الرئيسية » حضاريات » نصائح الكتابة من غوته – دور يان فيلدمان / ترجمة: ميادة خليل / الجزء الاول
nsyh_lktb.jpg

نصائح الكتابة من غوته – دور يان فيلدمان / ترجمة: ميادة خليل / الجزء الاول

مع هذا السؤال قرأت “الشعر والحقيقة” سيرة أدبية ــ وقرأت “حوارات مع غوته في السنوات الأخيرة من حياته” السيرة التي كتبها صديقه يوهان بيتر إيكرمان وأعمال أخرى.

يوهان فولفغانغ فون غوته (1749- 1854)، فيزيائي، مدير مسرح ويُعد من أكثر الكتّاب تأثيرًا في العالم. قصة حب مأساوية صغيرة جعلته مشهورًا في ضربة واحدة “معاناة الفتى فيرتر” مسرحياته “فاوست” بجزأيها الأول والثاني، “توركواتو تاسو”  و”غوتس فون بيرليغن” التي لازالت تعرض، والاقتباسات من أعماله يمكنك أن تجدها في كل مكان.

غوته كان يكره الأفكار المتقولبة، الدوغمائية، التي تُدرّس لتُدرّس، للنقد الأحمق والنظرة الضيقة. لم يستوحِ أفكاره من الكتب ولم يسمح للموضة أن تملي عليه أفكاره، كان يأخذ كل ما تمنحه الطبيعة له. يجب أن ترى الطبيعة بشكل أوسع من مجرد غابات وتلال – تنطوي الطبيعة قبل كل شيء على أصل الأشياء التي لا يفهمها العقل. النباتات والحيوانات، الصخور، لكن أشياء مثل الحدس تنتمي أيضًا للطبيعة. لهذا السبب اختار لأعماله الأدبية الموضوعات التي أثرت فيه حقًا، جعلته فضوليًا ومنحته السعادة، بدلًا من مجرد تفضيل أعماله على التجارب الأدبية السابقة. وحتى في الشيخوخة ظلت حكمته وذكاؤه على الحياد. سنرى في نصائح الكتابة التالية انعكاس حبه للطبيعة بصورة خاصة.

1. الموهبة

أو: عليك أن تكون شيئًا لتفعل شيئًا. هذه المقولة تعني حرفيًا: “في هذا الخصوص: عليك أن تكون شيئًا لتفعل شيئًا. دانتي عظيم بالنسبة لنا، لكنه ترك ثقافة قديمة خلفه.” (حوارات مع غوته، 272)

هذه إحدى أهم تصورات غوته: الموهبة ليست مجرد طموح، لكنها تجارب سابقة، تربية، تقاليد، ثقافة. هذا ما يجعل أبناء المزارعين صالحين ليكونوا متزلجين لمسافات طويلة، وهذا ما جعل الكثير من الكينيين عدائين ولهذا يكتب الإسكندنافيون الكتب المثيرة. في هذا الخصوص لا يمكنك أن تفعل شيئًا. الطبيعة تشق طريقها الخاص. إما أن تملك الموهبة أو لا تملكها. وإذا لم تملكها، عليك أن تعمل مثل المجنون لتعبر عنها.

2. ما هو موقفك من العالم؟

“رغم أن التمثيل الشعري هو أكثر ما يشغلني وأكثر ما ينسجم مع موهبتي الطبيعية ، التفكير في المواضيع المختلفة ليس غريبًا بالنسبة لي.” ( الشعر والحقيقة، 557)

“إذا كان الشاعر يريد أن يؤثر في السياسة، يمكنه الانضمام إلى حزب سياسي. خلف مكتبه يداه مشغولتان بالصراع مع التعصب والذوق السيّئ.” (حوارات مع غوته، 468)

هناك تأرجح بين الحياة العامة والعزلة مع طاولة الكتابة. نادرًا ما كان يشعر غوته بالراحة. عندما يكتب، يكون هذا على حساب الالتزامات الأخرى. وعندما تستعبده أجندته، يعود للقيام بها على حساب الكتابة.

” من غير المستحسن أن يكون الإنسان وحده (..) وخاصة أن يعمل وحده. يحتاج إلى اهتمامات ومحفزات إذا كان يريد القيام بشيء جيد.” (حوارات مع غوته، 367).

اليوم يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تخرجك من تركيزك تمامًا. لمح غوته لشيء يشبه فكرة الفيسبوك: “المتطلبات الحالية تصب في: ما الأفكار والمشاعر اليومية التي تفرض نفسها على الشاعر، التي يريد ويجب أن يقولها. لكن إذا كان الإنسان لديه عمل ضخم في رأسه، تصبح كل الأفكار مرفوضة ويفقد نفسه مؤقتًا أمام الجوانب الممتعة من الحياة.” (حوارات مع غوته، 41)

3. لا تعرف الكثير

الكاتب الموهوب لا يحتاج إلى الكثير من التجارب والمعرفة من العالم ليتمكن من الكتابة. توثق ما تحتاج له بالطبع، لكن “مساحات الحب، الكره، الأمل، اليأس وكيف يمكن أن تسمى حالات ورغبات النفس، تتولد في الشاعر وينجح في التعبير عنها.” (حوارات مع غوته، 88)

“(…) إذا لم أشغل العالم عن طريق الحدس، فأنا أعمى عن عمد وكل البحوث وكل التجارب لن تكون أكثر من جهود ميتة، ضائعة.” (حوار مع غوته، 89) ومع “الحدس” المقصود من القدرة الشعرية في هذه الحالة هو التعاطف.

ظل غوته لسنوات مذهولًا بالواقعية منذ عمله “غوتس فون بيرليغن ” في مرحلة شبابه. أوحى العمل إلى معرفته الواسعة، لكن فيما بعد ظهر أن عناصر القصة التي وضعها بحدسه إلى جانب بعضها، كانت في الغالب متطابقة مع الواقع. هناك عدد لا يحصى من الكتب عن مقتل جون ف. كينيدي، الحقائق عادة صحيحة، لكن الإبداع هو أن تقول شيئًا يخصنا جميعًا من خلال هذه الحقائق ــ الحب، الألم، الرعب، الاستياء، المثالية. نتيجة لذلك ممكن أن تكون القصة أصدق من تقرير سياسي دقيق.