الرئيسية » سياسة واقتصاد » منظومة القيم المصرية – تحرير الدكتورة سماء سليمان (4)
qym_lmjtm_lmsry_fy_lmrhl_lmsr.jpg

منظومة القيم المصرية – تحرير الدكتورة سماء سليمان (4)

 

الجزء الرابع

 

 

قيم المجتمع المصري في المرحلة المعاصرة:

 

 في مرحلة الخمسينيات[5]:

وفي فترة الخمسينيات ساعد التوسع في التعليم على تفكك الحواجز الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية، وواقع الأمر أن هذا التفكك بدأ قبل 1952 حين انتهجت الدولة سياسة مجانية التعليم الجامعي على يد طه حسين، وسمح للطبقات الدنيا بدفع أبنائها للالتحاق بالكلية الحربية، وشكل ذلك الفرصة لانتقال أفراد من طبقة اجتماعية إلى أخرى، ومع ذلك كان هذا الانتقال بسيطاً إلى حد ما، بينما أدَّت سياسة الدولة في الحقبة الناصرية إلى زيادة مساحة تآكل الحواجز الطبقية في مصر، حيث انتشر التعليم المجاني وانتهجت الدولة سياسات إصلاحية على كافة المستويات الاقتصادية (الإصلاح الزراعي، إجراءات التأميم والحراسة، ورفع معدلات الضرائب التصاعدية، الإسراع بالتنمية الصناعية والزراعية) والعسكرية (تزايد امتيازات المؤسسة العسكرية) والإدارية (نمو البيروقراطية المصرية وتدخل الدولة في الحياة الاجتماعية والسياسية) والاجتماعية (التزام الدولة بتعيين الخريجين) ساعد كل ذلك على تخفيض المراكز الاقتصادية والاجتماعية للطبقات العليا في المجتمع المصري (الأرستقراطية الزراعية، والرأسمالية الكبيرة في الصناعة)، وزاد من خلخلة مواقع الطبقات الاجتماعية في مصر بصورة نسبية، وسادت قيم مثل العدالة الاجتماعية والمساواة.

 

قيم مرحلة السبعينيات والثمانينيات[6]:

تغير الحال في السبعينيات والثمانينيات، وكان هذا في صالح الإسراع بمعدل الحراك الاجتماعي، حيث تبدلت سياسة الدولة من الانغلاق إلى الانفتاح، ومن التدخل في شؤون الاقتصاد إلى الانفراج والحرية، مما ساعد على بروز قيم الفردية والأنانية، وهنا أضافت هاتان الفترتان عوامل وقنوات أخرى ساعدت على تزايد حدة الصعود والهبوط للطبقات الاجتماعية، حيث أُنشئت شركات انفتاحية وبنوك خاصة ومكاتب للتصدير والاستيراد، ومكاتب استشارية للبحوث الأجنبية، وأصبح العمل في خدمة كل ما هو أجنبى طموحاً وتميزاً ليس فقط على المستوى الرسمى (من قبل الدولة) بل وأيضاً على مستوى الثقافة الشعبية، فلقد أتاح ذلك ظهور مؤشرات للتميز الاجتماعي يتعدى ما ينتجه هذا العمل لخدمة القطاع الخاص والأجنبي، من مجرد الارتفاع في مستوى الدخل، كاستخدام لغة الأجنبى وعاداته. وهكذا زادت طموحات الأفراد واتجهت الأنظار نحو البحث عن كافة الوسائل الشرعية وغير الشرعية للعمل في هذا القطاع، الذى يدر الدخل الأعلى من جانب، ورمز المكانة العليا من جانب آخر، مما ساعد على ظهور قيم مثل التملق والنفاق وإحلال الولاء محل الكفاءة في العمل.

 

وقد أتاحت الهجرة إلى دول النفط للمصريين الفرصة للتخلى عن قيمة الاستقرار وهيبة العزبة وهي تراث موروث كان يعنى عدم قدرة المصري على ترك المكان، فقد كان من نتائج الضغوط في فترة التاريخ المصري، والانفتاح في فترة تالية وضيق فرص العمل في الداخل، وحاجة السوق العربي إلى العمالة في نفس الوقت – كان من نتائج ذلك تزايد أعداد المهاجرين من عمال البناء والحرفيين والعمال الزراعيين، الذين يرسلون تحويلاتهم النقدية إلى عائلاتهم المقيمة بمصر فيغيرون من مراكزهم في السلم الاجتماعي. وهكذا قدمت الهجرة منفذاً للصعود الاجتماعي أمام طوائف واسعة من أبناء المجتمع المصري لم يكن أمامها منفذ غيره. ولم يكن ارتفاع مستوى دخل هذه الشرائح هو العامل الأساسي في تغيير المركز النسبي لهم، بل الأهم من ذلك ما تولد عن ذلك من تزايد حدة الطموح الاستهلاكي واقتناء رموز جديدة للتميز الاجتماعي ترفعهم إلى مستويات أخرى في السلم الاجتماعي، مما ساعد على ظهور المباهاة الاجتماعية والنهم في اقتناء كل ما هو ثمين والتعالي والأنانية.

 

ولقد أحدثت ظاهرة التضخم – التي صاحبت التحول نحو الانفتاح الاقتصادي – تقلبات كبرى في المراكز النسبية للشرائح الطبقية في مصر، فتدفق السيولة النقدية بمعدل أكبر من معدل الزيادة في السلع والخدمات بالإضافة إلى التضخم الانفتاحي أدَّى إلى تشكيل شرائح اجتماعية جديدة تقاطعت مع شرائح أخرى مثل: ملاك العقارات الجدد، وأصحاب الملكيات الزراعية الكبيرة والمتوسطة وأرباب الصناعة، وتجار الجملة، وأصحاب مكاتب التصدير والاستيراد، وكذا شرائح أخرى كانت تنتمي إلى الطبقات الدنيا مثل الحرفيين وعمال البناء والعمال الزراعيين الذين أفادوا من ندرة العمل الناجمة عن الهجرة، الأمر الذى شكل مناخاً لظهور الفساد بأشكاله المختلفة في كافة المجالات، وعلت قيم الشطارة وانتهاز الفرص وتنمية العلاقات الشخصية بأصحاب النفوذ وهانت فضائل احترام الكلمة والتمسك بالكرامة الشخصية وظهور أنواع جديدة من الجرائم كانهيار العمارات حديثة البناء وشيوع الرشوة وقتل الوالدين.

 

وقد أحدث هذا المعدل غير المسبوق في الحراك الاجتماعي تقلبات عنيفة في المركز النسبي للطبقات ترتب عليه ما يلي:

1- صعود شرائح دنيا في السلم الاجتماعي لتنافس وتتفوق على الطبقات الوسطى والعليا في نمط معيشتها.

2- محاولة تقليد الأقل دخلاً للأعلى دخلاً في نمط معيشته رغبة منها في الانتماء لطبقة أعلى فانتشرت الرموز الطبقية كالإصرار على اقتناء سيارة خاصة أو جهاز موبيل معين لتأكيد الانتماء لطبقة أعلي.

3- صعوبة كبح هذا النمط من الاستهلاك ذي الدافع النفسي فالسيارة –على سبيل المثال- في هذا الحالة ليست مجرد وسيلة انتقال، ولكنها رمز للصعود الاجتماعي.

4- ارتباط الاختلال في ميزان المدفوعات بارتفاع معدل الحراك الاجتماعي فارتفاع قيمة الواردات المصرية وصعوبة ترشيدها وتراخى النمو في الصادرات يرجع في جزء منه لانعكاس الحراك الاجتماعي.

5- أصبح الاستثمار غير المنتج رمزاً للصعود الطبقى (كمساكن الطوب الأحمر والكتل الأسمنتية في القرية والاستثمار في سيارات الأجرة وإقامة البوتيكات والمشروبات الغازية).

6- النمو المذهل في نوع جديد من السكن يعتبر رمزاً مهما للترقي الاجتماعي.

7- طبيعة الاستثمار غير المنتج الأسرع في العائد والأقل في المخاطرة يعتبر أكثر ملاءمة لأفراد يستعجلون إثبات رقيهم الاجتماعي.

8- انصراف أبناء الحرفيين عن حرف أجدادهم إلى الوظائف المكتبية مما تسبب في تضخم سرطاني للخدمات على حساب الإنتاج.

9- زيادة إنفاق الدولة على المرافق بالمدن على حساب القرية وإهمال الأراضي الزراعية نتيجة لزيادة الهجرة من الريف إلى المدن.

10- التهرب من الضرائب لأنهم لا يشعرون بدين الدولة عليهم في حصولهم على رزقهم الجديد الذى اكتسبوه عن طريق أعمال السمسرة وتأجير الشقق المفروشة أو الهجرة بعكس الرأسمالية الزراعية / الصناعية القديمة التى كانت تشعر بدور الدولة لارتباطها بمشروعات الري وصيانة المرافق.

11- ضعف التمسك بالأخلاق – الذى صار ترفا في تلك الظروف- لتعلو قيم الشطارة والفهلوة وانتهاز الفرص وتنمية العلاقات الشخصية بأصحاب النفوذ.

12- دخول أفراد لم يتلقوا تربية خلقية كافية مناصب محافظة بطبعها كالتعليم بدت لهم قيم الأمانة العلمية في التأليف الجامعي – مثلاً ـ مبالغة في التحذلق.

13- تفكك روابط الأسرة فالكسب السريع لأحد الزوجين قد يهدد الانسجام القديم أو يحدث الزواج بين طرفين متقاربين لكن هذا التقارب المادي الطاريء يخفي اختلافاً بينا في ظروف النشأة الأولي..أو تتاح للأولاد فرص جديدة في مستوى التعليم والاتصال ببيئات جديدة لم تتح للوالدين يترتب عليها فقدان احترامهما لعدم الثقة في خبراتهما أو لاتصالهما ببيئة منبتة الصلة بعالمهم الجديد..فتطالب البنت بمزيد من التحرر لا تستسيغه عقلية الوالدين ويشعر بعجزه عن ممارسة سلطانه وتلبيه مطالبهم فيشيع التساهل مع الأبناء والخضوع لهم على نحو كان يعتبر منذ ثلاثين عاما تدليلاً مفرطاً.

14- ذيوع التغريب في المجتمع المصري وتقليد نمط الحياة الأمريكية من قبل طبقات حديثة العهد بمستوى الدخل العالي والتعليم الأجنبي مع هجمة الإعلام الغربي، فاختلف نمط التغريب الجديد عن ذلك الذى مارسته الأرستقراطية الزراعية والرأسمالية الكبيرة فقد صار أكثر سطحية وأشد تعجلاً متصلاً بالمظاهر الخارجية أكثر من القيم والعقائد..ويتعلق بسلع الاستهلاك أكثر من أنماط التفكير..فيزداد تفضيل كل ما هو أجنبى أمريكي على كل ما هو وطني مصري إقبالا على تقليد الإهمال المخطط في الزيّ الأمريكى وأنماط قص الشعر والرقص على الطريقة الأمريكية وتفضيل المأكولات السريعة وغيرها.

15- تغير المناخ الثقافي فاعترى اللغة الدارجة تغير لافت للنظر ودخلت تعبيرات حرفية جديدة ( مثل لفظ الريس والباشمهندس للكهربائى والدكتور للميكانيكي… إلخ) تعبر عن هذا التغيير في التركيب الطبقي وشاعت كلمات (طنش وفوت وماشى) وزاد إقحام كلمات إنجليزية بلا مبرر مع الإفراط في استخدامها في تسمية المتاجر والمأكولات، وحتى الموسيقى دخلتها معان وألحان سوقية لم يكن يقبلها الذوق العام وقدَّمت السينما أنماطاً تستجيب لرغبات الطبقات الجديدة وصارت أكثر الأفلام نجاحاً هى تلك التى تسخر من القيم الراسخة.

 


[1] أحمد عوض الرحمون، (2008)، في الثقافة العربية والقيم  والديمقراطية، المستقبل العربي (صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية)، العدد 347، يناير 2008،ص150.

[2] المرجع السابق،ص151.

[3] المرجع السابق،ص ص 155-158.

[4] أحمد عوض الرحمون، مرجع سبق ذكره،ص157.

[5]  أحمد مجدى حجازي، مرجع سبق ذكره، ص ص 23-24.

[6]  المرجع السابق، ص ص 24-25.

[7] أميرة الديب، مرجع سبق ذكره،ص2.

[8] المرجع السابق، ص 5.

[9] شوقى حامد، مرجع سبق ذكره، ص7.

[10] إكرام لمعي، مرجع سبق ذكره، ص7.

[11] محمد جمال عرفة، ماذا حدث للإنسان المصري.. موطن الخلل؟ وكيفية علاجها؟.. غياب قيمتي: "القدوة" و"العدالة" وراء الانهيار في الشخصية المصرية، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص ص 4، 5.

[12] أحمد عكاشة، إيقاظ الضمير العام والأوضاع الأخلاقية، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 4.

[13] محمد جمال عرفة، مرجع سبق ذكره، ص 4.

[14] يوسف القعيد، انقلاب القيم، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 3.

[15] أحمد عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص 16.

[16] نبيل زكي، وجهة نظر حول القيم في المجتمع المصري، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 4.

[17] يوسف القعيد، مرجع سبق ذكره،،ص2.

[18] أحمد عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص 16.

[19] المرجع السابق، ص 2.

[20] شوقى حامد، مرجع سبق ذكره، ص8.

[21] يوسف القعيد، مرجع سبق ذكره،ص2.

[22] المرجع السابق، ص3.

[23] شوقى حامد، مرجع سبق ذكره، ص6.

[24] المرجع السابق، ص7.

[25] المرجع نفسه، ص6.

[26] المرجع نفسه، ص7.

[27] محمد ناصر قطبي،المواطن والوطن، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 2.

[28] أحمد عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص ص 4-5.

[29] عصام حسن البيومي، منظومة القيم.. دراسة حالة: زواج المصريين من إسرائيليات، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 4.

[30] أحمد عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص 6.

[31] المرجع السابق، ص6.

[32] المرجع نفسه، ص 8.