الرئيسية » سياسة واقتصاد » مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر
lqds.jpg

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

 

لقد عملت الحركة الصهيونية العالمية باجتهاد بالغ على تجريم مقارنة سلوكيات الكيان العنصري في إسرائيل بممارسات النازية، وألقت بتهم جاهزة عن العداء للسامية على كل من يحاول أن يواجه إجرام سلطات الاحتلال الإسرائيلي أو المستوطنين، ونجحت في دفع حكومات 31 دولة للتوقيع على تفاهم يمنع المقيمين فيها من الإشارة إلى أي نقاط تشابه بين السياسات الإسرائيلية الحالية وسياسات دولة الرايخ الرابع. وقد لحقت بتلك الحكومات دول أخرى، مثل بريطانيا التي قررت تبني هذا التفاهم طوعيّاً دون اعتباره ملزماً قانونياً.

لكن المراقب المنصف لابد وسيُدفع حتماً إلى عقد مقارنات تكشف عن الطبيعة الإجرامية والعنصرية للحركة الصهيونية، التي من خلال تسويقها مرحلة الهولوكوست على يد النازيين الألمان (1941 – 1945)، بوصفها نموذج المذبحة الأبشع في تاريخ البشر، نجحت في احتكار تمثيل الهوية اليهودية عبر أصقاع العالم، بدلاً من صورتها الحقيقية كابنة مدللة للاستعمار الغربي تحولت إلى سلطة احتلال تقوم على أساس رجعي عنصري شديد التداخل مع المشاريع الإمبريالية العالمية، وتورطت في أعمال تطهير عرقي يندى لها الجبين ضد الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين. بل إن مصادر تاريخية متقاطعة تشير إلى تعاون فعلي أبعد من مجرد التحالف الموضوعي بين النازية والصهيونية منذ وقت مبكر، إذ منع الصهاينة سقوط نظام هتلر في بداياته الأولى من خلال توقيع اتفاقات تعاون تجاري، وكذلك بذل الجهد لمنع مقاطعة اقتصادية شاملة يقودها اليهود من التسبب بانهيار الاقتصاد الألماني، إذ كان ذلك سيؤدي في الوقت ذاته إلى تضاؤل ثروة اليهود الألمان الهائلة. كما ولا ينكر عاقل أن مأساة الهولوكوست تحديداً هي التي مكنت الحركة الصهيونية من إقامة دولتها على الأراضي الفلسطينية، وهي الحركة التي كانت قبل ذلك مجرد أقلية بين الشعب اليهودي – إذا جاز وصف اليهود بالشعب -.

لقد حاول يهود أوروبيون كثر الانخراط في منظومة العرق الأبيض المتفوق من خلال ادعاء الانتماء إلى مجموعة قيم مشتركة وثقافة واحدة لكن دون نجاح يذكر، وبحد أقصى كانوا يُستخدمون لخدمة تلك المنظومة في مرحلة سياسية معينة قبل أن يُلفظوا من جديد.

هذا الأمر دفع بالصهاينة إلى التشبيك مع المجتمعات الغربية من خلال التعاون العضوي في المصالح كوسيلة وحيدة للالتقاء داخل دائرة واحدة، ولذا فقد تحوّلت الصهيونية – التي هي نتاج عقل عنصري منحرف – إلى الارتباط بنزعات ثقافات الاستعلاء القومي والاستشراق التي سادت الغرب في مراحل هامة من القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي الثقافات التي بررت ونظَّرت ومررت كل مثالب العنصرية والانحياز الأعمى والاحتلالات العسكرية، كما تنفيذ أعمال القتل والقمع والطرد الممنهج. كان الغربيون وقتها يوظّفون أسطورة العرق الأبيض كأداة للتحكم بعواطف المواطنين وغضبهم، وتوجيهها نحو الآخر المختلف لإبقائهم بعيدين عن فهم أبعاد الهيمنة التي تمارسها الطبقات الحاكمة، وهو ما كان كارل ماركس قد حذّر منه في محاججاته في كتاب «المسألة اليهوديّة» حتى قبل عقد المؤتمر الصهيوني الأول. وبالفعل فإن الغرب العنصري استهدف اليهود تحديداً غير مرة في كل أوروبا من روسيا القيصرية إلى بريطانيا الفيكتورية بالقتل والعزل والتهجير، لكن حكماء الحركة الصهيونية أدركوا ذلك مبكراً، ولم يجدوا غضاضة مطلقاً في الالتحاق غير المشروط بالكولونيالية الرأسمالية الأوروبية – ولاحقاً بالإمبراطورية الأميركية – من خلال خدمة الدوائر الاستعمارية في تلك المجتمعات، ولو كان ذلك أحياناً على حساب مجموعات محددة من اليهود. فلم يتردد الصهيوني بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في التعبير علناً عن استعداده للتضحية باليهود الأفراد إذا كان وجودهم يتسبب بالخطر للمشروع الصهيوني بالمجمل. كما تظهر الوثائق التاريخية أن العمل على تأسيس مشروع «هولوكوست» للضغط على يهود العالم، ودفعهم للمشاركة بالعمل الصهيوني بدأ مبكراً، بينما كان معظم اليهود الذين يُعتقد أنهم لقوا حتفهم في الهولوكوست فعلاً لا يزالون أحياء، ولم تكن الوكالة اليهودية لغايتها قد صرحت بما يفيد بحدوث انتهاكات جسيمة ضد اليهود في قلب أوروبا هتلر.

تلاعبت الصهيونية بالسرديات التاريخية والأساطير الدينية، وتاجرت بمعاناة اليهود في أوروبا، لتبني مشهداً يمكن فيه قيام دولة يهودية خالصة على الأرض التاريخية المزعومة في فلسطين يحقق حلم ثيودور هيرتزل في حل مسألة «العداء للسامية» للأبد، ولو جاء ذلك على حساب التغاضي عن سقوط ملايين اليهود ضحايا. وقد أُعيد توظيف حكايات المعازل اليهوديّة (الغيتوهات) والهولوكوست محض الأوروبيّة لتبرير الاستمرار اليومي لدولة غزاة مستوطنين، ذات نفس عنصري بغيض قائم على أساس العسكرة، ولعب دور القاعدة المتقدمة للمصالح الغربية في قلب الشرق، ودائماً على حساب سكان البلاد الأصليين. لا تزال الدولة العبرية إلى اليوم توظف المشهدية ذاتها التي تحتكر دور الضحية لاستقطاب يهود أوروبيين وأميركيين للبلاد، ولاستمرار ضمان تفوق عسكري نوعي حاسم عبر منطقة الشرق الأوسط، وكذلك تبرير جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب الآخرين.

ومع ذلك فإن يهوداً قلائل وجدوا، ومنذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، تناقضات ومفارقات بين الأدوار السياسية الفعلية للحركة الصهيونيّة – ولاحقاً دولتها في فلسطين المحتلة – والغايات المعلنة التي تدّعي تحقيقها لضمان حماية الشعب اليهودي من الاضطهاد. مثلاً في نوفمبر (تشرين الثاني) 1948 وبعد أسابيع من إعلان قيام الدولة العبرية تسلم إيعازر بيري رئيس تحرير جريدة «عل – همشمار» اليسارية رسالة من بيني موريس كشف فيها عن مجزرة مروعة ارتكبها الإسرائيليون بحق عرب الدوايمة، وكتب عن ذلك أهارون كايسلنغ أول وزير للزراعة في إسرائيل يقول: «لم أستطع النوم طوال الليل. إن هذه المذابح تشكّل شخصية دولتنا الجديدة. اليهود بدورهم قادرون على ارتكاب جرائم نازية فظيعة». كما وصف ضابط كبير من ميليشيات «الهاغانا» مذبحة قرية الصفصاف التي قتل فيها ما يقارب السبعين من سكانها بدم بارد، رغم أنهم استسلموا ورفعوا الراية البيضاء. فكتب يقول عن رفاقه «يا إلهي أين تعلم هؤلاء القدرة على تنفيذ كل ذلك القتل البشع كما كان يفعل النازيّون؟». ومن المعروف الآن أن 750 ألفاً من يهود أوروبا الذين نجوا من الهولوكوست، وهاجروا إلى إسرائيل، حُرموا من الحصول على أي تعويضات في الوقت الذي كانت مليارات الدولارات تتساقط على إسرائيل من كل مكان – بما فيها ألمانيا نفسها – كتعويضات. وحتى في أوقاتنا الراهنة، فعندما حوكم جندي إسرائيلي لقتله عام 2016 وبدم بارد فلسطينياً مصاباً خرجت مظاهرات حاشدة للدفاع عن القاتل، وأعرب 57 في المائة من الإسرائيليين عن تأييد ما قام به، بينما عارضه 20 في المائة فقط. اللافت أن الهتافات واللافتات التي حملها الإسرائيليون وقتها كانت تقول بـ«الموت للعرب»، تماماً على نسق الصرخة النازية «الموت لليهود».

استمر الصهاينة المتطرفون في السيطرة على مفاصل الدولة العبرية منذ التأسيس، ولم يسمحوا لأي من هذي الأصوات المغردة خارج السرب بالتحول إلى تيار عام، وانتهى جميعهم إلى التخوين والعزل. وتحوّل الصهاينة منذ العام 1956 عن أولوية خدمة المصالح الاستعمارية الأوروبية في الشرق إلى الانخراط الكلّي في المشروع الإمبراطوري الأميركي دون كبير التفات لمصالح اليهود الفعلية خارج الكيان العبري، أو حتى مجرد التفكير في خطورة الاستمرار بقمع الفلسطينيين ومعاداة الإطار العربي لمستقبل الأجيال اليهودية القادمة، ناهيك عن النظرة الفوقية لليهود الغربيين (الإشكناز) تجاه يهود الشرق (السفارديم)، وتبني المؤسسة الإسرائيلية لهوية بيضاء عنصرية تجاه كل الآخرين، بما فيهم يهودها ذوو الأصول العربية.

استمر الصهاينة دهراً في سياساتهم هذي حصل خلالها اليهود عموماً، والإسرائيليون منهم تحديداً على فرص وصدمات تاريخية عدة، كان أي منها كافياً لدفع عقلاء اليهود لإعادة النظر في خطف الصهيونية للدين اليهودي، ومراجعة اصطفافاتها الدائمة مع القوى الإمبرياليّة الغربية، لا سيما في وجه الصعود الثاني للموجة الفاشية الأخيرة على جانبي الأطلسي. فمن مذابح 1948 وتهجير الفلسطينيين من بلادهم إلى احتلال القدس وأراضٍ عربية أخرى عام 1967، ومن اجتياح لبنان عام 1982 إلى سياسات إسرائيل القمعية اليومية بحق السكان المحليين في الأراضي العربية المحتلة. وتأتي موضوعة الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل مقر سفارتها إلى هناك بدلاً من تل أبيب، لتصبح ربما آخر الصدمات الحاسمة للعقل اليهودي المعاصر، الذي بات وبشكل متزايد تحت ضغط مفارقة أن يحسم أمره فيما إذا كان يريد إبقاء يهوديته (وقضيته المزعومة) في خدمة قوى الإمبريالية العالمية من خلال التسليم التام لهيمنة النخبة الصهيونية الحاكمة في البلاد، أو يتخذ قراراً بالاستغناء عن الأداة السياسية لمصلحة هوية دينية لا قومية تسمح ليهود العالم، بما فيهم يهود إسرائيل تحديداً، بممارسة دينهم وتقاليدهم الثقافية، وتمنحهم فرصة الانخراط في المجتمعات الحديثة على نسق ما سماه إسحق دويتشر بـ«اليهودي اللايهودي» دون معاداة قطاعات عديدة من مواطنيهم وجيرانهم، وبالتأكيد ليس على حساب الفلسطينيين، خصوصاً وأن طبيعة المجتمعات المعاصرة تغيّرت بشكل كبير خلال المائة سنة الأخيرة منذ إطلاق المشروع العبري في الشرق العربي تحت رعاية المستعمرين، وأن ثياب الديمقراطية والليبرالية المزيفة قد سقطت عن السلطات الإسرائيلية إلى الأبد.

ربما تكون القدس فرصتهم الأخيرة.

ندى حطيط

الشرق الاوسط: ١٠-١٢-٢٠١٧