الرئيسية » اكتشف روسيا! » نظرية الحضارات المحلية – يوري يكوفتس / سهيل فرح (الفصل الأول-2)
nzry_lhdrt_lmhly_3.jpg

نظرية الحضارات المحلية – يوري يكوفتس / سهيل فرح (الفصل الأول-2)

 

2ـ. الحضارات المحلية في المنظومة الحضارية الجغرافية.

تجب الإشارة مباشرة، أنّه ضمن مفهومنا لا يُعدُّ مصطلح «الحضارة» ذا بعد واحد ومعنى واحد. فهو يُستخدم للإشارة إلى ثلاث فئات علمية مختلفة ولكنها مترابطة، وإلى ثلاثة أنظمة اجتماعية كبرى قائمة فعلياً: الحضارات المحلية والحضارات العالمية والحضارات الإنسانية، التي تربط بين النهجين المكاني والزماني للتاريخ العالمي. وهي علامة على مرحلة جديدة في تطوّر علم التاريخ، والتي وصفها فلاديمير فيرنادسكي كالتالي: «يمكننا أن نعتبر أن التاريخ الموحد للبشرية هو المتشكّل في شكل جديد في القرن العشرين على نطاق لم يسبق له مثيل، والذي يجمع في وحدة متكاملة عمل جميع الحضارات الإنسانية، مظهراً… للتاريخ القديم والمعقّد بشكل غير متوقّع» (4).

إننا نفهم مفهوم الحضارات المحلية على أنّها مجموع الأعراق والشعوب، التي توحدها القيم الحضارية المشتركة (للعالم الروحي) والنظام التقني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي الثقافي والمصير التاريخي. في أغلب الحالات، القرب الإقليمي ووحدة الظروف المناخية الطبيعية، ولكن ليس بالضرورة (مثال: الحضارة الإسلامية، المنتشرة في قارات مختلفة).

إن الحضارات المحلية متنوّعة جدّاً من حيث الأقاليم (بدءاً من الحضارة اليابانية الصغيرة ووصولاً إلى الحضارة الأوراسية الضخمة)، ومن حيث السكان (من اليابانية وصولاً إلى الصينية)، ومستوى التطوّر التقني والاقتصادي (بدءاً من الإفريقية ووصولاً إلى الأمريكية الشمالية)، والبنية السياسية والدولية ـ بدءاً من    1 ـ 2 دولة (اليابانية، الأمريكية الشمالية، الهندية) وصولاً إلى التكتلات المكونة من عدة عشرات من الدول (حضارة أوروبا الغربية، الحضارة الإسلامية، حضارة أمريكا اللاتينية). ويقدم الشكل 1-1 تصوراً حول تشكيلة الحضارات من الجيل الخامس.

وتجدر الإشارة أيضاً، إلى أن الحضارات المحلية، خلافاً للدول، لا تمتلك حدوداً جغرافية واضحة دائماً، حيث تتغير فضاءاتها الخاصة في بعض الأحيان، فتنشأ حضارات، وتزول أخرى. كما وتختلف أعمار الحضارات المحلية من الجيل الخامس الموجودة حالياً؛ فهنا الحضارات القديمة التي يعود تاريخها إلى 4-5 آلاف سنة (الهندية، الصينية)، والحضارات "متوسطة" العمر التي يمتد تاريخها إلى 1.5-2 ألف سنة (الأوروبية الغربية، اليابانية، الأوراسية)، والحضارات الشابة، التي تفرعت حديثاً عن الحضارة الغربية (الأمريكية الشمالية، الأمريكية اللاتينية، المحيطية).

ويخبرنا التاريخ بحضارات لم تعد موجودة (اليونانية الرومانية القديمة، المينوسية، الكريتية الميسينية، الهاربان، المصرية القديمة (الفرعونية)، الفينيقية، السومرية، عيلام، المنغولية، أمريكا القديمة). كذلك، يجب التمييز بين الحضارات المتجانسة (اليابانية، الهندية)، والمختلطة التي تضم مكونات حضارية مختلفة (الأوراسية، الأمريكية الشمالية، الأوروبية الغربية، الإفريقية).

وبالتالي، إن عالم الحضارات المحلية متلوّن متنوّع. ولكنها هي بالتحديد من تمثّل النسيج الحي للتوزع المكاني ومسار تطوّر الحضارات. إن تنوّع الحضارات هو أساس صمود الإنسان، ككل موحّد ومتنوّع وحيوي، وقدرته على التكيّف مع الظروف المختلفة للحياة والعمل في أنحاء مختلفة من أويكومينا (οκουμένη)           أي الجزء المسكون من كوكب الأرض. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الحضارات لا تشمل كامل مساحة الجزء المسكون من الأرض، وخاصة في المراحل الأولى من تطوّرها، عندما كانت تشغل خطاً ضيقاً نسبياً من الأراضي شمال خط الاستواء. وبقيت مساحات للتفاعل بين الحضارات، وكذلك القبائل المتواجدة في المرحلة ما قبل الحضارية في تطوّرها. في آخر نصف قرن تنتشر مساحات الحضارات على المناطق الساحلية، وتتحد الحضارات في استكشاف القطب الجنوبي والفضاء الكوني.

 

1-1

الشكل 1.1. الحضارات المحلية من الجيل الخامس.

الحضارات العالمية– هي المظهر الثاني لتصنيف «الحضارات». ونقصد بالحضارات العالمية المراحل التاريخية في تطوّر البشرية (بدءاً من ثورة العصر الحجري الحديث- خلال 10- 11 ألف سنة الأخيرة)، والتي تتميز باختلافات كبيرة في مستوى وطبيعة مسارات تطوّرها السكاني والبيئي والتقني والاقتصادي، والعلاقات الجغرافية السياسية والنظام الاجتماعي والثقافي. إن الحضارات العالمية تعبر عن العصور، والمراحل الكبرى في التاريخ العالمي وتتبع بعضها البعض بعد عدة قرون (في المراحل المبكرة من التاريخ- الألفيات) مع أجيال من الحضارات المحلية، فترمز إلى مراحل متتالية من التقدم الحضاري.

إن تبدل الحضارات العالمية لا يحدث في وقت واحد.  حيث يبدأ التبدل في واحدة أو عدة حضارات محلية رائدة؛ وبالتحديد بالاعتماد على مسار تطوّرها يتم تأريخ تبدل الحضارات العالمية، والعصور التاريخية. وبالتدريج تلحق الحضارات الأخرى بركب الحضارات الرائدة، وفي الخلفية تكون الحضارات المتخلّفة، التي يمكن أن تتأخر عن الحضارات الرائدة بحقبة تاريخية واحدة أو حقبتين. وبالتالي، يمكن للحضارات المحلية أن توجد في وقت واحد في زمن تاريخي مختلف.

الحضارة الإنسانية– إننا نميز المظهر الثالث لمفهوم «الحضارة»، الحضارة الإنسانية كمجمل كامل فضاء الحضارات المحلية والعالمية طوال فترة وجودها وتطوّرها. وتعبر الحضارة الإنسانية عن وحدة تطوّر الجنس البشري في هذه المرحلة من تطوّره، عندما وصل إلى مرحلة الحضارة. إن المرحلة التاريخية للعولمة على ساعة تاريخ الأرض لا تكاد تُذكَر، فهي بمجموعها حوالي عشرة آلاف سنة.

تشمل الحضارة الإنسانية في المقطع المكاني مجموع الحضارات المحلية ومساحات تفاعلها المتبادل، وتشمل في المقطع الزمني، تعاقب الحضارات العالمية وأجيال الحضارات المحلية. وخلال تاريخها الذي امتد عشرة آلاف سنة توسعت بدءاً من جزء صغير من سكان العالم ومساحة صغيرة من مجموع الأراضي المسكونة فوق سطح الكرة الأرضية- لتصل عملياً إلى كامل المساحة المسكونة على سطح الأرض (مع الوصول إلى الفضاء الخارجي، وإلى الأرصفة الصخرية للبحار، وإلى القارة القطبية الجنوبية)، واستولت على جميع الموارد الطبيعية المتاحة، وتخطط لغزو الكواكب البعيدة على المدى البعيد.

إن الحضارة الإنسانية متنوّعة، ومتناقضة، ولكنها تعبّر عن المصالح المشتركة للجنس البشري بأكمله، وللبشرية جمعاء في أعلى مرحلة من مراحل تطوّرها (وربما الختامية). وهذا ليس مفهوماً مجرداً، بل هو واقعي تماماً، وخاصة في ظروف العولمة المتزايدة.

منظومة الحضارات. بهذا الشكل، تشكّل الحضارات المحلية والحضارات العالمية والحضارة الإنسانية منظومة موحدة، ترتبط وحداتها ارتباطاً وثيقاً فيما بينها وتتغير بتنسيق مع بعضها البعض (الشكل 1-2).

1-2

الشكل 2.1. منظومة الحضارات.

تمتلك هذه المنظومة بنية عامة، ووحدة المصالح الحيوية النهائية. إنّهم ركاب سفينة فضائية صغيرة وفق المقاييس الكونية، المندفعة في أرجاء الكون والمُعَرَّضة لجميع مؤثراته ومفاجآته.

إلا أن هذه الوحدة لا تزال غير مُدرَكة. فعالم الحضارات والدول تمزقه التناقضات، وأحياناً تمزقه الصراعات المسلحة، والحروب العالمية والمحلية، وهو يحمل تهديدات يمكن أن تؤدي إلى تدمير الحضارات. ويمكن لهذه التهديدات أن تصبح حقيقة واقعة، في حال لم يدرك قادة البشرية خطورتها في الوقت المناسب ولم يوحدوا جهودهم على أساس الحوار والشراكة، وليس من خلال المواجهات والصراعات بين الدول والحضارات. لقد وصلت الحضارات إلى مستوى من القوة بحيث يمكن عند النتيجة المأساوية أن تقود إلى فناء الحضارات، ونهاية تاريخ البشرية.

منظومة الحضارات تتطوّر وفق قوانين الدورية (شكل 13)

1-3

الشكل 3.1. مسار التطوّر الدوري للحضارات.

إننا نؤرخ لنشوء الحضارات العالمية والحضارة الإنسانية بدءاً من ثورة العصر الحجري الحديث، حوالي 10-11 ألف سنة مضت، عندما بدأت القبائل البدائية بالانتقال إلى إعادة الإنتاج اصطناعياً على أساس التقسيم الاجتماعي للعمل، وأدرك الإنسان اعتماده على الطبيعة. وبعد خمسة آلاف سنة نشأت الحضارات المحلية في وديان الأنهار التاريخية العظيمة، واكتمل بناء هرم الحضارات. وقد أحصينا في تاريخ الحضارات ست حضارات عالمية (حضارة العصر الحجري الحديث، الحضارة الطبقية المبكرة، الحضارة اليونانية والرومانية القديمة، حضارة القرون الوسطى، الحضارة الصناعية المبكرة والحضارة الصناعية)، أربعة أجيال من الحضارات المحلية ودورتين تاريخيتين عظمتين في مسار تطوّر الحضارة الإنسانية.

يشكل عالم الحضارات نظاماً موحداً ثلاثي الأبعاد مترابطاً بشكل وثيق، حيث تترابط الدورات في مسار تطوّر الحضارات العالمية والمحلية والإنسانية ترابطاً وثيقاً، مشكّلة إيقاعاً مشتركاً للتاريخ العالمي للحضارات. (يتبع)

[1] APEC– التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي.

[2] ASEAN– رابطة دول جنوب شرق آسيا.

[3] BRICS–  البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا.

 

الرئيسية » اكتشف روسيا! » نظرية الحضارات المحلية – يوري يكوفتس / سهيل فرح (الفصل الأول-3)
nzry_lhdrt_lmhly_4.jpg

نظرية الحضارات المحلية – يوري يكوفتس / سهيل فرح (الفصل الأول-3)

 

 

3. الدورات والأزمات والابتكارات في مسار تطوّر الحضارة.

لمنع تنامي خطر الصدام بين الحضارات وفنائها، علينا أن نفهم جيداً ونتأقلم بمهارة مع أنماط مسارات التطوّر الدورية للمجتمع، والتقلبات في أطوار الدورات الحضارية.

تغير أطوار الدورات. كل حضارة- محلية، وعالمية وإنسانية- تتطوّر وفق قوانين مسارات التطوّر الدورية. وهذا يعني تقلبات  في مسار تطوّرها وفق أطوار الدورات طويلة الأمد (دورات كوندراتييف) والتاريخية العظمى (الألفية، التي تضم الحضارات العالمية الشقيقة). والترتيب المتتابع لهذه الأطوار هو تقريباً كالتالي: النشوء (في جوف الدورة السابقة)؛ التشكّل (الانطلاقة المبتكرة في المركز)؛ الانتشار، والتعميم؛ النضوج (ونضوج الشروط المسبقة للأزمة)؛ الأزمة؛ التواجد في حالة بقايا.

وبالتالي، تعدّ الأزمات خلال تبدل الدورات طوراً حتمياً في مسار تطوّر كل حضارة ودورتها الحياتية. والنمط نفسه أثناء الخروج من الأزمة على أساس موجة من الابتكارات- الأساسية أو العصرية،حسب عمق الأزمة ونطاق الدورة. علماً أن الأطوار الأولية والأطوار النهائية تتبع بعضها البعض (المتجاورة) تتطابق في الزمن، مشكّلة أساس الأزمات الحضارية الدورية- عندما تتلاشى فعالية الحضارة الزائلة، بينما الحضارة الجديدة لم تكتسب بعد التأثير الإيجابي الكافي على مسار التطوّر الحضاري.

لننظر الآن في هذه الأحكام العامة فيما يتعلق بمسار تطوّر كل نوع من الأنواع الثلاثة من الحضارات- المحلية، والعالمية والإنسانية.

الدورات في مسار تطوّر الحضارات المحلية: ويمكن بحثها في ثلاثة أقسام.

أولاً، كتسلسل مراحل الدورة الحياتية للحضارة؛ تولّدها، وتشكّلها، وانتشارها النشط، وازدهارها (نضوجها)، ثم أزمتها وتراجعها، والذي يتبعه إما مرحلة جديدة من الدورة الحياتية (كما لاحظنا في تاريخ الحضارة الصينية، والهندية، والمصرية القديمة)، وإما مغادرة الساحة التاريخية (مثل الحضارة الفينيقية، والمينوية، وعيلام، والمنغولية وحضارات أخرى ختمت دورتها الحياتية). ويمكن أن تقاس الدورة الحياتية عند بعض الحضارات بآلاف السنين (الحضارة المصرية القديمة، الحضارة الهندية، الحضارة الصينية)، وعند حضارات أخرى بعدة مئات من السنين (الحضارة المنغولية). وبعد ختام هذه الدورة تختفي بعض الحضارات دون أن تترك أثراً، وأخرى تتحول إلى حضارة أخرى (مثل تحول الحضارة السلافية الشرقية إلى الحضارة الأوراسية في القرن السادس عشر الميلادي).

ثانياً، التبدل الدوري لأجيال الحضارات المحلية، التي تختلف بعضها عن بعض من حيث تركيبها ومستوى تطوّرها في إطار الحضارة العالمية التالية.

قام أرنولد توينبي بإدخال مفهوم أجيال الحضارات. وقد ميز ثلاثة أجيال من الحضارات، علماً أنّه في الجيل الثالث ضم خمس حضارات فقط، وذلك على أساس ديني: الحضارة المسيحية الغربية، والحضارة المسيحية الأرثوذكسية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الهندوسية، وحضارة الشرق الأقصى. في دراستنا لتاريخ الحضارات حددنا أربعة أجيال في الماضي (نهاية القرن الرابع- بداية القرن الأول قبل الميلاد؛ الجيل الثاني قبل منتصف القرن الأول الميلادي- في إطار الحضارة العالمية اليونانية والرومانية القديمة؛ الجيل الثالث، ما قبل القرن السادس عشر الميلادي ـ ويتزامن مع الحضارة العالمية للقرون الوسطى؛ الجيل الرابع، قبل نهاية القرن العشرين، ويتزامن مع الحضارتين العالميتين الصناعية المبكرة والصناعية). ومع بداية القرن العشرين بدأ تشكّل الجيل الخامس، الجيل الأكثر تنوّعاً، فهو يضم، وفق تصورنا 12 حضارة، ثلاث منها أوراسية (الأوروبية الغربية، الأوروبية الشرقية، الأوراسية)، وثلاث حضارات أمريكية وحضارة المحيطات (الأمريكية الشمالية، الأمريكية اللاتينية، حضارة المحيطات) وست حضارات في آسيا وإفريقيا (اليابانية، الصينية، الهندية، البوذية، الإسلامية، الإفريقية) ولا تستبعد إمكانية توسيع هذا الجيل ليشمل 16- 17 حضارة في حال انقسمت الحضارة الإسلامية إلى عدة حضارات محلية (العربية، الأوروبية الإسلامية، الفارسية، الهندية الإسلامية، حضارة المحيطات الإسلامية، والإفريقية الإسلامية)، وإذا قامت الحضارة الأوروبية الغربية باستيعاب الحضارة الأوروبية الشرقية.

ثالثاً، يمكن للدورات في مسار تطوّر حضارة محلية واحدة، لها دورة حياتية طويلة، أن تمر عبر عدة دورات طويلة الأجل مع تغير الحضارات العالمية وأجيال الحضارات المحلية (مثل، الحضارة الصينية أو الهندية). في هذه الحالة يضطرون للتكيف مع الظروف الجديدة للحياة.

دورات الحضارة العالمية؛ كل حضارة عالمية تمر في مسار تطوّرها عبر عدة أطوار متعاقبة في دورتها الحياتية- التولد، النشوء، الانتشار، النضوج، الأزمة، والانتقال إلى حالة الأثر القديم. وتتجلى هذه المراحل بوضوح في المركز الذي تحتله في الحضارات المحلية الرائدة، ومن ثم تنتشر على المحيط، لتغطي قارة تلو الأخرى. وفي الوقت نفسه تحافظ الحضارة العالمية على موقع واضح بدرجة أكثر أو أقل وفق مؤشرات تطوّر الحضارات المحلية الرائدة.

إن الأطر الزمنية لدورة الحضارة العالمية وأطوارها تحددها عادة الحضارات المحلية الرائدة: حضارة العصر الحجري الحديث (9 ـ 4 آلاف سنة قبل الميلاد)؛ الحضارة الطبقية المبكرة (من الألف الثالثة وحتّى نهاية الألف الثانية قبل الميلاد)؛ الحضارة اليونانية والرومانية القديمة (منذ بداية الألف الأولى قبل الميلاد وحتّى منتصف الألف الأولى الميلادية)؛ حضارة القرون الوسطى (من القرن السادس وحتّى القرن الخامس عشر الميلادي)؛ الحضارة الصناعية المبكرة (من القرن السادس عشر ـ وصولاً إلى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي)؛ الحضارة الصناعية (من الثلث الأخير من القرن الثامن عشر- إلى بداية القرن الواحد والعشرين الميلادي).

دورات مسار تطوّر الحضارة الإنسانية؛ نُعرِّفُها كدورات تاريخية عظمى، تجمع بين ثلاث حضارات عالمية شقيقة وجيلين من الحضارات المحلية. تشمل الدورة التاريخية العظمى الأولى فترة الحضارات العالمية التالية: حضارة العصر الحجري الحديث، والحضارة الطبقية المبكرة، والحضارة اليونانية والرومانية القديمة والجيلين الأولين من الحضارات المحلية، وتشمل الدورة التاريخية العظمى الثانية فترة الحضارات العالمية التالية: حضارة القرون الوسطى، والحضارة الصناعية المبكرة، والحضارة الصناعية، والجيلين الثالث والرابع من الحضارات المحلية. وبدءاً من القرن الواحد والعشرين تبدأ الدورة التاريخية العظمى الثالثة. (يتبع)

 

[1] APEC– التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي.

[2] ASEAN– رابطة دول جنوب شرق آسيا.

[3] BRICS–  البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا.

 
 
الرئيسية » اكتشف روسيا! » نظرية الحضارات المحلية – يوري يكوفتس / سهيل فرح (الفصل الأول-1)
nzry_lhdrt_lmhly_5.jpg

نظرية الحضارات المحلية – يوري يكوفتس / سهيل فرح (الفصل الأول-1)

 

1.  على خطا الإدراك نحو قمم نظرية الحضارات.

 

يمكننا اعتبار عام 1828م تاريخ ميلاد علم الحضارات، عندما قام المؤرخ الفرنسي فرانسوا غيزو بنشر كتاب صغير  بعنوان «تاريخ الحضارة في فرنسا» ـ وهو مجموعة من المحاضرات التي ألقاها في الجامعة والمحتوية على بعض المواقف النظرية والمعطيات التاريخية التي احتفظت بأهميتها حتّى اليوم. وقد برهن موقفه بتفصيل أكبر في الدراسة التي حملت عنوان «تاريخ الحضارات في أوروبا» (1830م). وكانت نشأة هذا التصنيف بسبب زيادة اهتمام الفكر الاجتماعي الأوروبي بأنماط التنمية الاجتماعية واتجاهاتها بتأثير الهزات التي حدثت ما بين نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وفي مقدمتها الثورة الفرنسية العظمى.

وعلى الرغم من أن أفكار غيزو لم تحصل مباشرة على الاعتراف العالمي،  إلا أنّها وجدت استجابة في الطرف الآخر من القارة. ففي عام 1839م نُشِرَ كتاب صغير في مدينة خاركوف ألفه محاضر في جامعة خاركوف أمبروسيوس ميتلينسكي بعنوان «حول جوهر الحضارة وقيمة عناصرها». كان ذلك هو الكتاب الأول في العالم حول نظرية الحضارات؛ وقد وضعنا إصدارها بالفاكس في الملحق الخامس في المجلد الثاني للدراسة التي حملت عنوان «الحضارات: النظرية، التاريخ، الحوار، المستقبل»، التي صدرت باللغتين الروسية والإنكليزية (www.kuzyk.ru).

ومرة أخرى ينحرف بندول البحث نحو أوروبا الغربية. حيث قام العالِم الإنكليزي هنري بوكلي ما بين عامي 1857- 1861م بنشر دراسة في مجلدين بعنوان «تاريخ الحضارة في إنكلترا»، اقترن فيها التحليل النظري لعوامل الحضارة بالبحث التاريخي.

وبعد عقد من الزمن تأرجح البندول مجدداً إلى الشرق. حيث قام العالِم الروسي نيقولاي دانيلوفسكي في كتابه «روسيا وأوروبا» (1869م) لأول مرة  بطرح نظرية الحضارات المحلية (الأنماط الثقافية والتاريخية)، خصائصها وتفاعلها فيما بينها.

في عام 1877م نُشِرَت في الولايات المتحدة الأمريكية دراسة مفصلة للباحث ل.مورغن «المجتمع البدائي»، والتي اعتبر فيها الحضارة مرحلة تطوّر للبشرية، والتي تأتي في أعقاب الوحشية والهمجية. وقد قام ف. إنجلز بدعم آرائه وتطويرها في كتابه «منشأ الأسرة، والمُلكية الخاصة والدولة» (1884م).

وهكذا، خلال خمسة عقود ونصف من القرن التاسع عشر، وبجهود علماء من مختلف البلدان، تم وضع المبادئ الأساسية لنظرية وتاريخ الحضارات في جوانبها المختلفة، كمراحل في تاريخ البشرية وكحضارات محلية. بعد ذلك أتت فترة تجاوزت ثلاثة عقود من الزمن، لم تقدم إنجازات مهمّة في هذه النظرية.

ويمكن تأريخ بداية المرحلة التالية في عام 1918م، عندما تم نشر الكتاب الذي أثار ضجة كبيرة، لمؤلفه أوزوالد شبنغلر «غروب أوروبا». قصد أو لم يقصد إلا أنّه كرّر الكثير من أفكار ن. دانيلوفسكي وركز انتباهه على مسار التطوّر الدوري للحضارات المحلية. وقد قام المؤرخ الإنكليزي أرنولد توينبي بنشر بحث أساسي في تاريخ الحضارات. كما قدم العالم الروسي الأمريكي بيتيريم سوروكين تحليلاً عميقاً لنظرية الحضارات ونشر بحثاً أساسياً في تاريخ الحضارات؛ مؤلَّف في أربعة مجلدات «مسار التطوّر الاجتماعي والثقافي»، والذي نُشِرَ مجلده الملخص في عام 1957م. وفي عام 1961م قام أ. توينبي وَ ب. سوروكين خلال مؤتمر عُقِدَ في سالزبورغ بتشكيل جمعية دولية متخصصة في الدراسة المقارنة للحضارات، والتي تستمر حتّى يومنا هذا في أبحاثها حول نظرية الحضارات والمقارنة بين الحضارات.

وخلال العقود الثلاثة التالية عاد اهتمام العلماء بنظرية الحضارات ليضعف ويتراجع من جديد. حيث انتقل اهتمامهم إلى المواجهة بين النظامين العالميين، القوتين العظميين.

وتم الشروع في المرحلة الثالثة الجديدة في تطوير نظرية الحضارات في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. ويرجع ذلك إلى انهيار النظام الاشتراكي العالمي واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، ونهاية «الحرب الباردة»، وتزايد دلائل غروب الحضارة الصناعية.

وقد قام العالِم الأمريكي الباحث في علوم المستقبل ألفين توفلر برسم صورة بالخطوط العريضة لاستبدال الحضارة الصناعية بالحضارة ما بعد الصناعية، في مؤلفه «الموجة الثالثة» (1980م).

في التسعينيات انتقل مركز البحوث إلى روسيا، التي كانت تمر بأزمة حضارية حادة للغاية. ما بين عامي 1992- 1995م، تم طرح الأوضاع حول المنهج الحضاري تجاه تاريخ ومستقبل البشرية، وتم تحديد أسس تغير الحضارات العالمية والمعالم الرئيسية للحضارة العالمية ما بعد الصناعية، وتمت صياغة مبادئ نظرية وتاريخ ومستقبل الحضارات (1). وفي الفترة ما بين عامي 1998- 2008م تم تطوير نظرية الحضارات المحلية، وتم اقتراح الوضع المتعلق بجيلها الجديد، وحول ضرورة الحوار والشراكة فيما بينها، ومحتوى الحوار، في نظام عالمي متعدد الأقطاب، وتم تطوير نظرية مسار التطوّر الدوري للحضارات (2). وما بين عامي 2006- 2010م تم تطوير نتائج هذه الأبحاث ونشرها في دراسة أساسية في ستة مجلدات بعنوان «الحضارات: النظرية، التاريخ، الحوار، المستقبل» (3). وفي عام 1988م عُقِدَت مناقشة متعددة التخصصات حول مستقبل الحضارات المحلية، وفي عام 2004م عُقِدَ مؤتمر كوندراتييف الدولي الرابع حول تفاعل حضارات الشرق والغرب.

وفي الوقت نفسه تجب الإشارة إلى الدراسة التي قدمها ي. ب. تشيرنياك بعنوان «سيفيليوغرافيا- علم الحضارات» (1996م)، والدراسة التي قدمها ن.ن.موئيسييف بعنوان «مصير الحضارة- طريق العقل» (1998م)، والدراسة التي قدمها ب. س. يراسوف بعنوان «الحضارات- العالمية والهوية» (2002م). وما بين عامي 2008- 2009م، تم إعداد ونشر توقعات عالمية بعنوان «مستقبل الحضارات» تشمل الفترة الزمنية حتّى عام 2050م في 10 أجزاء، وفي عام 2011م قُدِّمَ تقرير فريق العلماء الدوليين بعنوان «أسس الإستراتيجية طويلة الأمد للتنمية العالمية المستدامة على أساس الشراكة بين الحضارات».

وهكذا، تشكّلت في روسيا مدرسة حضارية علمية أصيلة خلال العقدين الأخيرين من الزمن، واحتلت مكانة رائدة في العالم.

في منتصف التسعينيات، وبعد نشر كتاب «صراع الحضارات وإعادة هيكلة النظام العالمي» (1996م) لمؤلفه ص. هنتنغتون، زاد الاهتمام بمشكلة الحضارات المحلية وعلاقاتها مع بعضها، ونُشِرَ العديد من الدراسات حول نظرية وتاريخ الحضارات. وقام فريق من العلماء من بلدان مختلفة بتكليف من الأمين العام للأمم المتحدة بإعداد ونشر كتاب «التغلّب على الحواجز- الحوار بين الحضارات» (2002م). وعُقِدَت عشرات المؤتمرات حول مشكلات الحوار بين الحضارات. وأنشئت منظمات دولية- «حوار الحضارات»، و«تحالف الحضارات».

وهكذا، يمكن القول، إنّه في أقل من قرنين من الزمن تم قطع شوط طويل نحو قمم نظرية الحضارات، وفي المقام الأول تم تشكيل فرع جديد من العلوم الاجتماعية، السيفيليوغرافيا أي علم الحضارات، يحمل طابعاً تركيبياً متعدد التخصصات.

هذا لا يعني، أن جميع المسائل البحثية لمثل هذا الموضوع متعدد الجوانب، كالحضارات، ومسار تطوّرها، وجيناتها، وتفاعلاتها، قد باتت واضحة. فالتقدم يطرح مشكلات وألغاز جديدة باستمرار. ولكن الجزء الحاسم من المسار قد تم اجتيازه. وفيما يلي سنناقش الأحكام الرئيسية للنظرية الحديثة للحضارات في مفهوم مدرستنا العلمية، والذي لا يستبعد النهج والتفسيرات الأخرى. (يتبع)

 

[1] APEC– التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي.

[2] ASEAN– رابطة دول جنوب شرق آسيا.

[3] BRICS–  البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا.