الرئيسية » حضاريات » من وجوه الاستشراق الروسي المعاصر: الكسي فاسيلييف عشق مصر وتعلق بتاريخ المملكة العربية السعودية – د. فالح الحمراني
mn_wjwh_lstshrq_lrwsy_lhdyth-md_sygth2-mdl.jpg

من وجوه الاستشراق الروسي المعاصر: الكسي فاسيلييف عشق مصر وتعلق بتاريخ المملكة العربية السعودية – د. فالح الحمراني

 

بدأ منذ اكثر من 50 عاما في متابعة ودراسة احوال المنطقة وسياسات بلاده المتقلبة نحوها، وساهم ايضا في صياغة المواقف المطلوبة. وبالاضافة الى كل ذلك كان ممثلا لرئيس روسيا الاتحادية في شئون افريقيا، وهو الآن المدير الفخري لمعهد افريقيا التابع لإكاديمية العلوم الروسية، بعد ان كان رئيسا له على مدى اعوام طويلة، وفاسيلييف عضو في اكاديمية العلوم السوفياتية ودكتور في العلوم التاريخية، وبروفيسور.

 

احب فاسيلييف البلاد الأجنبية التي نشط فيها فكتب بود وتعاطف عن اهلها وتاريخيها وتطوراتها من التحقيقات والبحوث والمقالات الى الدراسات الاكاديمية الرصينة. وكلما رفع المتحف البريطاني النقاب عن الوثائق السرية سارع فاسيلييف في السفر الى لندن ليتعرف على اسرار جديدة عن حياة الشرق الاوسط وما دار خلف كواليس السياسة قبل 25 عاما وما دُبر من مكائد وصفقات من وراء ظهر الشعوب غالبا ما تكون ضدها، ليعطي حكما ورؤية جديدة مترعة بالحكمة، لا السياسية وحسب بل الانسانية العامة. وفاسيلييف هو بالتالي ممثل نموذجي لمدرسة الاستشراق الروسية العريقة التي سعت لدراسة الشرق ليس لدوافع استعمارية او استحواذية وانما لمعرفة الآخر من اجل فهمه وتحديد افضل اساليب التفاعل والتعاون معه والاستفادة من خبرته حضاريا وثقافيا. عشق مصر، التي امضى فيها سنوات فكتب “مصر والمصريون” وتعلق بتاريخ المملكة العربية السعودية وحاول ادراك خلفية التطورات فيها فكتب “تاريخ المملكة العربية السعودية”. فاصبح من افضل الخبراء الروس بشئونها.

ونشر فاسيلييف عددا من الدراسات وعدة مئات من المقالات حول التاريخ والاقتصاد والعلاقات الدولية والأيديولوجيا والدين وغيرها من المشاكل في بلدان الشرق الأدنى والأوسط وأفريقيا. وهو مؤلف لأكثر من 30 كتابا واكثر من 800 مقالة نشرت في المجلات العلمية والسياسية الروسية والاجنبية، من بينها العربية. وفي متابعته للتطورات في المنطقة كتب “جسر على البوسفور” و” الخليج العربي في مركز العاصفة” و” السياسة الروسية في الشرق الاوسط من التبشيرية الى البرغماتية” و” التحديات السياسية والاقتصادية في اسيا بعد العصر السوفياتي” و” رحلة الى الجزيرة العربية السعيدة”. ويترأس الان تحرير مجلة “اسيا وافريقا اليوم”.

 

ولد فاسيلييف في 26 ابريل 1939 في مدينة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) في عائلة موظف حكومي. والتحق في عام 1956 بمعهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية وامضى فترة تدريب في جامعة القاهرة (1960 ـ 1961). وأكمل عام 1962 قسم الشرق في معهد العلاقات الدولية، وعُين بعد تخرجه في صحيفة “البرافدا” الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفياتي المنحل، بصفة مساعد للمراقب السياسي. وكما قال زميله المراقب السياسي فسيفولود اوفتشينيكوف: ان الكسي فاسيلييف ربط حياته وابداعه منذ أيام الدراسة بالشرق العربي ولا سيما بمصر، ودرس في الجامعة المصرية. كما عمل في فيتنام وتركيا وافغانستان وايران وتجول في دول الخليج، كما غطى احداث الحرب العربية ـ الاسرائيلية في اكتوبر/ تشرين الاول عام 1973.

ومنذ بداية عمله في البرافدا جمع فاسيلييف بين الصحافة والبحث العلمي والادبي. ودافع في عام 1966 عن اطروحته “الوهابية واول دولة سعودية في الجزيرة العربية” لنيل درجة مرشح في العلوم التاريخية في معهد الاستشراق وفي عام 1981 دافع هناك عن اطروحته الثانية لنيل الدكتوراه والتي كان عنوانها “التطور الاجتماعي والسياسي في المملكة العربية السعودية للفترة من 1745 الى 1973”، وجرى في عام 1992 تعيينه مديرا لمعهد افريقيا.

 

وكان من ثمار فترة دراسته وعمله في مصر كتاب “مصر والمصريون”، الذي نشرت مؤخرا طبعته الروسية الثانية المنقحة. ويمكن النظر إلى الكتاب على انه موسوعة في تاريخ مصر واديانها وآدابها وذهنية مجتمعها. وهو عمل تميز في الوقت نفسه بالروح العلمية والدقة في التعامل مع المعطيات. ويقود فاسيلييف قارئه في شوارع القاهرة ويتقصى طبيعة الشعب المصري ويصف عاداته التي التزم بها على مدى آلاف السنين وفي الوقت نفسه يرصد المتغيرات في ارض الكنانة. وبذلك فقد فتح نافذة واسعة امام القارئ الروسي ليطل منها على رحاب مصر. ونبه الى ضرورة فهم انشطة الاخوان المسلمين لفهم الوضع الذي كان قائما حينها بمصر. وفسر فاسيلييف التزام غالبية الشعب المصري، وليس وحده، بقيم الاصولية الاسلامية بانه “نتيجة الازمة المؤقتة التي تمر بها الحضارة الاسلامية في ظل تطور الراسمالية الوحشية يضع الناس لحماية هويتهم انفسهم في اطر تقاليد الطائفة من اجل حماية الشخصية القومية”.

 

وكان فاسليف من بين المستعربين الروس الذين ادركوا ان مصالح روسيا في منطقة الشرق الاوسط لن تزول بزوال الاتحاد السوفياتي وان الحاجة لها في المنطقة لن تتبدد رغم ضمور القدرات والاحتياطيات بعد غياب الدولة العظمي. وضمن رؤيته تلك في كتابة الكبير “روسيا في الشرقين الادني والاوسط من التبشيرية الى البرجماتية”.

 

وبعد كتابه الشهير “تاريخ المملكة العربية” ظهر في الاسواق عمله الجديد المتعلق بتاريخ المملكة” الملك فيصل: شخصيته وعصره وإيمانه” وشمل العمل البحثي الذي قام به فاسيلييف وثائق أصلية ومقابلات أجراها باللغات العربية والروسية والفرنسية، ما أتاح له رؤيةً فريدةً من نوعها لهذه الشخصية التاريخية. ونُقل عن المستشرق المعروف برنارد لويس قوله عن الكتاب أنه “يجمع بين ثروة من التفاصيل الرائعة والتحليل الدقيق والذكي”، وعن امين عام منظمة الامم المتحدة السابق بطرس بطرس غالي تعليقه: “رؤية موثوقة في الجذور التاريخية والسياسة الحديثة والتاريخ الاجتماعي للمملكة العربية السعودية”، وعن خبير الشرق الاوسط فريد هاليداي “كتاب متميز، دراسة عن ثراء المملكة العربية السعودية بوثائق تاريخية. شامل ومعتدل”. وعلقت صحيفة ميدل إيست كوارترلي على الكتاب: “إذا قرأت أو اقتنيت كتابًا واحدًا عن المملكة العربية السعودية، فاحرص ان يكون هذا الكتاب".

 

ويواصل الكسي فاسيلييف من على صفحات مجلة “اسيا وافريقيا اليوم” وغيرها من الدوريات نشر الدراسات والمقالات المكرسة لتحليل التطورات في منطقة الشرق الاوسط، ورصد اسبابها واحتمالات المستقبل.