الرئيسية » سياسة واقتصاد » منظومة القيم المصرية – تحرير الدكتورة سماء سليمان (2)
qym_lmjtm_lmsry_fy_zl_lhkm_lthmn.jpg

منظومة القيم المصرية – تحرير الدكتورة سماء سليمان (2)

 

الجزء الثاني:

 

قيم المجتمع المصري في ظل الحكم العثمانى[3]:

وقد تأثر المجتمع المصري – كجزء من المجتمع العربي- المنتمي للحكم العثمانى – بقيم المجتمع الصناعي الغربي، والتى تطورت هى الأخرى بمقدار تطوره، وفي الوقت نفسه دخلت هذه القيم في مجابهات مع قيم أخرى سالفة، وأخذت شكل الصراع، وقد انتشرت قيم المجتمع الصناعى لارتباطها بتوافر القائمين على التصنيع على إيمان بضرورة أن تشق علاقات الإنتاج الصناعي طريقها بثبات وإيمان يترجم إلى إرادة صلبة ترتقي بهذا الإيمان إلى مرتبة الفعل المنظم والهادف، وبتوافرهم على القدرة على التصدِّي للمعرقلين المتضررين من العلاقات الجديدة، وبالتالي فإن المشروع العربي القومي الوحدوي النهضوي لا يمكن أن يجعل هذه الأمة تأخذ مكانها في مصاف الأمم الراقية المسؤولة عن بناء الحضارة العالمية إلا إذا اعتمد التصنيع القاطرة التى تجر بقية القطاعات الاقتصادية للأمة؛ فالأمم التى تصنع الحضارة اليوم، والأمم التى يتوقع لها أن تنتقل إلى مرتبة صناع الحضارة هي الأمم الصناعية التى تنتج المقومات المادية للحضارة الإنسانية، وبالرغم من قصور القطاع الصناعي في الدولة القطرية العربية، فإنه قد أدى إلى خلخلة واضمحلال بعض القيم القديمة واختفاء قيم أخري. كما أدَّى إلى إحداث تبدل اجتماعي غير متجانس، تتزامن فيه وتتجاوز قيم التراكيب الاجتماعية السابقة مع القيم التى أفرزتها التحولات الصناعية الناشئة حديثاً؛ مما أفسح المجال لظهور صراع فعلى بين مختلف الكتل الاجتماعية والمؤسسات والقيم الثقافية المنتمية إلى القديم والحديث، لا بل إن المؤسسة الواحدة قد لا تنجو من صراع كهذا. كما أدَّى عدم التجانس إلى أن تصبح العلاقات الاجتماعية، في جزء كبير منها، مرهونة بالأهواء وبالولاء للشخص والطائفة والعشيرة والحزب والمذهب… إلخ.

 

وعلى هذا النحو فإن القصور في تطور القطاع الصناعى لا يؤدِّي فقط إلى ضعف المجتمع الصناعي، بل يؤدِّي أيضاً إلى تقوية العلاقات الطائفية والعشائرية والأسرية: السمات المميزة للمجتمعات العربية التقليدية في عهد الحكم العثماني. ومن المؤكد أن مقارنة بين الواقع الاجتماعي العربي عشية سقوط الحكم العثماني، والواقع الاجتماعي العربي المعاصر، تظهر أن قيم المجتمعات العربية الراهنة ليست بمختلفة عن قيم المجتمع التقليدي في حقبة الحكم العثماني.

 

لقد ظل المجتمع العربي – ومن ثم قيمه – أثناء الحكم العثماني على انقسامه الذى كان سائداً أيام الحكم المملوكي، إلى أقلية أجنبية حاكمة وأكثرية عربية محكومة، فالحاكم الأجنبى لم يكن مهتماً بواقع حال المحكومين بل كان همه الحصول منهم على أكبر قدر من الأموال اللازمة لعيشه الباذخ ومغامراته العسكرية. وأمام الهموم المعيشية تقوقع المحكومون العرب ضمن كياناتهم الاجتماعية في الريف والبادية والمدن، متمسكين بقيمهم التى كان لها دور كبير في المحافظة على هذه الكيانات، كنوع من الدفاع السلبي ضد التبدلات والأخطار.

 

ولم يُعِرْ الحكم العثمانى أهمية للقطاع الصناعي، ولا لسواه من أساليب الإنتاج في الوطن العربي، لأنه ما كان يستمد شرعيته من موقعه بالنسبة إلى أساليب الإنتاج السائدة، بل كانت شرعية وجوده شرعية دينية، باعتباره وريثاً  غير مباشر للخلافة العباسية، وقد أدى تجاهله ضرورة تطوير أساليب الإنتاج إلى أن يكون التخلف الاقتصادي والاجتماعي وبالتالى القيمي الصفة المميزة لكل أقاليم الخلافة العثمانية، بما فيها الوطن العربي الكبير.

 

وعشية سقوطه كانت العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع الريفي الزراعي، وبالتالى القيم، علاقات وقيماً تنم عن تناقض فاضح ومعوق للإنتاج بين ملاك الأراضي الكبار والفلاحين العاملين في هذه الأراضي، فالقيم السائدة هى قيم الاستغلال والظلم وما مثلها من قيم غير نبيلة، مما حال دون أن يكون هذا القطاع قطاعاً رائداً في التطور الاقتصادي.

 

ولما كانت العلاقات الاجتماعية – التى تنظم هذا القطاع الزراعي – ترتكز على كون الأسرة الريفية وحدة الإنتاج والاستهلاك الرئيسية، فإن العلاقات السائدة فيه هى علاقات بين الأسر وليس بين الأفراد، فقيمة الانتماء التى توفر له استقراره النفسي، مصدرها الأسرة وليس الفرد المسؤول (الفردية المسؤولة هي قيمة من قيم المجتمع الصناعي)، فالفرد هو ابن الأسرة، ولا يمكن حل قضاياه خارج نطاق الأسرة. وغالباً ما كانت تتداخل مع العلاقات الاجتماعية الأسرية الريفية هذه علاقات عشائرية حيثما كانت منابت هؤلاء الفلاحين بدوية، أو كانت مواقعهم الجغرافية قريبة من البادية.

 

وعشية انهيار الحكم العثماني في الوطن العربي ظلت العلاقات الاجتماعية في القطاع الزراعي محكومة بالعرف العائلي والقبلي، والديني وحتى المذهبي، فالفرد فيها هو عضو في هذه البنى الاجتماعية، وشعوره بالمسؤولية تجاه البنى السياسية المتعلقة بالحكم بما في ذلك إرث ثقيل يجثم على صدره.

 

كما أن أسلوب الإنتاج الرعوي السائد في البادية وفي المناطق الزراعية المتاخمة لهذه البادية تقليديّ بطبعه ومحافظ، وسادت فيه العلاقات الاجتماعية العشائرية التقليدية التى تقوم على قيمة الانتماء والولاء للعشيرة. وبالتالي أصبح الفرد ابن العشيرة أو القبيلة وليس ابن الأسرة، حتى عندما كانت تعترض فرد مشكلة مع فرد آخر من قبيلة ثانية كان حلها بيد شيخ العشيرة.

 

وأما في المدينة فقد كان التجار هم الفئة الأكثر قدرة على تكوين مدخرات مالية متراكمة، ومع ذلك فما كان بمقدورهم أن يغردوا خارج سرب العلاقات المحافظة التى اتسمت بها القيم والعلاقات الاجتماعية، وكان دورهم في تحويل نشاطات البلد الاقتصادية عن وجهتها التقليدية محدوداً.

 

وبالرغم من التداخل بين الفئات الاجتماعية المذكورة بحكم طبيعة العيش الجمعي المشترك في وطن واحد، فإن المجتمع الذى يتكون منها، وبالتالي القيم الناظمة لوجود ونشاط هذا المجتمع، كانا أبعد ما يكون عن الاندماج الاجتماعي. ويزيد من انفصام شخصيته الدعوة إلى قيمة الزهد عن "متاع الدنيا" التي كانت تدعو إليها الحركات الصوفية الإسلامية ذات الانتشار الواسع والتأثير الكبير في معظم أفراد كافة الفئات الاجتماعية. لقد هال هذه الصوفية رؤية أسباب التغيير الاقتصادي والاجتماعي تتسرب إلى البنى الاقتصادية والاجتماعية العربية المحافظة بتأثير من الحضارة الغربية، دون أن تفهم قيادتها التى آلت إلى أشخاص محدودى الثقافة، حتمية وإيجابية هذا التغيير. فوقفت ضده، وانحصر جل نشاطها في الطقوس وترديد الأدعية الدينية. ولم يمانع الحكم العثماني في انتشار هذه الطرق ما دامت تقف في وجه الفقهاء والعلماء ذوى القيم النبيلة والإيجابية، بل كان لهذا الحكم طرقه الصوفية الخاصة به وخاصة الطريقة البكداشية والتى تُعَرف في هذه الأيام بالطريقة النقشبندية. وقد شلت الحركات الصوفية المتأخرة التفكير الإسلامى الحر الذى سبق أن بلغ ذروته على يد ابن رشد، وابن خلدون وأودت به، إضافة إلى تأثير عوامل أخرى، إلى زوايا ضيقة، بعد أن شكل هذا الفكر المستنير حجر الأساس في بناء الحضارة الغربية الحديثة.

 

لقد كانت المؤسسات الدينية صمام الأمان بين الحاكم العثمانى والمحكوم، ولذا لم يمانع الحاكم العثمانى من رعايتها. ومع ذلك يجب الاعتراف بأنها قد حافظت على اللغة العربية والسمات العربية والإسلامية للمجتمع العربي.

 

بيد أن الحكم العثماني – ولضمان استمراره- سخَّر شرعيته الدينية المزعومة للمحافظة على اللحمة الاجتماعية العربية ممزقة (قيمة التفرقة). فبدلاً من أن يقرب بين الفئات العربية ويجعلها أكثر اندماجاً في بوتقة الوطن المشترك، ذكى الخلافات بينها. وهكذا خلق قيمة الانتماء الطائفي ليضاف إلى الانتماءات الاجتماعية الأخرى التى تشكلت بحكم أسلوب الإنتاج الذى تمارسه الفئات الاجتماعية المنتجة، وسيكون هذا الاصطفاف الطائفي الذى رعاه الحكم العثمانى كبير الفائدة للاستعمار الأوروبي القادم، وعظيم الضرر على مستقبل المجتمع العربي.

 

ونظراً إلى أن المؤسسات الدينية الإسلامية لا تشمل أهل الذمة من يهود ومسيحيين، كان لزاماً على الحاكم المسلم العثماني أن يدخلهم ضمن سلطانه عبر تنظيمات اجتماعية دينية خاصة بهم. وقد ساعدت تنظيماته هذه على ترسيخ قيمة غربة المسيحيين العرب في أوطانهم وبين أبناء جلدتهم المسلمين؛ لتتدهور شروط قيمة التوحيد القومي العربي، وتزداد شروط حالة قيمة التنافر الاجتماعي تفاقماً.

 


[1] أحمد عوض الرحمون، (2008)، في الثقافة العربية والقيم  والديمقراطية، المستقبل العربي (صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية)، العدد 347، يناير 2008،ص150.

[2] المرجع السابق،ص151.

[3] المرجع السابق،ص ص 155-158.

[4] أحمد عوض الرحمون، مرجع سبق ذكره،ص157.

[5]  أحمد مجدى حجازي، مرجع سبق ذكره، ص ص 23-24.

[6]  المرجع السابق، ص ص 24-25.

[7] أميرة الديب، مرجع سبق ذكره،ص2.

[8] المرجع السابق، ص 5.

[9] شوقى حامد، مرجع سبق ذكره، ص7.

[10] إكرام لمعي، مرجع سبق ذكره، ص7.

[11] محمد جمال عرفة، ماذا حدث للإنسان المصري.. موطن الخلل؟ وكيفية علاجها؟.. غياب قيمتي: "القدوة" و"العدالة" وراء الانهيار في الشخصية المصرية، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص ص 4، 5.

[12] أحمد عكاشة، إيقاظ الضمير العام والأوضاع الأخلاقية، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 4.

[13] محمد جمال عرفة، مرجع سبق ذكره، ص 4.

[14] يوسف القعيد، انقلاب القيم، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 3.

[15] أحمد عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص 16.

[16] نبيل زكي، وجهة نظر حول القيم في المجتمع المصري، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 4.

[17] يوسف القعيد، مرجع سبق ذكره،،ص2.

[18] أحمد عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص 16.

[19] المرجع السابق، ص 2.

[20] شوقى حامد، مرجع سبق ذكره، ص8.

[21] يوسف القعيد، مرجع سبق ذكره،ص2.

[22] المرجع السابق، ص3.

[23] شوقى حامد، مرجع سبق ذكره، ص6.

[24] المرجع السابق، ص7.

[25] المرجع نفسه، ص6.

[26] المرجع نفسه، ص7.

[27] محمد ناصر قطبي،المواطن والوطن، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 2.

[28] أحمد عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص ص 4-5.

[29] عصام حسن البيومي، منظومة القيم.. دراسة حالة: زواج المصريين من إسرائيليات، ورقة مقدمة لورشة العمل بعنوان: "منظومة القيم الإيجابية الدافعة للتقدم" نظمها مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 30 يناير 2008، ص 4.

[30] أحمد عكاشة، مرجع سبق ذكره، ص 6.

[31] المرجع السابق، ص6.

[32] المرجع نفسه، ص 8.