الرئيسية » كلمة أسرة التحرير » من المنتصر الغرب واميركا أم العرب والمسلمون؟ – كلمة رئيس التحرير
11_ylwl.jpg

من المنتصر الغرب واميركا أم العرب والمسلمون؟ – كلمة رئيس التحرير

فأقول إن المنهزم الأكبر من حادثة 11 سبتمبر/أيلول التي مضى عليها 15 عاما، هو كل من الغرب وأميركا ومعهما العرب والمسلمون.

و لكوني لست سياسيا  محنكا محترفا ، ولا أريد أن أكونه، فإنني وبحكم اهتمامي بدراسة التركيبة الذهنية للعقليتين الغربية والشرقية – الإسلامية، أشير إلى  شبه غياب تام  للتأمل الأبيستمولوجي العميق عند هاتين العقليتين في الاستفادة من دراسة علمية شاملة لعبر 11 سبتمبر وسأحاول وبشديد اختصار أن أبين ذلك بعناوين تأملية عشرة:

التأمل الأول: لم يرتقِ نوعياً بشكل عام لا العقل الغربي ولا العقل الشرقي – الإسلامي الى إجماع على أن سبب الحروب طوال تاريخ العلاقة بينهما هو غياب الحكمة المتوازنة وفكرة العدل على هذا الكوكب.

الثاني: لم يجرِ العقل الحاكم وحتى المحكوم في كل من الغرب والشرق – المسلم  نقلة نوعية من الجانب المعتم – العدواني في شخصيته إلى الجانب المستنير والمسالم في خطابه وفعله، بل بقي كل طرف متمسكا بأهداب رؤيته الخاصة لمسائل الدين والدنيا ولشجون الإنسان وحتى الكون. وذلك انطلاقا من التشبث بحقائقه وانغلاقه على نفسه وعلى الآخر،  ومن محاولة خطف القلب والنفس والعقل والروح الإنسانية عبر وسائل حديثة وبدائية بهدف فبركة مدروسة ومقصودة لوعي وسلوكيات أناسه.  والنتيجة بناء جدران عالية بين البشر والإصرار على رغبة التسلط على الآخر، تلك التي لا تولد عند معظم أهل الحضارتين إلا الكراهية والفواجع، مكبرة كانت أو مصغرة، عن حادثة 11 سبتمبر المريعة.

الثالث: وهو تكملة للأول على المستوى المعرفي. فلا التمركز الأوروبي والغربي على الـ"أنا" أو الذات فتح العقل والنفس للمسلم، ولا المسلم في رؤيته الإنسانية للآخر قدم نموذجا صالحا للانفتاح البناء والتفاعل الإيجابي مع الآخر.

الرابع: إن الطاقة الغضبية – الدموية في كلتا الشخصيتين الغربية والإسلامية عملت، وكل واحدة منها على طريقتها العقائدية الخاصة، ومن باب "الدفاع عن النفس"، على أن تشحذ ما في ذهنيتها وتجربتها من مخيلات عنفيه "إبداعية" في عملية استحداث تقنيات حديثة وبدائية من أجل الفتك الأشنع بالآخر. ولعل هذه اللعبة الجهنمية المتأصلة في الذاكرة العدوانية البيولوجية – الحيوانية عند الإنسان الغربي والشرقي تجعلهما كمن يرقص دائما على رؤوس أفاعي الكوبرا.  فهي بالتأكيد لا بمكن أن تأتي بانتصار إنسان على أخيه الإنسان، بل نتيجتها الحتمية الدمار الدائم والهزيمة الأخلاقية الدائمة له ولمن يشاركه لعبة القتل والدمار.

الخامس: دائما ولسوء حظ  البشر القاطنين في ديار الغرب والشرق – الإسلامي، ولعله لسوء حظ البشر أجمعين، أن ثمة رجحاناً لإرادة التوسع والاحتلال والتسلط  وألسعي الحثيث لإملاء عقيدة ونمط سلوكية الأقوى "حضاريا" على الأضعف. ولم تتشكل إرادة التفاعل الإيجابي ورغبة مد حسور حقيقية من المحبة والسلام والشراكة بين متساوين إلا عند القوة الهامشية التي شغلت هموم ورسالة القلة القليلة من النخب، وعامة من الإنسانيين المسالمين من الطرفين.

السادس: ضياع البوصلة العلمية والدينية في الشرق والغرب معا والتي أضاعت معها إنسانهما كليهما. وجعلته بعيدا تائها في دنيا كوكبنا المعذب، لا يعرف ولا يجيد فعلا إدراك طريق التصدي الأنجع للتحديات الاقتصادية والديموغرافية ومعها الأمراض العقلية والنفسية والروحية . فلا خطاب الحداثة "المغربن" قدم الحل الأسلم لمشاكل الأنسان ولعلاقته بأخيه الأنسان في الضفة الأخرى من الكوكب ولا لعلاقته بمحيطه الطبيعي والكوني. والمعادلة الأكثر بؤسا وسوداوية ما يطرحه الإسلام السياسي من خطابات مغلقة يسعى لفرضها بشكل أرعن في عقول ونفوس عباده وباقي العباد.

السابع: بدلا من أن يعمل كل طرف على انعاش الموروث العقلاني الإنساني البناء في داخله ، وبدلا من أن يقف من جانب آخر بين الفينة والأخرى وقفة تأملية عامة ، لا بل أن يخوض ثورة عقلية ومعرفية مع أخطائه وعثراته المتنوعة الخاصة،  يمضي كل طرف في التوجه نحو "الخندقة البروميثيوسية" في دنيا تصوراته ومتخيلاته الموهومة أو المنمطة عن ذاته والآخر. ويذهب به الشطط اللاعقلاني وحتى الجنوني إلى حد الضخ المكثف لثاني أوكسيد الكربون في الدورة الدموية لضفتي القلب الواحد لدى الإنسان الواحد وعلى الكوكب الواحد.

الثامن: لا يمكن أن ينهزم الجانب اللاعقلاني المعتم ، والعدواني المحارب، والأناني اللاعادل في العقلية الإسلامية والغربية، ما لم تتحرر كل منهما من جبال المؤثرات السلبية للذاكرة التاريخية للطرفين، ما لم تنتقل العقلتان معا الى رحاب انفتاح واسع وحر للعقول والنفوس على الفضاءات الرحبة وربما اللامحدودة للقيم الإنسانية والسماوية المشتركة.

التاسع: الحل الاستراتيجي الأشمل وربما الأنجع ، ولا أظن كما يعتقد البعض بأنها الأعقد، هو تأصيل وتعميق وتعميم ثقافة الحوار والشراكة في كل مجالات الحياة بين حضارات الغرب المتنوعة والشرق بما فيها بالأخص الإسلامية. المطلب المقدس المطلوب هو تشغيل أفضل وأكثر ديناميكية للطاقة الخلاقة الإيجابية في العقلتين الغربية والإسلامية والتعاون الأوسع مع كل حضارات العالم يما في ذلك الحضارة الروسية الأوراسية من أجل بناء الحضارة النووسفيرية المنتظرة.

العاشر: وهو بالضرورة ليس الأخير، وإنما لضيق المجال في النشر ، نختتم به القول بأنه لا يمكن حل المشاكل الكبرى ولا حتى الصغرى الاقتصادية والإيكولوجية والديموغرافية والأمنية وحتى الأخلاقية- الأكسيولوجية إلا بتضافر الطاقات الخيرة والعقول المبدعة النيرة، المسالمة، المنفتحة على باب كل قلب وكل عقل لدى الآخر، والمشرعة ذهنها بكل حرية ومسؤولية على كل أسئلة الحياة والمصير الأرضي والسماوي.

رئيس التحرير: البروفسور سهيل فرح