الرئيسية » حضاريات » نيقولا ريريخ: رموز مقدسة – ” مجموعة شعرية” – ترجمة : د. ماجد علاء الدين

نيقولا ريريخ: رموز مقدسة – ” مجموعة شعرية” – ترجمة : د. ماجد علاء الدين

                              المقدمة

تعتبر حياة الفنان والفيلسوف، والكاتب والعالم الروسي المعروف نيقولاي ريريخ بمثابة الأسطورة النادرة من نوعها. إنما حتى الوقت الحاضر لم تجمع المعلومات الكاملة عنه، ولم يحص المؤرخون عدد اللوحات الفنية التي أبدعها، ولم يدرس النقاد نتاجه الأدبي كما يجب، ولم يجمع تراثه كاملاً. وحسب توقعات بعض المؤرخين لنتاج ريريخ، أن عدد اللوحات الفنية الإبداعية قد بلغ 7 آلاف لوحة فنيه. ولو جمعت نتاجاته الأدبية من مقالات وقصص متوسطة وأقاصيص وشعر لملأت عشرات المجلدات، دون أي شك.

ومن أجل دراسة نتاج ريريخ، أرسلت الكثير من البعثات العلمية وعملت إحداها مدة طويلة لتنفيذ هذه المهمة، وخاصة في الأماكن التي عاش فيها الفنان المبدع. ودام عمل هذه البعثة العلمية فترة خمس سنوات ونصف، حققت خلالها العديد من النجاحات العلمية في مهمتها. ولد نيقولاي ريريخ عام 1874 في بطرسبورغ وتوفي عام 1947 في ولاية البنجاب في الهند.

عاش حياته، وهو يحمل هموم مجتمعه والمجتمع الإنساني عامة، وكان مشاركاً فعالاً في النضال من أجل السلم والحرية والعدالة الاجتماعية في جميع أنحاء العالم. واتسم نشاطه بالدفاع عن القيم الثقافية والحضارية والأخلاقية بما فيه تطور البشرية جمعاء تطوراً سليماً، بعيداً عن ويلات ومصائب الحروب على اختلاف أنواعها.

وتأثر خلال الفترة التي عاشها في الهند، والتي تزيد عن خمسة وعشرين عاماً بالثقافة والفلسفة الهنديتين. وأحب الهند حباً كثيراً، ولذلك جاء نتاجه الابداعي منسجماً مع أفكار جميع المعاصرين له من رفاقه، ومن دعاة الخير في العالم.

كتب الكثير من الأعلام والمشاهير والنقاد أعمالاً نقدية أثنوا فيها على نتاج نيقولاي ريريخ. وفي هذا المجال كتب نهرو ما يلي:” عندما أفكر بـ ريريخ، يغمرني العجب لهذه العظمة والاتساع في نشاطه الابداعي، فهو فنان ذو شأن كبير، وعالم عظيم، وكاتب رائع، وعالم آثار وباحث خلاق، إذ تمكن من إلقاء الضوء على الكثير من مجالات النشاط الانساني، والطموحات البشرية”.

يرتبط نشاط ريريخ الإبداعي بتلك البداية الموسيقية، التي ابتدأ بها حياته الفنية متـأثراً إلى حد بعيد بموسيقى الفنان المبدع “سكريابين”. وتكونت خلال هذا الطريق الابداعي للفنان ريريخ علاقة متينة بينه وبين نتاج سكريابين، وعلى أثر هذا الاتحاد بين إبداع سكريابين وريريخ تكونت ظاهرة فريدة من نوعها في الفن الموسيقي الروسي، والعالمي أجمع.

يشبه نتاج ريريخ إلى حد بعيد نتاج سكريابين، من حيث الغنى الروحي، والألوان الزاهية المفرحة للروح الإنسانية. وانطلق الفنان في هذا من إيمانه العميق بأن الألوان الزاهية “ألوان العيد” هي ألوان تبعث في النفس البشرية المسرة، ويجب أن تعمم على الفن المعاصر عامة.

هذا وقد خصص نيقولاي ريريخ الكثير من وقته لصياغة أفكاره الفلسفية والشعرية، وتعمق في دراسة الفلسفة العالمية على اختلاف أنواعها ومذاهبها، ولقد اتضح هذا في كتابه: “أزهار لماري” الذي يختتمه بالنداء التالي:

العارف يبحث

العالم يجد

العاثر يتعجب لسهولة الامتلاك

المالك يغني أغاني الفرح

إفرح! إفرح! إفرح أيها الصياد

عندما تنتصر ثلاث مرات…

يعتبر كتاب “أزهار لماري” من أكثر الأعمال تأثراً بنتاج سكريابين. ففيه السعادة الكبرى، والمشاعر الرقيقة، حتى تمكن المؤلف أن يبرز بإبداع المبدأ الأساسي في نتاج سكريابين، حول “التغني بالجمال، وبعظمة البداية الإبداعية” .

في هذا الكتاب يبحث المؤلف في مسألة استيقاظ الروح الإبداعية في نفس الإنسان، وعن الأفكار غير الواضحة في عالم الفرد، وعن العناصر الإبداعية الكامنة في وعي الإنسان.

كما يتناول موضوع المشاعر الإنسانية، التي تنقلب على نفسها مبتعدة عن التصور الخيالي المثالي، حتى تصبح حقائق علمية ملموسة. ويصدح الصوت الإبداعي في داخل الإنسان ليعبر عما يدور في كيانه، وكل ما يجري حوله من متغيرات ومستجدات.

وفي بعض القصائد المنشورة في الكتاب يعكس المؤلف مسألة الإنجازات الإبداعية الأولى في عالم الفنان، ويتحدث عن الفرحة الكبرى التي تعم روحه عند تحقيق الخطوات الإبداعية الأولى، ولم يتوقف المؤلف عند هذا، بل وعكس أيضاً النضال، والتعطش إلى التضحية، والنزعة الشديدة إلى اكتساب المعرفة وتحقيق السعادة القصوى في متابعه البحث للوصول إلى ذروة الإبداع. ورأى ريريخ أن “الفن العظيم” يعتبر عاملاً فعالاً في توحيد الإنسانية، وقد عبر عن هذا الطموح بالعبارات التالية:

تعال يا أخي نبتعد

عن كل ما يزول بسرعة

الوقت يمضي مسرعاً

فلنفكر ملياً

بالإبداع الأبدي الرائع.

وفي نهاية هذه المقدمة الموجزة لا يسعني إلا وأن أشكر كل من تفضل بقراءة مخطوط هذا الكتاب وخاصة الشاعر فؤاد كحل، وكل من ساهم بإخراجه وطباعته.

د. ماجد علاء الدين

 

الرموز المقدسة

نحن لا نعرف، وهم يعرفون.

الأحجار تعرف…

والأشجار تعرف، وتذكر

تعرف من أسمى الجبال والأنهار

تذكر من بنى المدن المندثرة.

ومن عرف البلدان من قديم الأزل،

لم نعد نذكر ما قيل من الكلام

كل شيء مفعم بالمعاني.

كل شيء مشبع بالتضحيات

الأبطال مروا من هنا

إنهم في كل مكان …

يعرفون الكلمة الحلوة.

يذكرون الكلمة المرعبة.

يعرفون ويتذكرون

يجب على الإنسان أن يصدِّق:

طيران السفن الفضائية،

انسياب الحمم الملتهبة،

لمعان شرارة الحياة

وكيف صعدت بقوة الروح

صخور حجرية هائلة.

احمرَّ النصل الغريب الرائع.

حَفَظَتِ الرموز الكتابية أسرار الحكمة.

ومن جديد بان كل شيء.

كل شيء أصبح تراثاً للحياة.

وها نحن نعيش من جديد

نتغير مرة، ومرات عديدة.

فلنقترب من الأرض.

فكل ما هو عظيم اليوم.

يصبح معروفاً، عادياً نهار الغد.

ها هي الرموز المقدسة تتكلم.

عندما يلزم الأمر

لم يلحظها أحد.

فمن يعرف؟

وتبني الحياة قدماً.

فأين الرموز المقدسة؟

1915

 

عبثاً

لم نر الرموز المقدسة

دع عينيك تستريحان

أعرف جيداً أنهما تعبتا

أغلقهما، سأنظر عنك

وأقول لك ما أرى

اسمع!

السهول من حولنا، شجيرات شائبة

البحيرات تلمع كالفولاذ

والأحجار قد جمدت دون جواب

تلمع ببريق هادئ

غيوم باردة

ذهبت متعاقبة خلف بعضها

يعلمون، يصمتون، ويكتمون.

لا أرى الطيور،

والوحش هو الذي يركض في السهول

سكون في كل مكان، دون عابر سبيل

لا أذكر، لا أرى، لا أعلم

لقد نظرت محدقاً دون جدوى

أتعبْتَ نظرك عبثاً

1918

في الرقص

خافوا،

عندما ينقلب الهدوء إلى حركة

عندما ينقلب النسيم إلى عاصفة

عندما يعج حديث الناس بكلمات لا معنى لها.

ارتعدوا خوفاً،

عندما يدفن الناس ثروتهم

في الأرض كنوزاً

خافوا،

عندما يرى الناس أن التحف

تنقل على أجسامهم فقط

خافوا،

عندما لا يفهم الناس بعضهم

وينسون المعرفة

ويهدمون ما تم معرفته سابقاً

وينفذون التهديدات بسهولة

عندما لم يعد مكان ما تكتب عليه معارفكم

وتصبح الصفحات المكتوبة مهلهلة

والكلمات شريرة

آه. أيها الجيران! حياتكم غير منظمة

غيرتم كل شيء. ولا يوجد أي سر حقيقي!

ومع البؤس سرتم لتحتلوا العالم

جنونكم سمى أقبح امرأة رائعة!

تحت تأثير الراقصات الرخيصات

وأنتم على استعداد أن تغرقوا في الرقص.

1916

 

 

طريقنا

مسافرون،

سوف نقطع الآن طريقاً ريفياً

البيوت تتعاقب السهول والغابات

الأولاد يرعون الماشية.

يقترب الأولاد منا

قدم لنا صبي حَبَّ الآس في سلة

أهدتنا فتاة باقة أزهار

صبي آخر قدم لنا عصا جميلة

بعد أن رسم عليها خطوطاً دائرية

لقد فكر أن عصاه تساعدنا على المسير

سرنا إلى الأمام

لن نلتقي بعد اليوم مع هؤلاء الأولاد

ابتعدنا عن البيت قليلاً

ولكن الهدايا قد كثرت

نثرنا الأزهار الفواحة

وكسرنا السلة والعصاة المُهداة ..

لماذا تلازمنا هذه الأشياء

في طريقنا الطويل هذا؟

لكن لم يكن عند الأطفال شيء آخر

أعطونا أفضل ما لديهم

حتى يقصّروا طريقنا.

1917

في الصباح

لا أعلم ولا أستطيع

عندما أريد، أفكر

من يريد الأقوى؟

عندما أعلم

فهل هو لا يعلم من هو الأقسى؟

وعندما أستطيع

هل لا يوجد أحسن وأعمق؟

وهكذا لا أعلم ولا أستطيع

قل لي في الهدوء القادم

قل لي ماذا أردت من الحياة

وماذا قد حققت؟

ضع عليَّ يدك

سأكون قادراً وحالماً

وما أتمناه في الليل

أتذكره في الصباح.

(يتبع)