الرئيسية » سياسة واقتصاد » مقدونيا وقصة الاخبار الزائفة اولا… هنا الـ” بي بي سي” و Reality Check
hn_l_by_by_sy.jpg

مقدونيا وقصة الاخبار الزائفة اولا… هنا الـ” بي بي سي” و Reality Check

 

من عام تقريبا، بدأت خدمة Reality Check نشاطها، مؤمنة اجوبة دقيقة عن مختلف القضايا الآنية، بعد اجراء تحقيق صحافي جدي حولها. "دور الصحافي أو الوسيلة الاعلامية اليوم تصفية الخبر من البروباغندا والتدقيق فيه، وربما تحليله"، على ما يؤكد جلاد، مع دعوة ملحة الى "عدم الغرق في فخ الاستعجال و"السكوب" والصراع على الـLikes والـViews". "النهار" تضيء على الخدمة الجديدة للـ"بي.بي.سي"، في اطار الحملة التي اطلقتها اخيرا لمكافحة الاخبار الزائفة، او ما يعرف بالـ"Fake news". 

 

الخيوط الاولى 

المسألة مقلقة. الخيوط الاولى لانتعاش ظاهرة الاخبار الزائفة لاحقتها "هيئة الاذاعة البريطانية" (بي.بي.سي) حتى مصادرها. في اواسط 2016، لاحظ محرر الميديا في موقع "باز فيد" كريغ سيلفرمان "تيارا مضحكا من الاخبار الملفقة التي يبدو ان مصدرها مدينة في اوروبا الشرقية"، وفقا لتحقيق نشره موقع الهيئة، واجراه مايك واندلينغ (22 ك2 2018). "انتهى بنا الامر الى اكتشاف مجموعة من المواقع الاخبارية المسجلة كلها في المدينة نفسها في مقدونيا، واسمها فيليس (veles)"، على ما ينقل عن سليفرمان.

بدأ سليفرمان وزملاؤه التحقيق في الامر. وقبل فترة قصيرة من اجراء الانتخابات الرئاسية الاميركية، امكنهم "رصد 140 موقعا اخباريا كاذبا على الاقل هناك، كانت تجذب اعدادا هائلة من القراء على فايسبوك". الامر جلي بالنسبة الى المحققين الصحافيين. "يمكن ان يكون الشباب في فيليس مهتمين او غير مهتمين كثيرا بالسياسة الاميركية. لكن بسبب الاموال التي يتم تحصيلها من خلال الدعايات على "فايسبوك"، أرادوا ان يصل عملهم الخيالي ذلك الى البعيد على وسائل التواصل الاجتماعي. الرئيس الاميركي دونالد ترامب كان يومذاك ولا يزال موضوعا ساخنا على وسائل التواصل الاجتماعي"، وفقا للتحقيق.  

وهكذا، كتب مقدونيون وغيرهم من مروّجي الاخبار الزائفة قصصا مع عناوين مثل "البابا فرنسيس يصدم العالم، ويدعم ترامب للرئاسة"، و"وفاة العنصر في مكتب التحقيقات الفدرالي المشتبه في قضية تسريب الرسائل الالكترونية لهيلاري كلينتون، في ما يشبه جريمة-انتحار". 

كل هذه الاخبار وغيرها "زائفة"، وانتشرت بلمح البصر على نطاق واسع. ومعها بدأ استخدام تعبير "Fake news" (فايك نيوز او اخبار زائفة) على الانترنت، لينال بدوره انتشارا واسعا في الاشهر اللاحقة، وصولا الى الولايات المتحدة، وايضا بريطانيا. 

الموضوع جدي، ولا تساهل فيه. في 23 ك2 2018، اعلنت الحكومة البريطانية وحدة امنية وطنية متخصصة بملاحقة الاخبار الزائفة والتضليل الاعلامي. ولكن قبل ذلك، اتخذت الـ"بي.بي.سي" تدابير عملية خاصة بهذا الصدد. "نحن ملتزمون ما يعرف بالتدقيق في الحقائق او Reality Check. وقد أنشأنا خدمة خاصة بهذا الموضوع. ونحن بصدد توسيع عملها"، على قول جلاد لـ"النهار". 

Reality Check

كانون الثاني 2017. الخبر مؤكد. الـ"بي.بي.سي" تعلن تشكيل فريق للتدقيق في الوقائع وفضح زيف اخبار مضللة يتم تناقلها على انها صحيحة. يومذاك قال مدير الاخبار في الهيئة جايمس هاردينغ ان "بي.بي.سي تولي اهمية المعركة ضد الاكاذيب والتحريف والمبالغة"، مؤكداً "العمل مع موقع فايسبوك خصوصا، لنرى كيف يمكن ان نكون اكثر فاعلية". بالنسبة الى Reality Check، "نريد ان تكون اكثر من خدمة عامة. نريدها ان تكون شعبية في شكل هائل". 

في المعركة ضد الاخبار الزائفة، يدرك فريق "بي بي سي" "اننا لا نستطيع تصحيح كل الأخبار المنشورة على الانترنت. لكننا لن نقف مكتوفين حيال ذلك، وسنحاول قدر الامكان أن نساعد في كشف الحقائق، وأن نكون كما كنا دوما مرجعا للحقيقة"، على ما يؤكد جلاد. 

وهذا يعني ايضا التوعية، على مختلف المستويات. مشروع Reality Check "بدأ تطبيقه في المدارس لتحصين الشباب والأطفال تجاه فكرة أن ليس كل ما ينشر على الانترنت صحيح"، على ما يفيد. ويتدارك: "نعرف جميعا أن معظم الاطفال يمضون وقتا طويلا على الهواتف النقالة، وعددا منهم يملك هواتف ذكية ايضا. وهنا مكمن الخطر".  

ضمن جهود الهيئة ايضا، وفقا لجلاد، العمل على "نشر خبرتها في هذا المجال على نحو أوسع، عبر تخصيص وحدة خاصة تضم خبرات من جهاز رصد وسائل الاعلام BBC Monitoring، فضلا عن الاستعانة بأقسام اللغات التي تضم صحافيين من دول عدة يتمتعون بخبرات واسعة ومتعددة، وعلى علاقة يومية بما يحصل في دولهم". 

من توجهاتها ايضا، "التركيز على استخدام داتا المعلومات والاحصاءات كركيزة لإعلام المستقبل". ما تريده "بي بي سي"، على ما يشرح، هو أن "تقدم الخبر بلغة الارقام التي يدقق فيها خبراء في المجالات كافة". والامل في أن "تتمكن كل هذه العناصر من الحد من الأخبار الكاذبة، وأن تساهم في تصحيح الصورة بالنسبة الى المشاهد والمستمع والقارئ".  

الفخ 

الفضيحة الجنسية في منظمة "اوكسفام" البريطانية، والتي كان لها وقع كبير في بريطانيا، من احدث المواضيع التي دققت فيها خدمة Reality Check. "ما القيمة التي تحصل عليها اوكسفام من التبرعات الخيرية البريطانية؟" الموضوع يبدأ بسؤال محدد. والخدمة تجيب عنه بوضوح، بارقام ومعطيات موثوق بها. المجال مفتوح على تناول اي شيء، كل شيء. كوريا الشمالية، الرئيس ترامب، رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، الضرائب، الجريمة ومعدلاتها، الصحة… 

96 عاما على تأسسيس "هيئة الاذاعة البريطانية" (1922). المؤسسة الاعلامية البريطانية عريقة، "مستقلة"، تضم حاليا العديد من القنوات ومؤسسات الانتاج، ونحو 20 الف موظف موزعين على مكاتبها في مختلف ارجاء العالم. العام 1994، اطلقت اولى خدماتها الاخبارية على الانترنت. العام 2008، اسست قناة اخبارية ناطقة بالعربية. 

واذا كانت الـReality Check احدى احدث خدماتها الاخبارية، وخبرتها يافعة، غير انها تبيّن دسامة. "هذه الأدوات التي تعمل عليها "بي بي سي" بدأت تؤتي ثمارها"، على قول جلاد، "لكنها تحتاج الى وقت أيضا. فنحن أمام تبدل كبير في صناعة الاعلام وثورة تكنولوجية لم تنته بعد". 

في ظل انتشار الاخبار الزائفة وتوقعات مستقبلية حول ازدهارها، المطلوب اليوم، في رأيه، الى جانب "استخدام وسائل التدقيق التي أصبحت متوفرة على نطاق واسع، معرفة حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الصحافي. مهمة الصحافي كانت في الماضي القريب البحث عن الخبر. لكنها أصبحت اليوم متوفرة للجميع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، صورة وصوتا، مما يفسح في المجال أمام ماكينات البروباغندا لتحويرها والتلاعب بمضمونها". 

المهمة مصيرية. "دور الصحافي اليوم أو الوسيلة الاعلامية تصفية الخبر من البروباغندا والتدقيق فيه، وربما تحليله"، على ما يشدد. "يجب الا نغرق في فخ الاستعجال و"السكوب" والصراع على الـLikes والـViews، والا نتعامل مع كل ما نشاهده أو نقرأه كحقيقة مسلم بها".  

هالة حمصي

النهار: 14/2/2018