الرئيسية » حضاريات » مسألة الخطاب وعلاقته بأزمة التمثيل في صورة الشرق الإسلامي في الخطاب الغربي – دراسة بقلم عبد الله الدماغ / الجزء الثاني
swr_lshrq_lslmy.jpg

مسألة الخطاب وعلاقته بأزمة التمثيل في صورة الشرق الإسلامي في الخطاب الغربي – دراسة بقلم عبد الله الدماغ / الجزء الثاني

إنَّ هذا التمثيل وما يستند إليه من تعميمات، يعتمد في جوهره على مبدأ الخطاب، والخطاب كما عرَّفه ميشيل فوكو (ت. 1984): ((هو كلُّ ما يُحكى عن موضوع معين، في فترةٍ زمنيةٍ محددة، وضمن فضاءٍ جغرافيٍّ ثقافيٍّ متماثل)). فاستناداً إلى هذا الخطاب تنشأ المؤسَّسات الأكاديمية، بشقَّيها البنائي والعلمي، وكذلك الدراسات الفلسفية والمعرفية حول الموضوع الـمُتناول، ما يؤدي إلى إثارة نوعٍ من الممارسة العملية لتلك الجماعة المسيطرة، والتي تدير الخطاب من خلال المثقفين العضويين، أي أولئك المرتبطين بتلك الجماعة والمديرين للخطاب في الوقت ذاته، ويمارسون الأثر الثقافي على المجتمع من خلال المؤسَّسات التربوية بمختلف أشكالها كالمدرسة والجيش والكنيسة، ويَنفذون بشكلٍ واضحٍ إلى وسائل الإعلام، كطريقةٍ لصنع الوعي أو الثقافة الاجتماعية. هذه الكتلة من الخطاب والأفراد والمؤسَّسات، تُنتج نوعاً من الإرشادات القمعية، التي تبدِّل طبيعة الأشياء الأخلاقية والجنسانية، وحتى منها اللغوية. فالخطاب يُنشئ بذلك بُنىً معرفية وآليات قوة في الدولة الحديثة، محدداً بذلك المقبول والمرفوض، أي القانوني واللاقانوني، الأخلاقي واللاأخلاقي، وبالتالي يصبح الفرد حبيس هذه الأطر المؤسَّساتية، كما في السجن والمدرسة والجيش والمستشفيات.

يُعدُّ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، نقطة تحوُّلٍ مهمةٍ في التاريخ الأوروبي. حيث انتصرت البرجوازية اليعقوبية إبَّان الثورة الفرنسية على النظام الإقطاعي، وعلى بُناه القانونية والأخلاقية، من ضمنها الكنيسة الكاثوليكية، منهيةً بذلك عصر الشمولية وممهدة الطريق للحداثة، ما أدى إلى سيطرة الرغبة على إقامة قطيعةٍ مع الماضي، وتحديد ماهية الأشياء. وبالتالي نشأت تلك القطيعة بطريقةٍ غير قمعية، وهذا ما يميز الدولة البرجوازية عن الشمولية، باعتمادها على مبدأ المناورة والحوار، لضمان استمرارها وسيطرتها من خلال التلاعب، أي اعتمادها على الخطاب. فأصبح المرء نتيجة ذلك يقيم فرقاً ما بين العقل والجنون، بين الطبيعي واللاطبيعي، بين المرض والصحة وبين الشرق والغرب، لتحديد الشخصية الوطنية.

هذا الفرق المستند إلى الخطاب نشأ ليس بطريقة الصدفة، وإنَّما نتيجةً لتراكمٍ معرفيٍّ أو كما أسماه فوكو "أركيولوجيا المعرفة"، التي ترتبط بـ "جينالوجيا السلطة"[1]، أي القوة المتراكمة والمكتسبة من خلال المعرفة أو الـمُنتجة للمعرفة بالوقت ذاته. فالمعرفة هي ليست قوة كما شرحها فرانسيس بيكون (ت. 1626) في القرن السادس عشر، وإنَّما هناك علاقة تبادل ما بين المعرفة المتراكمة والقائمة على التجربة وبين السلطة. فالمعرفة تُنتح نوعاً من السلطة والتي بدورها تحدِّد طبيعة المعرفة الصحيحة من غيرها، ولكنَّ السلطة تُنتج بدورها المعرفة من خلال سيطرتها على المؤسَّسات التعليمية والأكاديمية. فليس من البساطة أن نعرف ما هي المعرفة، وماهي القوة؛ أي السلطة، إنَّما المهم بذلك أن نضع نصب أعيننا في هذا البحث؛ أنَّ هناك علاقة ترابط بين هذين المبدأين، واللذين يستندان في الوقت ذاته إلى مسألة الخطاب والمؤسَّسات المرتبطة به، والمنتجة للإرشادات القمعية والممارسة للعقاب القانوني في حال المخالفة، والمؤطِّرة لوعيٍ جماعيٍّ أو صانعة لثقافة في المجتمع الغربي. في هذا السياق سأطرح مثالاً عن صورة الإسلام لدى الألمان، والتي تستند فقط إلى الخطاب الرائج وما يطرحه من تعميمات في الإعلام والصحافة، لنبرهن على مدى أثر الخطاب في تشكيل الرأي في الشخصية الغربية.

في دراسةٍ أجرتها صحيفة "فرانكفورتر ألغيمانية – فرانكفورت العامة" 2004  بالتعاون مع مركز "الينسباخAllensbach "[2] للدراسات الثقافية، حول رأي الألمان بالإسلام، كانت النتيجة: أنَّ 93% يرون أنَّ الإسلام لا يمنح النساء حقوقاً، و83% إرهاب، 82% راديكالي، 66% تخلف، 45% مضياف، 39% إنجازٌ ثقافيٌّ عالٍ، 16% رائعٌ ومثيرٌ للاهتمام و6% لطيف.

هذه الدراسة تجعلنا نطرح تساؤلاً حول الإسلام نفسه، فهل هنا يتمُّ الحديث عن الإسلام كموضوع، أم يتمُّ الحديث عن المسلمين كذوات؟ فهل الإسلام هو الذي يمارس الإرهاب أو يكون مضياف؟ فالمتلقي الألماني أو الغربي بشكلٍ عام يقرأ عن الإسلام في الإعلام والصحافة وفي الأدب، ويشكِّل بذلك وجهة نظرٍ معينةٍ معتمدةٍ على الخطاب المنشور في الوسائل الإعلامية، ويثق بذلك الخطاب اعتماداً على تصوره أنَّ النص يطرح دوماً أبستومولوجيا[3]، أي معرفة تجريبية متراكمة وتمتلك بذلك الحقيقة، وهنا تبرز سلطة المعرفة في الخطاب. ولكن في الواقع هو يقرأ عن بنيةٍ تسمى الإسلام، الذي هو بذاته كالشرق أو جزء منه. فالشرق الاستشراقي أي ذلك الشرق الذي صنعه المستشرقون، يعرفه إدوارد سعيد (ت. 2003) على أنَّه بنية ثقافية مصطنعة تتعامل فقط مع التصورات الخيالية، وفي بعض الأحيان مع أفكار عنصرية. فمن أراد الحديث عن الشرق سيدور فقط في تصورٍ محدَّد، مرتبط كثيراً بقصص ألف ليلة وليلة وعلاء الدين وعلي بابا أو الصحراء والنخيل أو العماليق، فهو تصورٌ سخيف، إضافةً إلى أنَّ الجغرافيا وما يستند إليها من إثنيات متعددة لا تأخذ مكان، فيمكن للمستشرق أن يتحدث عن الهند وعن سوريا وعن المغرب فكلُّه شرق وهو كتلة. فإن تحدَّث عن المرأة في الهند، هي الصورة نفسها للمرأة في سوريا، وفي المغرب أو حتى في تركيا فهي شرقية، أي هي تنتمي إلى بنية وتندمج معها كذات وكموضوع. فالإسلام كذلك أيضاً، فمن أراد أن يتحدَّث عن الإسلام لا بدَّ أن يتحدَّث عن الأصولية وعن الشريعة والجهاد. فالإسلام من خلال هذا التصوُّر يعيش أزمة أكبر منها لدى الشرق. فهو لا يُحدَّد جغرافياً، وإنَّما هو عبارة عن كتلةٍ يختلط فيها الإثني والعرقي مع المكاني والتاريخي وحتى السياسي والاجتماعي، وهذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع تمثيل الإسلام في النص الغربي من خلال تعميماتٍ محددة. فالتعميم هو أساس وعلى علاقةٍ وثيقةٍ مرتبطة بالفكر الاستعماري، فهومي بابا يرى بأنَّ التمثيل وما يستند إليه من تصوراتٍ محددة، هو ميزة العقلية الاستعمارية، التي مازالت مسيطرة حتى في عصر ما بعد الاستعمار، نتيجةً لافتحال التصورات في تلك الدراسة عن الثقافات الاخرى[4].

اعتماداً على الخطاب الغربي عن الإسلام، وما يستند إليه من معرفةٍ تراكمية، والمرتبطة بعلاقات السلطة، نرى أنَّ الإسلام محدَّد بتصوراتٍ معينة، والتي هي نتيجة أزمة في الشخصية الغربية وتمركزها حول سؤال؛ من نحن ومن هم الآخرون؟ والتي هي حبيسة فلسفاتها وعقلانيتها، علومها، تصوراتها وتعميماتها، ولكن على الطرف الآخر نرى أنَّ المسلمين قد صنعوا للإسلام صورة مستندة إلى حدٍّ بعيد على تصورات الغرب. فلو تابعنا السينما المصرية لوجدنا؛ أن تكون مسلم، فهذا يعني أنَّه يجب عليك التكلم بالفصحى وترتدي الثوب الأبيض. ولا ندعو هنا لسلب حرية الفن، وإنَّما يجب على المرء أن ينبِّه، فنحن نبحث في موضوع التعميمات النمطية حول شيءٍ محدَّد يُدعى الإسلام، بالكاد أصبح معروف الملامح، والهدف هو تفكيك عناصر البنى المصطنعة.

كلُّ ثقافةٍ تسعى لأن تحدِّد نفسها من خلال إظهار صورة للآخر، وهذا حقٌّ مشروع. فالغرب يتحدَّث عن الإسلام، والمسلمون يتحدَّثون عن الغرب، وصورة الآخر ممكن أن تتضمَّن النقيض لصورة الأنا، أو تقدِّم له صورة تكميلية، أو تكون بالنسبة له عبارة عن اختلاف، يمكن أن تقبله وتتعامل معه، ولكن بالنهاية استخدام هذه الصورة على أن تكون سبباً لصدامٍ ما بين الثقافات، هو المرعب في الموضوع وليس التصوُّر عن الآخر. لكن أن يكون "الآخر هو الجحيم"[5] هنا تكمن الأزمة. فالإسلام وإن كان يتضمَّن تهديداً لثقافة المسيحية الغربية، على أنَّه يؤطِّر ثقافةً مغايرةً ولأسبابٍ تاريخيةٍ معروفةٍ لا يمكن أن يبقى متمثلاً كعدو. فالمهم بالموضوع أن يكون هناك تقبُّلٌ للآخر، فإن توجب على الجهاديين أن ينبذوا العنف، وهذا صحيح، فيتوجَّب على الغرب أن ينبذ العنف أيضاً، وهذه خطوةُ للتفاهم بين الثقافات، إذ علينا أن نتحاور؛ فسياسة الكلمة هي الخطوة الأولى لسلامٍ عالمي، وليست سياسة التحريض والسلاح هي الحل.