغيير نظام القيم، المنتظر ان يشكل بديلا افضل للقيم النيوليبرالية والكلاسيكية التي اثبتت وتثبت عجزها عن ادخال التناغم البيولوجي والنفسي والعقلي والروحي للإنسان المعاصر، وتشكيل نظام عالمي مستقر متعدد الأقطاب على أساس الحوار والشراكة بين الحضارات.

تم الكشف في اعمال الأكاديمي ياكوفتس عن منحى تشكيل الجيل الخامس من الحضارات المحلية، بما في ذلك الـ 12 بلوكاً حضارياً تتوزع على كل من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا وأوقيانوسيا، بالإضافة إلى حضارة القطب الشمالي المختلطة، التي تمثل الأجزاء الشمالية من حضارات أوراسيا وأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. ولأول مرة في العالم أدخل في علم الحضارة مفهوم الانقسام الجغرافي الحضاري الجديد بين الحضارات الصاعدة وعلى رأسها الحضارة الصينية، التي ترسم أسس الحضارة المستقبلية، والحضارات المتراجعة وعلى رأسها القائمة آنيا في أمريكا الشمالية، هذه التي تسعى إلى إطالة أمد الحضارة الصناعية المحكوم عليها بالخروج من مسرح التاريخ. وفِي هذا السياق يتم الكشف عن دور الجيل الجديد، حيث سيكون على قادته تنفيذ هذا التحول التاريخي في ديناميكية الحضارة خلال العقود الثلاثة القادمة. كذلك تمت برهنة قانون الاستقطاب والوحدة الاجتماعية السياسية للحضارات والدول، وكذلك دور الطبقات الاجتماعية والأجيال في ظروف الأزمة الحضارية.

خامسا، تجدر الإشارة إلى مساهمة البروفيسور ياكوفيتس في فهم تاريخ ومستقبل الحضارة الروسية. ونتيجة للبحوث والبعثات المشتركة التي قام بها مع الأكاديمي بوريس كوزيك، فقد توصل إلى استنتاج مفاده أنه يجب البحث عن جذور الحضارة الروسية في القرن الخامس قبل الميلاد، والتي اتت نتيجة تشكل الحضارة اليونانية السكوثية المشتركة على شكل مملكة بوسبوران التي سادت ما يقارب الألف سنة. المرحلة الثانية من التطور الحضاري كانت الحضارة السلافية الشرقية (نوفغورود وكييف الروسية) وفيها ظهرت أكبر دولة أوروبية في العصور الوسطى، وهي التي تحولت منذ القرن الـ 16 إلى الحضارة الأوراسية ذات الـ 500 سنة. هذه الحضارة وصلت الى قمتها مع بطرس الأول، فكاترين الثانية، فألكسندر الثالث، وفي خمسينيات وستينيات القرن العشرين. خلال هذا المسار التاريخي الطويل، وقعت أكثر من مرة كارثة حضارية، ولكن في كل مرة كانت الحضارة تحيي نفسها في تكوين ومحتوى جديدين. وآخر هذه الكوارث الحضارية تلك التي وقعت أواخر القرن العشرين، والتي بحسب ياكوفيتس سيتم التغلب عليها في العقد المقبل، بالاستناد إلى إحياء الحضارة الأوراسية بشكل جديد، انما بصيغة أصغر وذات محتوى إنساني– نووسفيري متجدد. ويمكن لروسيا أن تلعب دورا حاسما في هذه العملية، لا سيما وأن أهميتها في الفضاء الجغرافي الحضاري تنامت بشكل ملحوظ.

وعليه، فإن الأعمال العلمية المنشورة للبروفيسور ياكوفيتس تقدم رؤية تفاؤلية جديدة للحضارات تقوم على فهم عميق للقوانين الدورية الوراثية للتنمية الحضارية، واحتمالات التغلب على الأزمة العالمية التي تهز العالم الحديث، وظهور عالم مزدهر وعادل وحضارة عالمية إنسانية – نووسفيرية، وإقامة نظام عالمي مستقر متعدد الأقطاب على أساس حوار بناء وشراكة متبادلة المنفعة بين الحضارات والدول.

هذه الرؤية مهمة جدا لتطوير علم الحضارة، وهي ذات قيمة خاصة بالنسبة للجيل الجديد الذي يعاني أكثر من غيره من الأزمة العالمية والبطالة الجماعية. ومن المهم تجهيز قادة الجيل الجديد من أجل إدراك التغيرات التي تحدث في عالم الحضارات ومساعدته على استشراف استراتيجية التحولات التدريجية. وهذا هو هدف سلسلة الكتب التعليمية التابعة للجامعة المفتوحة لحوار الحضارات التي يترأسها الان البروفيسور سهيل فرح، والبرنامج الدولي لتثقيف قادة الجيل الجديد الحضاري الذي وضعه ياكوفيتس. دعونا لا ننسى ان مصير البشرية هو في أيدي هذا الجيل الجديد، وتتوقف عليه مهمة الوقاية من الكوارث العالمية التي تهدد بالدمار الذاتي للحضارات، ومبادرة الجيل الجديد لياكوفيتس “معا سوف نخلق عالم حضارات مزدهرا وعادلا، ونقضي على الجوع والفقر والإرهاب والحروب على كوكب الأرض” تدعو لخطوات فعالة في هذا الطريق. فأعمال البروفيسور ياكوفيتس العلمية هي شعلة المعرفة العميقة والجديدة لجميع الناشطين والعاملين في مجال تطوير ونشر ثقافة الحوار بين مختلف الحضارات ومجالات المعرفة. ولا يبقى أمامنا سوى أن نتمنى لجميعنا النجاح في تحقيق هذه الأفكار المشرقة.

*سهيل فرح: دكتور في العلوم الفلسفية، رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات، رئيس البيت اللبناني الروسي.