الرئيسية » اكتشف روسيا! » من دانتي إلى لميعة عباس عمارة: فصاحة العامّية – عبدالواحد لؤلؤة
mn_dnty_l_lmy_bs_mr.jpg

من دانتي إلى لميعة عباس عمارة: فصاحة العامّية – عبدالواحد لؤلؤة

وقد كتب هذا الكتاب بتلك اللغة اللاتينية العريقة لأنها اللغة المقروءة الوحيدة يومها. كان الشاعر يتمثل بالشعر المكتوب بلغة «أوك» العامية الشائعة في إقليم بروفنس في الجنوب الغربي من فرنسا الحالية، والشمال الغربي من إسبانيا الحالية، التي لم يبق منها سوى إقليم الباسك. وكان يطلق على تلك اللغة «البروفنسية». كانت البروفنسية أول لغة أو لهجة عامية انسلخت عن اللاتينية، لغة الإمبراطورية الرومية المقدسة. هذه لغة تبدو خليطاً من اللاتينية والفرنسية والاسبانية، لا يقرأها اليوم إلا بعض المختصين، وبصعوبة بالغة. يرى بعض الباحثين ترجمة عنوان الكتاب باللاتينية إلى «بلاغة العامية» ولكني أرى ذلك يقحم الأساليب البلاغية من جناس وطباق مما لا يوحد في البروفنسية، وأن «الفصاحة» هنا تعني «الوضوح» وهو صفة اللهجة أو اللغة العامية، قياساً على «وتحت الرغوة اللبنُ الفصيح» أي الذي لا تشوبه «رغوة البلاغة».

كانت أمثلة فصاحة العامية التي تمثل دانته بها هي مختارات من شعر التروبادور من أواخر القرن الثاني عشر فصاعداً، وأبرزهم آرنو دانيا» الذي كان دانته شديد الإعجاب بشعره بتلك العامية البروفنسية، فوصفه بصفة «الشاعر الأمهر» أي الأمهر مني، وذكره بتكريم في قصيدته الكبرى «الكوميديا الإلهية» التي كتبها بأول لغة عامية انسلخت عن اللاتينية، وهي اللغة الإيطالية التي بدأها دانته وكتب بها اعذب قصائد الحب، ثم تبعه بتراركا وبوكاجيو ممن وصفوا بأصحاب الأسلوب العذب الجديد.

حدث هذا الانسلاخ الأول عن اللاتينية لغة الإمبراطورية الرومية المقدسة في «الإقليم الوثني» صفة بروفنس التي حرّكت البابا إنوسنت الثالث ليزحف بحملة صليبية من باريس ليقضي على حضارة ذلك الإقليم الوثني وشعره «العامي» العذب لكن الذي فعله دانته هو انسلاخ آخر عن اللاتينية، ولكن هذه المرة في عقر الكاثوليكية الإيطالية، فشاعت هذه العامية الجديدة، لغة «إيطالية» جديدة.

حدث شبيه بهذا في تراثنا العربي، وفي بغداد العباسية، وتطور امتداداً إلى الأندلس وعودة إلى شمال افريقيا بعد خروج طالعة اليمن والشام الأندلسيين بسقوط تلك البلاد عام 1492. ومع دخول أقوام من الأعاجم إلى بغداد العباسية، من فرس وهنود وبعض أقوام آسيا الوسطى، دخلت معهم لغاتهم وشاعت بعض مفرداتها في عربية الدولة العباسية، لكنه كان دخولاً خجولا تتحسب منه الدولة العباسية التي كانت تريد التوكيد على عروبتها. يذكر الأصبهاني بعض أمثلة من تلك المفردات الأعجمية القليلة التي دخلت في الشعر المعاصر، لكن الدخول كان أشد وضوحاً في العصور العباسية اللاحقة، بظهور أنماط شعرية دخيلة مثل «القوما» و»كان كان» وغيرها. لكن ذلك الذيوع لم يسمح بتسجيلها او تطورها في المحيط العباسي الذي كان يخشى اتهامه بالابتعاد عن العروبة التي كانت سمة العصر الأموي من قبله.

يختلف عن ذلك، ما حصل في الأندلس، حيث، خلافاً لوضع الأقلية الأعجمية وسط غالبية عربية عباسية، كان عرب الأندلس أقلية وسط غالبية «أعجمية» هم أهل البلاد الذين يتحدثون «لطينيّة الأندلس». لكن دخول الكلمات العربية، والموشح والزجل، إلى تلك الحضارة اللاتينية ترك آثاراً ما تزال ماثلة إلى اليوم، يعرفها الباحثون وما زالوا يكتبون عنها. وقد ظهرت عامية العربية في الأندلس في ما تطور من شعر عربي تراثي اتخذ شكل الموشح، الذي ظهرت في بعض أمثلته «خرجات» بعربية عامية أو بتحريف من «لطينيّة الأندلس» أو بمزيج منهما لتكون «ملح الموشح وسكره، ومِسكه وعِنبرُه» بعبارة ابن سناء الملك المصري الذي أشاع الموشح في المشرق العربي، وقد جاء بعد الوشاحين الأندلسيين بقرون عديدة. ثم جاء الزجل، كما نرى عند ابن قزمان، وهو شعر بالعامية الأندلسية، وخصوصاً عامية قرطبة في القرن الثاني عشر.

وتحريف العربية الفصيحة إلى صيغة عامية في خرجة الموشح الأندلسي، وفي الزجل عموماً، لا يصعب فهمها حتى على القارئ المعاصر. مثل ذلك زجل لابن قزمان القرطبي (ت1160) نجد فيه نوعاً من الهزل العابث والفكاهة غير المؤذية في وصف رجل «يحفّ الشوارب ولا يطلق اللحية» كما كان مألوفاً يومها في الأندلس:

من نتّف وشَعرَف إفزع إنتَ عنّو

واش تعمل بواحد ما لو خير في دقنو

ربما الفعل «شَعرَف» يفيد «حفّ الشَعر» مثل «نتّف». لكن بعض الأزجال يتطلب فهمها معرفة بأحوال الناس في الأندلس في عيد الأضحى، لكي تكون استجابة القارئ، أو السامع، ناجحة:

كل واحد في ها لعيد شلّح وملّح ونشِر عاحبلو مبزور ممَلّح

ونا ليس عندي كبشٍ ينطح ولا ما يخط سكين على وريدو

«شلّح وملّح» أي ذبح أضحية العيد، وملّح اللحم لينشره على الحبل، ليجف ويغدو «مبزور مملّح» لحماً قديداً يحفظ لقابل الأيام. لكن هذا الزجّال رقيق الحال، لا يملك كبشاً لينحره أضحية العيد!

نقرأ في زجل لابن قزمان مثالاً لعامية تخلّت عن بعض أحكام الإعراب:

بقى معها قلبي ونا في السَفر

وغابت لي مُنيا، وغاب القمر

وشَطّ المزار وسار مَن سَهَر

وبعد فراقها جاني النَدم

هذا ابتعاد خجول عن اللغة الفصيحة لأن الأندلسيين، مثل العباسيين لم يجرأوا على الابتعاد كثيراً عن العربية الفصيحة، بدليل أن كثيراً من الزجالين كانوا ينظمون الموشح والشعر الفصيح كذلك.

لكن الميل الأشد إلى العامية صار يتزايد مع الزمن في أقطار عربية شتى حتى صار بعضها غير مفهوم تقريبا، خارج حدود بلده. أذكر أن المسرحي العراقي الشهير منذ الخمسينات فصاعداً: يوسف العاني (عافاه الله وشافاه من اعتلال صحته الأخير) أرسل نسخة من مسرحية له بالعامية العراقية إلى إحسان عبد القدوس، رئيس تحرير «روز اليوسف» فكتب عنها في افتتاحيته متسائلاً: «انتو فهمتو حاجة؟ ولا أنا». لكن لو حضر أي مصري، أو غير عراقي، عرضا لمسرحية بالعامية العراقية أكثر من مرة، لأصبح فهمها واستساغة اللهجة العامية أمراً ميسوراً، مثل استساغة الأغاني المصرية خارج مصر بعد تكرار الاستماع اليها، كما حصل مع أغاني ام كلثوم.

وشبيه بالأزجال الأندلسية الأزجال اللبنانية العذبة مما نجده في أغاني فيروز الملائكية، وأغاني نصري شمس الدين ووديع الصافي. مثال «المخمس مردود» زجل بديع بالعامية اللبنانية مطعّم بمحسنات بلاغية من بديع وأمثالها، يجمع الذائقة التراثية إلى الذائقة العامية معاً. والشعر بالعامية العراقية يستند إلى تراث طويل من الشعر الفصيح الذي تلوّن بأطياف نخيل الجنوب العراقي وأهوار العمارة. والاسم الأشهر هنا هو مظفّر النوّاب، شاعر الشتات العراقي الأكبر. وإلفة اللهجة العامية في جنوب العراق ضرورة لتذوّق «الريل وحمد» أو «زرازير البوادي» أو غيرها ومن أمثلة فصاحة العامية العراقية في الشعر الشعبي «الأبوذية» الذي برعت فيه الشاعرة العراقية المغتربة لميعة عباس عمارة، التي كانت تكتب شعراً بالعامية والفصيحة منذ أربعينات القرن الماضي، وما تزال، حتى في مُغتَربها في كاليفورنيا. تؤمن لميعة، مثل شعراء الأغريق أن الشاعر يولد، لا يُصنع. ومثل شعراء الرومانسية الإنكليز تؤمن أنه لا توجد كلمة شعرية وأخرى غير شعرية. فالكلمة تصبح شعرية في يد الشاعر. مرّة تحدّاها أحدهم إن كانت كلمة «البصل» شعرية، فأرتجلت:

وليفي من ورا الطوفة أبصْ لَهْ

أريده ولو على خبزَه وبصْلَه

نَعِنْتْ الله علَ بو الواشي وابصلَه

فرق روحين يالكانن سويّه

يبقى أن تلفظ القاف في فرق كافاً أعجمية، والكاف في يالكانن جيماً أعجمية.

وشهرزاد، الاسم الأعجمي صاغته لميعة لحناً رومانسياً:

سنة فراقَك تحملْتَه وشهرزاد

يَمَن حَكيَك عالمعنّى بشهرزاد

نذرْ لو لفّتْ ذراعي شهرزاد

تِسع ميّات اطشْهنْ واهليّه

ثانية، بالحروف الاعجمية، لتكتمل فرحة العاشق الذي ينثر تسع قطع نقدية من فئة «مية دينار» إذا استطاع أن يلفّ ذراعه بذراع الحبيبة!