الرئيسية » حضاريات » نحن نعيش مجتمعات اعتقاد – محمد الحاج سالم / الجزء الثاني
نحن نعيش مجتمعات اعتقاد

نحن نعيش مجتمعات اعتقاد – محمد الحاج سالم / الجزء الثاني

وبعبارة أخرى، فإنّ الحدّ المفروض على تفكيرنا يمنعنا من أن نكون كلّيي العلم، ويجعل منّا بصفة آليّة كائنات مؤمنة. وهذا الحدّ المفروض هو من طبيعة ثلاثيّة مزدوجة. أوّلاً، عقولنا محدودة الأبعاد، لأنّ وعينا منحصر في مساحة محدودة وحاضر أبدي، وهو ما يمنعنا في كثير من الأحيان من الوصول إلى المعلومة الضروريّة لإصدار حكم متوازن. وعلاوة على ذلك، فهو محدود أيضاً ثقافيّا، لأنّه يفسّر المعلومات على أساس تمثّلات سابقة. وأخيراً، فهو محدود معرفيّاً لأنّ قدرتنا على معالجة المعلومات ليست لانهائيّة، ولأنّ تعقّد بعض المسائل يتجاوز إمكانيّات الحسّ السليم لدينا.

ولأنّ هذه السمات الثلاث هي خصائص إناسيّة للفكر، فإنّ "مجتمعاتنا ستظلّ مجتمعات اعتقاد، بغضّ النظر عن حالة تطوّر المعرفة الإنسانيّة" (ص 88). ولهذا السبب أيضا، فإنّ المعتقدات التي نسمّيها "متطرّفة" لن تختفي من أفق عالمنا المعاصر. فالأفراد "المتطرّفون" والجماعات "المتطرّفة" التي يشكّلونها، ليسوا وحوشاً غير عقلانيّة، بقدر ما هم منطقيّون للغاية، ما داموا – مثل جميع البشر – محكومين بحدود المعرفة واتّساع المراد إدراكه.

فمن هو المتطرّف؟

ابتداءً، يصف جيرالد برونر المتطرّفين بأنّهم أفراد قادرون على "التضحية بأثمن ما عندهم (وظائفهم، حرّيتهم…)، ولاسيّما حياتهم، وفي كثير من الحالات حيوات الآخرين أيضاً، باسم فكرة" (ص 91). وبهذا يمكن إطلاق صفة التطرّف على الأعضاء الانتحاريّين داخل نِحْلة، والانتحاريّين الإسلامويّين، والفنّانين المستعدّين للمخاطرة بحياتهم في سبيل الفنّ…

وانطلاقاً من هذه الخريطة العامّة للتطرّف، يستخرج برونر نظريّة عامّة جريئة للفكر الراديكالي، ويساعدنا بالتالي على كشف واحدة من أكثر المسائل خطورة وتعقيداً في عالمنا المعاصر. فالتطرّف لا يكون إلاّ نتيجة اعتقاد جازم في صحّة فكرة وجدارتها. والاعتقاد حسب كاتبنا، يمكننا تعريفه في ذات الوقت من خلال مضمون (فكرة) ومن خلال علاقة الشخص بذاك المضمون، أي الالتزام بفكرة بدرجة أو أخرى، ويكون ذلك – حسب الكاتب – إمّا عبر:

•           الانتماء بالوراثة، وهو ما يسهّل الانحباس داخل سجن معرفي أقلّوي (ص 236). ذلك أنّ الانتماء يكون أسهل حين يكون المحيط الاجتماعي مشجّعاً عليه من حيث انتماء عائلة المرء مثلاً إلى نِحْلة، وهو ما يدخل في باب التشريط الثقافي والتنشئة الاجتماعيّة، إذ من شأن العلاقات الاجتماعيّة المغلقة أن تحدّ من اختياراتنا، وتقوّي رغبتنا في الانتماء إلى جماعة، وإن كانت متخيّلة (الفرقة الناجية مثلاً).

•           الانتماء بالإحباط؛ أي بدافع اليأس من عالم خارجيّ معادٍ. فلئن كان الشعور بالإحباط أحياناً ذا عواقب إيجابيّة إذ يمكنه، على سبيل المثال، دفع الأفراد للتغلّب عليه وتحقيق تطلّعاتهم؛ إلاّ أنّه قد يؤدّي أيضاً إلى الشعور بالاستياء والاعتقاد بأنّهم يستحقّون أفضل ممّا هم عليه، وهو ما يمكن أن يخلق قوّة مدمرّة. وقد يغدو الأمر أكثر خطراً حين تتجمّع هذه الإحباطات الفرديّة وتلهم حركة دعويّة يمكن أن تكون عنيفة بفعل حركة المقاومة التي قد تجابهها من النظام الاجتماعي السائد (ص 251).

 

•           الانتماء بالكشف/الانكشاف، وهو نادر الحدوث قياساً بنوعيّتي الانتماء السابقين. إلاّ أنّه قد يحدث لبعض العقول المستعدّة لذلك، أن تدخل دورة الاعتقادات المتطرّفة نتيجة حادث عارض، قد يكون سعيداً أو غير سعيد، فتفسّره كما لو كان قدراً إلهيّاً حوّل مسار حياتهم، ويدعوهم إلى اعتناق فكرة تجد أساسها في تلك الإشارة الربانيّة، ومن هنا الانزلاق إلى منحدر الاعتقاد، والانعزال عن المجتمع، ومن ثمّة البحث عن انتماء لجماعة تقاسمهم ذات الفكرة (ص 268).

أمّا خصوصيّة الفكر المتطرّف، فتتمثّل في أنّه "التزام راديكالي بفكرة راديكاليّة" (ص 210). والنتيجة هي أنّ الأفكار المتطرّفة، إمّا هي ضعيفة الانتقال بين الذوات (faiblement transsubjectives)؛ أي أنّها لا تنتشر إلاّ في صفوف عدد محدود من الناس، لأنّهم يرونها غير مقنعة ولا تتماشى مع الواقع، أو لأنّها "معتلّة اجتماعيّاً" (sociopathiques). إنّها "قيم ومعتقدات ذات شحنة صراعيّة، تؤدّي إذا ما تمّ الالتزام بها في منطقها الكلّي… إلى عدم قدرة بعض الناس على العيش مع الآخرين" (ص 239)؛ أي أنّها لا تقبل رؤى أخرى للعالم مخالفة لها، أو أنّها تجمع، في أشكالها الأكثر خطورة، بين كلتا الخاصيّتين. فالتطرّف، باختصار هو "الالتزام غير المشروط بمعتقدات ضعيفة الانتقال بين الذوات و/أو تتضمّن إمكانيّة اعتلال اجتماعي" (ص 248). ومن هنا ثلاثة أنواع من المتطرّفين حسب التدرّج:

•           متطرفّون ذوو معتقدات منخفضة الانتقال بين الذوات ومنخفضة الاعتلال الاجتماعي (مثل هواة التجميع القهري للعاديّات، المولعون بالأطباق الطائرة، الأصوليّون الدينيّون غير التوسعيّين الذين قد تؤدّي قناعاتهم إلى تعريض حياتهم للخطر ولكن ليس حياة الآخرين).

•           ومتطرّفون ذوو معتقدات قابلة للانتقال بين الذوات ومعتلّة اجتماعيّاً (حركات عنيفة، ولكنّها "مفهومة" من قبل الكثيرين، مثل حركات المقاومة الوطنيّة المتطرّفة، حركة حقوق الحيوان، الخ).

•           وأخيراً، متطرّفون ذوو معتقدات منخفضة الانتقال بين الذوات وشديدة الاعتلال الاجتماعي (أعضاء النِّحَل الذين ينتحرون جماعيّاً، الإرهابيّون الانتحاريّون؛ أي العنيفون "غير المفهومين").

أشكال التطرّف

بناءً على تصنيف المتطرّفين حسب نوعيّة المعتقد، يختزل الكاتب رؤيته لأشكال التطرّف في هذا الجدول (ص 208 وما بعدها):

معتقدات قليلة الانتقال بين الذوات        معتقدات قابلة نسبيّاً للانتقال بين الذوات

معتقدات قليلة الاعتلال الاجتماعي       فكر عادي            جامعو العاديّات المتطرّفون، الفنّ، الأصوليّة،

الطوائف…

معتقدات شديدة الاعتلال الاجتماعي      المساواتيّة، الإيكولوجيا العميقة، الكفاح من أجل الاستقلال… النِّحَل، الإرهاب الإسلاموي، الصهيونيّة

المسيحانيّة…

تحدّد الخانة الأولى من الجدول الانتماءات القيميّة التي تميّز الفرد "العادي"؛ فهو لا يتبنّى دون قيد أو شرط إلاّ قيماً شديدة الانتقال بين الذوات وضعيفة الاعتلال الاجتماعي (إدانة التعذيب والاغتصاب، والاحتلال، وما إلى ذلك).

وتتعلّق الخانة الثانية بصنف من المتطرّفين ممّن يثير في الغالب الابتسام بدلاً من الرهبة، مثل "مجانين" الفنّانين ممّن يفضّل إنفاق ماله على فنّان على حساب احتياجات أسرته، أو المنتمين إلى نِحَل تروّج لأفكار تبدو بلا معنى لمعظمنا (كمن يعتقد مثلاً في قيام سكّان الكواكب الأخرى باختطاف البشر لدراستهم في مختبرات أو كشف أسرار الكون لهم).

وتتضمّن الخانة الثالثة المتطرّفين الذين يدافعون دون قيد أو شرط عن قيم قابلة نسبيّاً للانتقال بين الذوات، مثل الدفاع عن التوزيع المتساوى للثروة، والإرادة لوقف قتل أنواع معينة من الحيوانات، إلخ… ولكنّهم يستخلصون منها استنتاجات عمليّة لا تقبلها الفطرة السليمة، لأنّها معتلّة اجتماعيّاً، مثل المجازر بحقّ المدنيّين، وقتل المعارضين، وقتل أبرياء خلال عمليّات حروب التحرير. أمّا إذا تمّ الحرص على تجنيب المدنيّين ويلات القتل والتشريد، فإنّنا نخرج بذلك من إطار التطرف؛ ذلك أنّ الأفراد العاديّين يتصوّرون أنّهم سيفعلون نفس الشيء دفاعاً عن أرضهم.

أمّا الخانة الرابعة من الجدول، فتشير إلى المتطرّفين الأكثر وضوحاً، أولئك الذين غالباً ما تتصدّر أخبارهم عناوين الصحف. ويشمل هذا الصنف أعضاء النِّحَل الأكثر نشاطاً مثل طائفة أوم (Aum)، وأعضاء تنظيم القاعدة، والمنظّمة الصهيونيّة المسيحانيّة "إيال" (Eyal)، إلخ… وما يجمعهم هو تبنّي قيم ضعيفة الانتقال بين الذوات ومعتلّة اجتماعيّاً دون قيد أو شرط. ومثل هذه الجماعات هي التي نتذكّرها عادة حين يُذكر مصطلح "التطرّف".

محمد الحاج سالم – باحث ومترجم تونسي، حاصل على شهادة الدكتوراه  في الحضارة العربية من كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة عن أطروحة بعنوان:" من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية: قراءة إناسية في نشأة الدولة الإسلامية الأولى"، وصدرت سنة 2014. له عدة ترجمات، منها: "مقالة في الهبة" لمارسيل موس. نشر عدة مقالات في مجلات عربية فضلا عن مساهمات في ندوات دولية.