الرئيسية » سياسة واقتصاد » موجة الأعمال الإرهابية في أوروبا.. أستصل إلى روسيا؟ – ايلينا سوبونينا
كانت موجة الأعمال الإرهابية التي تعصف بأوروبا بانتظام مرعب متوقعة ولقد كتبنا عن ذلك مرارا، مرتكزين إلى توقعات الأجهزة الأمنية الغربية الخاصة، والتي  تفضي عن قلق وارتباك صريح، وذلك على سبيل المثال، في مقال "ضربة في قلب أوروبا: لما الآن ولماذا بروكسل؟". أشارت التحليلات آن ذاك، كما تشير الآن إلى مسار صعب، أولا: الخطر في كل مكان وهو متعدد الأوجه، ثانياً: انعدام الاستقرار الطويل الأمد، ولن ينتهي هذا حتى بانتهاء الأزمة السورية، حاضنة الإرهاب الفعالة، لأن أسباب هذه الفوضى لا تكمن في حروب الشرق الأوسط فقط، بل إنها

موجة الأعمال الإرهابية في أوروبا.. أستصل إلى روسيا؟ – ايلينا سوبونينا

يمكن لهجمات "الذئاب المنفردة" أن تكون مدمرة أيضاً، هذا ما كشف عنه العمل الإرهابي في نيس، بتاريخ 14 تموز/ يوليو، وفي الوقت نفسه، أظهر احتجاز الرهائن في كنيسة شمال فرنسا، بتاريخ 26 تموز/ يوليو، أنه ليس من النادر أن يعمل الإرهابيون بدرجة أقل من الاستعداد وبطريقة عفوية، لكنهم يوقعون الخسائر حتى في هذه الحالات، كما حدث عندما ذبح سفاحان يوم الثلاثاء الماضي، قسا يبلغ من العمر 86 عاما في النورماندي.

تم تنفيذ الضربة بالرغم من أن أحد المهاجمين كان تحت رقابة الشرطة لمدة سنة ونصف السنة على الأقل، إذ بدأت مراقبته بعدما توجه إلى تركيا في العام 2015، حيث تم القبض عليه وترحيله منها لدى محاولته العبور إلى سوريا. كما أن هناك معطيات تفيد بأن هذه المحاولة لم تكن الأولى، لقد أغرى الشاب رفيقه المدرسي للمشاركة في إحدى "المغامرات" مصطحباً إياه في العملية.

بدأت المشاكل في هذه العائلة الفرنسية الجزائرية الأصل منذ عدة سنوات، عندما كان عمر الطفل 15 عاما، وكانت الأزمة السورية في أوجها، وقد توجهت الأم (بروفيسور) والأخت (طبيبة) إلى الشرطة، مطالبتان إياها بكبح جماح الشاب واحتجازه في المنزل، وفي لحظة تنفيذه الجريمة في مدينته، كان عمر الشاب قد بلغ  18 عاما.

وبعدما قضى الشاب عاما في السجن الفرنسي، أُطلق سراحه بشرط ارتدائه سواراً إلكترونيا، هذا ما كان يفترض أن يضمن تواجده على الأراضي الفرنسية. وكان من حق الشرطة اتخاذ إجراءات ما، فقط في حال عدم عودة الشاب إلى البيت بعد الثانية عشر والنصف ليلاً، وكان باستطاعته التحرك بحرية تامة طيلة النهار في أرجاء المدينة، حسب قرار المحكمة التي قضت بعقوبة أخف من تلك التي طالبت بها النيابة.

إلا أن الرقابة لم تكن كافية، ففي حين أن المتطرف لم يغادر البلاد، تمكّن من حيازة بندقية "كلاشينكوف"، وإيجاد شريك جديد له وتنفيذ عملية إرهابية.

معلومات عن هجوم الكنيسة قبل سنة من وقوعه

كانت الأجهزة الأمنية الفرنسية الخاصة على علم بالخطر المحدق بالمعابد، حيث وردت دعوات على المواقع الإلكترونية والمنشورات الدورية التابعة للتنظيمات الإرهابية لمهاجمة المقدسات المسيحية، بعدما كان المتطرفون يركزون في هجماتهم على طوائف دينية أخرى، بما في ذلك طائفة المسلمين الشيعية، معتبرينهم زنادقة.

ووردت في وقت سابق معلومات مقلقة حول الكنيسة، حيث اعتقلت الشرطة  في ربيع 2015، طالب حاسوب جزائري، بتهمة الضلوع في حادثة قتل غريبة، راحت ضحيتها فرنسية تبلغ من العمر 32 عاما، تعمل مدربة "أيروبيك وبيلاتس"، وفور انتهائها من التمارين، توجهت إلى سيارتها لتتلقى ثلاث رصاصات في الرأس.

 وعلى الأرجح أن المجرم كان مرتبطا بـ "الخلية البلجيكية"، وكان يخطط لاستخدام السيارة للهجوم على كنيسة في ضواحي باريس، إلا أن الشرطة تمكنت مع اعتقاله قبل أن ينفذ العملية، وفي ذلك الحين بدأت الشكوك بأنه لم يضع هذه الخطط بنفسه، بل كان يحصل على التعليمات عبر شبكة الإنترنت.

سوريا والعراق –  ليستا إلا "نصف الكارثة"

وكشف الاجتماع الطارئ الذي عقده الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، يوم 27 تموز/ يوليو مع القوات الفرنسية عن الكثير في التفاصيل، حيث اتضح أن أجهزة الأمن كانت تعرف المجرم جيدا، بل وأكثر من ذلك، كانت تراقبه، وتعرف الأهداف المحتملة لهجومه، كأماكن التجمع المزدحمة والمواصلات والكنائس والمساجد، (نعم – نعم، المساجد، وعلى وجه الخصوص المساجد الشيعية).

وعلاوة على ذلك، كانت حالة الطوارئ مفروضة في جميع أنحاء البلاد بعد العملية الإرهابية في نيس، وعلى خلفية الهجمات الأخيرة في ألمانيا، كان الوضع يتطلب انتباها شديداً بشكل عام.

وبذلك، يتضح أن أوروبا ما زالت رحبة للمتطرفين، ولا يرغب الأوروبيون بالتحول إلى نمط الحياة في زمن الحرب (مع أن ذلك ضروري)، كان يجب تشديد الحراسة على الكنائس منذ ربيع 2015، لكن الموارد غير كافية لذلك حتى الآن، فلتحاولوا حماية كافة كنائس المدينة، لدينا (في روسيا) على سبيل المثال، تشدد الحراسة في الأعياد الكبرى فقط.

المشكلة أيضا في أن جزءا فقط من جذور الإرهاب يعود إلى الأزمة في سوريا والعراق، تزايد الهجمات الحالي يعود بالطبع إلى أن الجماعات الإرهابية تواجه الهزيمة وتخسر مواقعها الاستراتيجية في سوريا والعراق، ما يجعلها تنقل نشاطها إلى الخارج.

نعم، إذا تمكنا من تحسين الأوضاع في سوريا والعراق (وهذا لن يتحقق قريبا)، فسنتمكن من قطع هذه الجذور، أي والحمد لله، ستصبح الأوضاع أفضل بكثير، لكن تغذية الإرهاب ستستمر. فماذا بعد إذا؟

بحثوا عن أنفسهم فوجودا إرهابيين

سنشرح ذلك على مثال بعض الأعمال الإرهابية الأخيرة في ألمانيا، هناك مساء 18 تموز/ يوليو، هاجم أفغاني يبلغ من العمر 17 عاما ركاب قطار بالفأس، وفي 25 تموز/ يوليو، فجر سوري يبلغ من العمر 27عاما  نفسه في بافاريا في الطريق إلى مهرجان، (ولحسن الحظ لم يتمكن من الوصول)، وفي الحالتين، كان المجرمان من موجة المهاجرين الجدد، والتي استسلمت لبروبوغاندا الإرهابيين.

إليكم دافيد، البالغ من العمر 18 عاما من عائلة إيرانية، والذي أطلق النار في 22 تموز/ يوليو في ميونيخ، ليقتل 9 أشخاص. فقد ولد في ألمانيا وحصل على التعليم ولم يكن مرتبطا بالإرهابيين بشكل مباشر، وتشدد السلطات على تأكيدها أنه لم يكن مهاجراً، بل أنه "مجنون مدني"، لكنه يتمتع بما يكفي من العقل لوضع برامج على الحاسوب تمكن بواسطتها من شراء أسلحة في السوق السوداء.

وإليكم السؤال: هل كان الشاب ألمانيّا، ليس فقط بجواز سفره، بل بمحتواه الداخلي؟ هذا سؤال صعب وخطير، وهو لا يتعلق بدافيد وأسرته فقط.

ينشط تدفق المهاجرين إلى أوروبا منذ عقود، والتزايد المفاجئ في السنوات الأخيرة، المرتبط بالأحداث في سوريا والعراق، أعطى هذه المشكلة طابعا ملحا ومتعدد الأشكال، إذا كانت ألمانيا استقبلت في السابق بالمتوسط، بضعة مئات الآلاف من المهاجرين سنويا، فإنها تستقبل في السنوات الأخيرة حوالي نصف مليون شخص. وفي 2015 دخلها 800 ألف مهاجر.

لكن الكثيرين ممن أتوا حتى في ستينيات القرن العشرين، لا يشعرون بالراحة في وطنهم الجديد، مع العلم أنهم لا يعون ذلك بأنفسهم (عندما تتخذ القرار بنفسك يكون الأمر أسهل)، بل عبر أبنائهم الذين يولدون في فرنسا أو ألمانيا أو بلجيكا أو بريطانيا.

يبحث الكثيرون من الشباب عن أنفسهم وعن معنى الحياة، لكن هؤلاء مميزون، لديهم مشكلة تحديد الذات وأزمة الهوية، تقاليد الأجداد ضاعت والوسط الجديد لا يتقبلهم، فيتشكل "غيتو" بدلا من التعاون الطبيعي، لكن هذا ليس مجتمعا تقليديا، بل نوعاً غير مكتمل من البدائل، يتسم في أغلب الأحيان بتصفية داخلية لعناصر الجريمة.

هناك مفهوم يدعى فجوة التواصل: وهو عبارة عن صعوبات في التواصل وتحديد الذات في مجتمع معين، وتعمل التقنيات الحديثة (الحواسيب، والهواتف النقالة وشبكات التواصل الاجتماعي) على ردم هذه الهوة إلى فترة ما.

يهرب العرب إلى أوروبا، فإلى أين تهرب آسيا الوسطى؟

المشكلة قديمة نلاحظها ليس في أوروبا فقط، بل وفي روسيافتحت أوروبا أبوابها على مصراعيها أمام هجرة العمل، لكن بعد حروب وثورات الشرق الأوسط، انضم إليهم اللاجئون، "انغلقت الدائرة ووقع الانفجار"، لكن خريطة هذه الآلية الجهنمية، لم ترسم خلال السنوات الأخيرة، بل على مدى عشرات السنوات على التوالي.

وعلينا نحن أيضا، أن نأخذ التغيرات التدريجية للصورة الديموغرافية وأنظمة التعليم في القوقاز على محمل الجد، كما  يتزايد استبدال القضايا المدنية هناك بالعادات والأعراف.

إذا لم تكن هناك حاجة للمهاجرين كأيد عاملة رخيصة، فعلينا أن نفكر منذ الآن، كيف يندمج الطاجيك والأوزبيك في مجتمعنا، وإذا ما كانوا يندمجون أصلا.

هل سيبقون هنا مع إخوانهم وأخواتهم وأطفالهم أم سيعودون إلى بلادهم؟ ماذا سنفعل بالقرى الطاجيكية الممتدة على حزام وسط روسيا؟ وهل نحن مستعدون لتدفق اللاجئين في حال تردي الأوضاع بشكل مفاجئ في آسيا الوسطى كما حدث في الشرق الأوسط؟

مهاجرو العمل الذين يتخذون الخيار بعقلانية، شيء، اللاجئون اليائسون الحاقدون المذلون، إذا كان اللاجئون يهربون من الشرق الأوسط إلى أوروبا شيء آخر. فإن جيراننا سيهربون باتجاهنا، سيكون جيدا إن كنا مستعدين لذلك، أما إن لم نكن، فهذا أمر لن تحمد عقباه.

 لقد مررنا بذلك في التسعينيات وأوائل الألفية، ونحن نقدر أننا ما زلنا قادرين الآن على السيطرة على الوضع. يمكن أن نتصور بسهولة حجم الجهود التي تبذلها الأجهزة الخاصة والسلطات المحلية والمجموعات الدينية والمجتمع بشكل عام، لكن تردي الأوضاع في الشرق الأوسط، والآن في أوروبا، سوف يتطلب منا جميعا جهدا إضافيا وانتباها أكبر.

 تجب دراسة تجارب فرنسا وألمانيا، والأهم هو استخلاص العبر. من الأفضل أن نتعلم من أخطاء الآخرين التي من الصعب عدم ملاحظتها، إنها تكتب بالدماء.

يلينا سوبونينا (محللة سياسية ومستشرقة روسية)

المصدر: "ريا نوفوستي" – 27 تموز/ يوليو 2016

 

 

كلمات مفتاحية: أوروبا، الإرهاب، المهاجرون، اللاجئون، روسيا، آسيا الوسطى