الرئيسية » سياسة واقتصاد » من دور فاعل إلي دور قائد . . . أبعاد ودلالات زيارة فلاديمير بوتين إلي القاهرة (1) – حسني عماد حسني العوضي
zyr_bwtyn_lmsr.jpg

من دور فاعل إلي دور قائد . . . أبعاد ودلالات زيارة فلاديمير بوتين إلي القاهرة (1) – حسني عماد حسني العوضي

 

أسباب زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلي القاهرة

تأتي هذه الزيارة في ظل بعض الأحداث الكبيرة التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط من ناحية الإضطرابات القائمة في سوريا خاصة بعدما أصبحت العمليات العسكرية في سوريا علي قرب الإنتهاء والحديث الآن عن التسوية السلمية للأزمة متمثلة في سوتشي ومنصتي القاهرة والرياض وجنيف، وكذلك في ليبيا بعد لقاءالرئيس عبد الفتاح السيسي برئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، ومطالبة الرئيس السيسي الأطراف الليبية، بإعلاء المصلحة الوطنية العليا والاستقرار في بلادهم فوق كل المصالح الضيقة، والتركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، والاتفاق السياسي بين الفرقاء الليبيين، وكذلك من ناحية أخري ما يحدث في العراق بعدما أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي انتهاء العمليات العسكرية في العراق ونهاية تنظيم داعش فيه، وأيضا بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، ورفض موسكو والقاهرة لهذا القرار، الذي من شأنه أن يؤجج الصراع ولا يصل به إلي حل، ومطالبة الدولتين بالتركيز علي حل القضية الفلسطينية من خلال الإتفاق والتفاهم بين الأطراف، وضرورة قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

ومن جانب أخر جاءت هذه الزيارة في إطار حرص الدولتين علي تعزيز سبل التعاون في جميع المجالات وخاصة الطاقة والمجال الاقتصادي والعسكري . . وغيره، إضافة إلي سبل تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

تاريخ العلاقات بين موسكو والقاهرة

تعود بداية إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى نحو 74 عامًا أي منذ العام 1943م، حيث دشنت أول سفارة لمصر في موسكو، وسفارة للاتحاد السوفييتي في القاهرة وقنصلية عامة في الإسكندرية، ومنذ ذلك التاريخ، أصبحتا شريكتين على الصعيد الثنائي والدولي.

وفي عام 1948، وُقعت أول اتفاقية اقتصادية بين البلدين حول مقايضة القطن المصري بحبوب وأخشاب من الاتحاد السوفيتي، وشهدت العلاقة تطورات متلاحقة، ففي أعقاب ثورة يوليو 1952م، وثق الاتحاد السوفييتي علاقاته مع مصر على كافة الأصعدة الاقتصادية والعسكرية والتجارية. وبلغت العلاقات الثنائية ذروتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وقتما كان الرئيس جمال عبدالناصر في سدة الحكم، حيث ساعد آلاف الخبراء السوفييت في إنشاء المؤسسات الإنتاجية في مصر، بينها السد العالي في أسوان ومصنع الحديد والصلب في حلوان ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي ومد الخطوط الكهربائية أسوان – الإسكندرية، وتم إنجاز 97 مشروعًا صناعيًا بمساهمة الاتحاد السوفيتي، وزودت القوات المسلحة المصرية منذ الخمسينات بأسلحة سوفيتية.

وقد اتخذت العلاقات بين البلدين منحى آخر في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حيث شهدت نوعًا من التوتر، وسرعان ما بدأت مجددا في التحسن تدريجيًا في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وتعد مصر في طليعة الدول التي أقامت العلاقات الدبلوماسية مع روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، وتطورت على إثرها العلاقات السياسية على مستوى رئيسي الدولتين وعلى المستويين الحكومي والبرلماني، عكستها أول زيارة رسمية للرئيس الأسبق مبارك إلى روسيا الاتحادية سبتمبر 1997م، وقع خلالها البيان المصري– الروسي المشترك وسبع اتفاقيات تعاون، وأعقبتها زيارتان رئاسيتان مصريتان إلى روسيا عامي 2001م و2006م.

وفي عام 2005، زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصر، وصدر في ختام المباحثات الثنائية التي جرت في القاهرة، البيان المشترك الذي عبر فحواه عن عميق علاقات الصداقة والشراكة بين روسيا الاتحادية ومصر، واتخذت دورة مجلس جامعة الدول العربية في سبتمبر في نفس العام، للمرة الأولى في تاريخها قرارًا باعتماد سفير روسيا في مصر بصفته مفوضًا مخولًا لدى جامعة الدول العربية.

وفي أبريل عام 2007، قام وزير الصناعة والطاقة الروسي فيكتور خريستينكو بزيارة القاهرة، وتم توقيع مذكرة التفاهم في مجال إنشاء منطقة صناعية خاصة يسهم فيها الرأسمال الروسي، فيما أصبح التعاون في ميدان الطاقة الموضوع الرئيسي للمباحثات التي جرت في موسكو مارس 2008 بين الرئيسين دميتري ميدفيديف وحسني مبارك، وأسفرت عن توقيع اتفاقية حول التعاون في ميدان الاستخدام السلمي للطاقة الذرية.

وفي عام 2009، وُقعت مذكرة تفاهم بين وزارتي الثروات الطبيعية في البلدين، للتعاون في مجال التلفزة واتفاقية التعاون في الرقابة على المخدرات وغيرها، كما وقع رئيسا روسيا ومصر معاهدة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ورسمت هذه الوثيقة المؤلفة من 300 صفحة اتجاهات التعاون بين البلدين خلال عشر سنوات قادمة، بالإضافة إلى توقيع مذكرة التفاهم بين وزارتي العدل في الدولتين، وأخرى بين وكالة الارشيف الفيدرالية الروسية والمكتبة الوطنية المصرية وأرشيف مصر ومنذ انتخابه رئيسًا للبلاد، حرص الرئيس عبدالفتاح السيسي، على توطيد العلاقات بين البلدين، من خلال زيارة رسمية له في أغسطس 2014م في أعقاب توليه الحكم، فيما قام الرئيس الروسي بزيارة مصر وكانت الأولى له منذ 10 سنوات وقتها في عام 2015م حيث لم يزر مصر منذ العام 2005، وتعد هذه الزيارة الثانية لمصر في عهد الرئيس السيسي.

الشراكة الاقتصادية دليل علي العلاقات الروسية المصرية

اقتصاديًا، تقلصت نسب التبادل التجاري بين البلدين خلال فترة التسعينات، لكنه في أعقاب تلك الفترة بدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين في إطراد مستمر، لا سيما خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ حجم تبادل السلع والخدمات بين البلدين في عام 2006م حوالي مليار و950 مليون دولار، يشكل التبادل التجاري منه قرابة المليار و200 مليون دولار، وارتفع حجم التبادل السلعي بين البلدين عام 2008 ليبلغ 2. 065 مليار دولار.

فيما بلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين 3. 5 مليار دولار عام 2016م، ليرتفع 14% عن العام الذي سبقه، وسط توقعات بارتفاع هذا الرقم ليصل لنحو 4 مليارات دولار بانتهاء عام 2017م، حسبما ذكرت وكالة سبوتنيك الروسية، التي أشارت في تقرير لها، أن روسيا تعد واحدة من أكبر الشركاء التجاريين لمصر بين الدول الأعضاء فى الاتحاد الاقتصادى الأورواسى، لا سيما أن روسيا لديها حصة 97% من مبيعات التصدير لمصر، و94% من حصة الاستيراد من مصر، فضلًا عن استثمار الشركات الروسية 1. 5 مليار دولار فى تطوير قطاع الغاز والنفط فى مصر عامي 20152016.

وفي العام 2015م، وقعت مصر وروسيا على اتفاق لإنشاء أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء في الضبعة، لتلبية الاحتياجات المتزايدة على الطاقة في مصر، كما تم توقيع اتفاقية أخرى تحصل بموجبها مصر على قرض روسي لتمويل إنشاء هذه المحطة بقيمة 25 مليار دولار.

ويبدو أن عمق العلاقات المصرية الروسية، ليس قائمًا فقط على صعيد العلاقات الرسمية والتمثيل الدبلوماسي فقط، بل إن هناك قبولًا شعبويًا فيما بدا بأحد استطلاعات الرأي الروسية التي أجريت مؤخرًا حول: ما هو الشعب الأكثر قبولًا واحترامًا للشخص الروسي، وكانت مصر في المرتبة الأولى في نتائج الاستطلاع، لتظهر الصداقة بين المجتمعين المصري والروسى.

وخلال هذه الزيار أكد الرئيسان بوتين والسيسي علي تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وتيسير حركة التبادل التجاري وازالة المعوقات امامها وعلى التعاون في مجال تخزين الحبوب، بالإضافة إلي دفع الجهود لإقامة منطقة التجارة الحرة بين مصر والاتحاد الجمركى الاورواسي/أوروبا واسيا / بما يوسع أفاق العلاقات التجارية والاقتصادية مع روسيا وسائر دول الاتحاد. فالرئيس بوتين أشار إلي أن التعاون الاقتصادي والتجاري المصري_الروسي زاد بنسبة 80% بفضل التعاون المكثف في مجال المنتجات الزراعية وتم مضاعفة حجم الصادرات الزراعية المصرية، فضلاً عن التعاون في مجال الطاقة حيث أرسلنا في العام الماضي اكثر من 1. 4 مليون طن من المشتقات النفطية، بما يقدر بسدس احتياجات مصر النفطية.

وكذلك الإستثمارات الروسية في مصر تزداد كل سنة، إضافة إلي التوقيع علي إنشاء المنظقة الصناعية الروسية في شوق بورسعيد في قناة السويس.

العلاقات العسكرية دليل علي مدي الشراكة الروسية-المصرية

التعاون بين القاهرة وموسكو بدأ فعليا منذ الخمسينيات، فيما يعرف بصفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، حيث كانت روسيا حينها المورّد الأول للأسلحة والتقنيات العسكرية لمصر، وظلت هذه العلاقة مستمرة وثابتة حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970م

وبعد تولي" الرئيس السادات"الحكم في مصر، بدأت العلاقات بين القاهرة وموسكو تدخل في مرحلة حذرة ووصلت إلى اتخاذ قرار من قبل الرئيس السادات بترحيل الخبراء العسكريين السوفييت.

وعلى الرغم من أن الجيش المصري حقق نصر أكتوبر 1973م بأسلحة روسية، فقد تضاءل النفوذ الروسي في مصر لصالح النفوذ الأمريكي بعد اغتيال الرئيس السادات عام 1981م، وفي فترة حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك شهدت العلاقة تحسناً تدريجياً.

وحاولت القاهرة إعادة العلاقات مع روسيا إلى مستويات متقدمة، وذلك بعد أن شعر الرئيس الأسبق حسني مبارك بأنه يجب ألا يعتمد على الولايات المتحدة فقط في السلاح، لكن يجب إعادة التوازن الاستراتيجي مرة أخرى.

وفي عام 2005م، وقعت القاهرة على عقد تسليح مع موسكو تم فيه تزويد مصر بعدد من منظومات الدفاع الجوي من نوعي "بوك أم" و"تور أم"، إلى جانب تحديث عدد من وحدات الدفاع الجوي، وهذه الصفقة لم يُعلن عنها بصورة رسمية وظلت تفاصيلها غير واضحة حتى ظهرت بطارية "تور أم" في إحدى تدريبات الدفاع الجوي المصري.

وخلال زيارة مبارك إلى موسكو عام 2009 تم التوقيع على صفقة لبيع 24 مروحية من نوع "أم آي 17" إلى مصر تم تسليمها بالفعل عام 2010م، وهذا يعد دليلًا على أن العلاقات التسليحية بين روسيا ومصر بدأت في التصاعد فعليا قبل ثورة 25 يناير.

بعد ثورة 30 يونيو، زادت وتيرة الزيارات العسكرية بين مصر وروسيا، حيث قام في البداية رئيس الاستخبارات الروسية بزيارة مصر، ثم وزير الدفاع الروسي "سيرغي شويغو" ووزير الخارجية "سيرغي لافروف" والمعروفة إعلاميا بلجنة "2+2"، حيث إن تلك الزيارات مهمتها الأساسية كانت إعداد الترتيبات لبدء مباحثات عسكرية موسعة بين مصر وروسيا.

وحضر في احد اللقاءات العسكرية بين البلدين بعد ثورة 30 يونيو، رئيس الهيئة العسكرية للتعاون التقني وفريق كامل من الخبراء الروس لفحص احتياجات الجيش المصري، خصوصاعلى مستوى القوة الجوية وقوات الدفاع الجوي وأشياء عسكرية أخرى.

ووصلت العلاقة إلى أقوى مراحلها حين زار الرئيس عبد الفتاح السيسي روسيا بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية، وذلك في زيارته لموسكو في أغسطس من العام الماضي، فالقيادة السياسية والقيادة العامة للقوات المسلحة تعتمد على استراتيجية تنويع مصادر السلاح، وعدم الاعتماد علي دولة واحدة فقط في عملية الشراء، وقد بدأ الجيش المصري منذ عام 2012م، سياسة تطوير وتحديث لجميع أفرع وتشكيلات وإدارات القوات المسلحة المختلفة، ومدها بأحدث الأسلحة والمعدات، بالإضافة إلى رفع الكفاءة الفنية والقتالية والإدارية للقوات، خصوصاً مع تزايد الصراعات في المنطقة، ما جعل حجم التحديات أكبر لذلك كان على القوات المسلحة أن تواجه تلك التحديات من أجل حماية الأمن القومي المصري، وتطلب ذلك أن تمتلك مصر قوات مسلحة قوية ومتطورة وحديثة لها القدرة على تنفيذ جميع المهام داخل وخارج حدود الدولة، بالإضافة إلي المناورات العسكرية المشتركة"حماة الصداقة" بين البلدين، وكان رئيس الوزراء الروسي دميتري مدفيديف، كلف وزارتي الدفاع والخارجية بالتفاوض مع مصر من أجل توقيع اتفاقية بشأن الاستخدام المتبادل للأجواء والمطارات، بما في ذلك القواعد الجوية للبلدين.

حسني عماد حسني العوضي

باحث ماجستير في العلاقات الدولية

متخصص في الشوؤن الروسية والأسيوية