الرئيسية » حضاريات » مؤسسة الزواج والأسرة، وانتشار الثورة الجنسية في إقامة النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل – يوري ياكوفيتس / الجزء الثاني
الزواج والأسرة، وانتشار الثورة الجنسية

مؤسسة الزواج والأسرة، وانتشار الثورة الجنسية في إقامة النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل – يوري ياكوفيتس / الجزء الثاني

كل ذلك يقود إلى إضعاف مؤسسة الأسرة كخلية أولى في المجتمع، وكجزيء الحضارة وأساس تكاثر الجنس البشري، نوع Homo sapiens.

إن هذا الوضع يُقلِق الأديان المسيحية، ولكنها عاجزة عن التصدي لهذه النزعة التي تفسد المجتمع. وما زالت هذه النزعة أضعف ظهوراً في حضارات الشرق.

إن الدين هو الحامي الرئيسي للاستقرار الأسري. ويتوجب على جميع الأديان أن تفهم التهديد المتزايد لهجرة السكان وانهيار مؤسستي الأسرة والزواج، وعليهم توحيد جهودهم لدعم هاتين المؤسستين وتحسين المؤشرات السكانية في جميع الحضارات.

وتكتسب مشكلة العلاقات بين الأجيال صدىً جديداً في ظروف النمو السريع لحصة الجيل الهرم. مما يتطلب حصة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي لإعالته. بمقدور الأديان أن تلعب دوراً فاعلاً في حل هذه المشكلة، وخلق احتمال الشيخوخة الفاعلة في إطار الحضارة المتكاملة.

إن نقص العمالة في بعض البلدان والحضارات مع فائضها في بلدان أخرى والاختلاف الحاد في مستوى المعيشة وجودتها، تكون سبباً في تصاعد موجة المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، وتوسع دائرة الحضارات المختلطة تزايد حدة التناقضات بين الحضارات وبين القارات في البلدان المتلقية لموجات المهاجرين.

بمقدور الأديان أن تلعب دوراً بارزاً في مشكلة تأقلم المهاجرين مع ظروف الحياة الجديدة وتليين التناقضات بين حملة القيم الحضارية المختلفة.

الدين والانتقال إلى المجال المعلوماتي

من بين القيم الحضارية، التي تدعمها أغلبية الأديان، وخاصة البوذية، توجد قيم مثل الاهتمام بالطبيعة، والعناية بالبيئة الطبيعية المحيطة بالإنسان. إلا أن انتقال الحضارات الغربية إلى الحضارة الصناعية قام لدرجة كبيرة على إخضاع الطبيعة، والاستغلال الوحشي للموارد الطبيعية. ومع نهاية القرن العشرين وجد ذلك انعكاساً في تفاقم الأزمة العالمية الطاقية البيئية، وصار أحد أسباب التغيرات المناخية المدمِّرة. قام العالِمان (ف.إ.فيرنادسكي، ون.ن.موئسييف وغيرهما) بتطوير عِلم حول حركة المجتمع باتجاه المجال المعلوماتي، والاتحاد المنسجم بين المجتمع والطبيعة، فصاغا مطالب الإمبراطورية البيئية. وبمقدور الأديان أن تلعب دوراً هاماً في صياغة ونشر أخلاقيات المجال المعلوماتي، بحيث تنمي عند المتدينين ثقافة العناية بالطبيعة، والدعم الإيديولوجي والأخلاقي لتحقيق المسائل التي وضعها قادة العالم في خفض السموم المنبعثة إلى الغلاف الجوي بنسبة 80% حتى عام 2050م. ويبدو أنه تجب إضافة وصية جديدة إلى وصايا موسى العشرة، وهي حيوية بالنسبة للجيل الحالي والقادم: «حافظ على الطبيعة، لا تسبب الضرر للبيئة المحيطة».

الثورة التقنية والأديان

فقط على أساس الثورة التقنية في القرن الواحد والعشرين يمكن التغلب على القيود السكانية والطاقية والبيئية، وتأمين الظروف الملائمة للنمو الاقتصادي المستقر، ويتم تأمين مستوى معيشي لائق وجيد، بجهود جميع الدول والحضارات.

يمكن للأديان أن تعيق مثل هذه الثورة، وهو أمر غير مجدٍ، ويمكن أن تشجعها، حيث تقوي التوجه الإنساني في المجال المعلوماتي.

يتوجب على الزعماء الدينيين أن يشجعوا النشاطات الابتكارية والإبداعية عند جيل الشباب،والدعم الفعال للابتكارات العصرية والابتكارات الأساسية، التي تؤمن الادخار الملموس للقوى العاملة والموارد الطبيعية، وتحسين تغذية وصحة السكان، والتغلب على الأمراض الخطيرة. ومن المهم بشكل خاص تجاوز الهوة الهائلة في مستوى التطور التقني للحضارات، وتحديث المجالات الاقتصادية والاجتماعية للبلدان المتخلفة  والحضارات المتأخرة، وخاصة الإفريقية والإسلامية.

الأديان في بناء نظام اقتصادي متكامل

إن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية ما بين عامي 2008 ـ 2009م، أكدت لنا مرة أخرى، على أن النظام الاقتصادي والسوقي السائد اليوم بمنافسته التي لا ترحم (Homo homini lupus est ـ الإنسان للإنسان ذئب)، والسعي المجنون وراء الربح، والاستغلال الوحشي لموارد الكوكب في ظروف العولمة لخدمة مصالح الشركات المتعددة الجنسيات وبلدان «المليار الذهبي»، هذا النظام لم يعد صالحاً ويجب تغييره في القرن الواحد والعشرين بنظام اقتصادي متكامل (3)، وقائم على أسس، أكثر قرباً من عقائد الأديان العالمية الرئيسية، وخاصة الإسلامية.

من وجهة النظر هذه يفيدنا النموذج الاقتصادي، الذي يرفض الربا، ويطالب بتحقيق مبدأ العدالة في العلاقات الاقتصادية.

بمقدور الأديان العالمية أن تساعد على حدوث هذا التحول العظيم، وإدانة «اقتصاد الفقاعة» والمشاريع الهرمية، داعمة إقامة مبادئ العدالة سواء في العلاقات الاقتصادية الوطنية أو الدولية، ومنع التمايز المفرط في دخل البلدان والطبقات الاجتماعية. وبمقدور الأديان أن تلعب دوراً كبيراً بشكل خاص في تشكيل و استخدام آلية شراكة الحضارات للتغلب على الفقر والجوع في البلدان المتخلفة للحضارات الإفريقية والإسلامية، ودعم عمل الأمم المتحدة، ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمات دولية أخرى.

الأديان في مواجهة الحروب والعنف في السياسة الجغرافية

إن الوصية الأكثر أهمية في جميع الأديان العالمية هي وصية «لا تقتل». ولكنها لا تطبق إلا على أفراد العشيرة وعلى الشركاء. فأديان كثيرة تؤيد قتل المشركين وأتباع الديانات الأخرى، والغرباء والأجانب، ونشر العداوة، والعنف. لكن الحضارة المتكاملة لا تنسجم مع الحروب والعنف والكراهية. لقد شاركت الأديان بفعالية في الحركات المؤيدة للسلام، وفي الحد من إنتاج وخفض أسلحة الدمار الشامل. والآن سيتوجب عليهم تفعيل نشاطهم في هذا الاتجاه، وإدانة الحرب والقتل في جميع مظاهره، مشجعين على التسامح. ومن المهم بشكل خاص زيادة دور الدين في محاربة الإرهاب الدولي، في شكله غير الطبيعي، مثل الانتحاريين، حيث يقوم الشباب الانتحاريون بقتل أنفسهم بقصد قتل العشرات من الناس الأبرياء، ليذهبوا مباشرة إلى الجنة ـ بعد أن يُخِلُّوا بالوصية الأولى. يتوجب على جميع أديان العالم أن ترفع صوتها ضد هذه الظاهرة القبيحة، معتبرة الإرهاب وخاصة الإرهاب الانتحاري أعظم الآثام، والذي يفتح الطريق مباشرة إلى الجحيم.

يجب على الأديان أن تدعم نزعة تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب، قائم على الشراكة بين الحضارات، أحد أسس الحضارة العالمية المتكاملة، ودعم حركة نزع السلاح من الاقتصاد والمجتمع، الذي ينتزع الموارد من الأطفال والفقراء، ويرمي هذه الموارد إلى الحشد الذي لا يشبع (حشد مولوخ المطالب بالضحية) حشد النزعة العسكرية والحرب.

 

3 ـ دور الأديان في تشكيل النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل

يعد دور الدين في تشكيل النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل هاماً وذا مسؤولية بشكل خاص، كأساس للحضارة العالمية ما بعد الصناعية. لنتناول هذه المسألة بتفصيل أكبر.

الدين والعِلم: خصمان أو شريكان؟

انتشر في القرن العشرين الرأي القائل بأن العِلم والدين عدوان لدودان، يوجهان قواهما ضد بعضهما بعضاً في مسارات الحضارات. ولكن تاريخ الحضارة يمتلئ بأمثلة متناقضة. فكثير من رجال الدين حققوا ثورات علمية (مثل نيكولا كوبرنيكوس)، وعدد كبير من العلماء العظام كانوا متدينين بصدق (أمثلة من القرن العشرين ـ إيفان بافلوف، بيتيريم سوروكين).

إن العِلم والدين ـ مختلفان، ولكنهما يكملان بعضهما بعضاً بأشكال المعرفة. فإذا كان العِلم بحاجة إلى نظام التفكير المنطقي وإثبات مواقفه بالتجارب والخبرة، فإن الدين يُبنى قبل كل شيء على عقائده ومسلماته التي لا جدال فيها، ويطالب بالإيمان بها قبل كل شيء. ولكن في الكثير من مبادئه ومواقفه يكمل العِلم والدين بعضهما بعضاً، وخاصة في الوعي الجمعي، البعيد عن التفاصيل الدقيقة للمعرفة العلمية والعقائد الدينية. ولديهما واجب مشترك ـ الحياة الروحية، ووعي الإنسان والبشرية، والهموم المشتركة حول تطور البشرية. يحتل العلم والدين المكانة الخاصة لهما في النظام الاجتماعي والثقافي للحضارات، وإذا ركزا جهودهما في الصراع مع بعضهما بعضاً ، فإنهما يُضعِفان بعضهما بعضاً وبالتالي يضعفان الحضارة ككل.

إن خصوصية الدين في أنه يعبر عن ميزات محددة لمجموعة عِرقية معينة، أو شعب، أو حضارة، وهو في قلب التنوع الثقافي والحضاري، الذي لا يقل أهمية، عن عمومية المعرفة التي يعبر عنها العِلم ومصالح البشرية جمعاء، والحضارة الشاملة.

ولذلك فإن المهمة الأكثر أهمية للعِلم والدين (مع المثقفين) ـ هي توحيد الجهود لإنتاج أسس مشتركة وإستراتيجيات لسرعة التطور الاجتماعية الثقافية وشراكة الحضارات.

الدين والتعليم

لوحظ في العقود الأخيرة عملية نشطة لعودة الدين إلى التعليم ضمن اتجاهين: لتعريف الجيل الصاعد خلال سير العملية التربوية العامة على أصول الدين ودوره في المجتمع، ولإعداد الكوادر من رجال الدين. لكن من المهم، ألا تقود هذه النزعة إلى زيادة العزلة والعداء بين الأديان والحضارات، وتعزيز حركة طالبان والوهابيين، وألا تصبح مصدراً للأزمات والحروب بين الحضارات.

إن تدريس الدين في المدارس الثانوية والكليات لا يجب أن يؤدي إلى فرض قيم دين محدد في مواجهة بقية الأديان، على جيل الشباب.

هذا النوع من الكتب الدراسية يجب أن يُعِدُّهُ العلماء حصراً، المتخصصون في هذا المجال من الحياة الروحية. وفيما يتعلق بإعداد رجال الدين، فهنا من الطبيعي أن يكون الدور الأول للعلماء من رجال الدين في الدين المحدد، ويجب على الطلبة أن يحصلوا على تصورات موثوقة، وغير مشوهة حول طبيعة وخصائص عقائد الأديان الأخرى والتشبع بروح التسامح الديني والحوار وفهم الرسالة.

وإذا كان الاتجاه الأول للتعليم موجوداً في يد الدولة، المنفصلة عن الكنيسة (الأمر الذي تزداد أهميته في ظروف الحضارة متعددة الأديان، كحضارات أوراسية، وأوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، والصينية، واليابانية، والهندية)، والاتجاه الثاني ـ في يد الكنيسة، المنفصلة عن الدولة.

 

 

يوري ياكوفيتس