الرئيسية » حضاريات » من الحوار الى التحالف بين الحضارات: المبادئ ، العوائق، الآمال – سهيل فرح* / الجزء الأول
thlf_lhdrt_3.png

من الحوار الى التحالف بين الحضارات: المبادئ ، العوائق، الآمال – سهيل فرح* / الجزء الأول

 

هذه الكلمات ليست لي بل هي شكلت "لوغوس" احدى الخطابات الهامة التى ألقاها الأمين السابق لهيئة الأمم المتحدة كوفي أنان في السنة الأولى من بداية الألفية الثالثة. مضت عشرة أعوام على كلام الوجه الأول في أعلى هيئة دولية, و خلالها نظمت في العديد من البلدان مئات أن لم يكن الألاف من الندوات و المؤتمرات و أصدرت الأبحاث و الكتب بالكثير من اللغات عن ذلك. و من هذا المجال تبرز العديد من الأسئلة والملحة و الحيوية و التي سأحاول الأقتراب من ملامسة أجوبتها:

لماذا حراك ثقافة الحوار بين الحضارات و الأديان المختلفة ما يزال الأهتمام فيه في الغرب ضعيفا و في الوقت نفسه ليس مرغوبا" فيه لدى حملة العقائد التوتاليتارية و الفرق الأصولية المتعددة  في عدد كبير من بلدان الشرق و تحديدا الأوسط منه؟

ما هي المبادئ الدينامية و العوائق الجادة و التمنيات المرجوة التي ترافق ليس فقط مسيرة الحوار بل أيضا الرغبة بالشراكة الفعلية للحضارات؟

و في الحصيلة ما هي العبر التي يمكن استخلاصها من الحراك العالمي المنشط للحوار و الذي يمكنه أن يكون الأسس العقلانية الضامنة للشراكة الفعلية بين الحضارات؟

لا أدعي الجواب الحاسم  على هذه التساؤلات , بل على العكس من ذلك أترك الأسئلة مفتوحة عل كل متغيرات التفكير و السلوك الأنسانية حولها , ألا انني سأحاول خط التمرين الأولي للأجابة,  عل هذا يسهم برسم المعالم الأولى للمشهد الدولي الهادف لتنشيط و تعميق هذا الحراك الدولي حول الحوار والساعي  للشراكة العملية و العدلة بين الحضارات.

الحوار : أرخيولوجيا المصطلح

للحوار أصوله وشروطه وعوائقه ومرتجاه بين الحضارات و الأديان ألخصها بالنقاط التالية :

أولا ً : قبل أن يبدأ الحوار العقلاني مع الآخر ، يتوجب بداية أن يجريه المرء مع نفسه. يسعى فيه تحليل الجوانب المسالمة والأخرى الردعية في قوله وفعله . فالحوار الذي يرتكز على منطق العقل ومخزون العاطفة ، يبدأ بالمقارنة المنهجية بين الشك واليقين,  بين فكرة وفكرة , وبين سلوك وسلوك . وكل هذا يدور ضمن دائرة الإنسان الواحد، والعقيدة الواحدة , والدين الواحد , والثقافة الواحدة . والهدف من ذلك ، ليس "المونولوغ" النرجسي مع الذات بل التوق الدائم للذات من أجل توسيع المقاربة العقلانية النقدية للذات نفسها ، وتوسيع مساحات الحكمة والسلام والمحبة ضمن الدائرة الواحدة لتعميمها لاحقا ً مع الدائرة أو الدوائر الاخرى .

ثانياً : لا بد أن يكون في الحوار شريك منفتح . لأن في الحوار المنفتح تتلاقى روح الطرفين ومعهما رغبتهما المشتركة في المزيد من التقارب والتفاعل . في الحوار تتحق الشراكة المتبادلة بين المتكلمين . فكل طرف يحمل أفكاره ةتجاربه ونصوصه وحقائقه . وفن الحوار هو القدرة على تبيان حقيقة وجهة نظر سلوكية الآخر .

ثالثاً : المساواة أمام نقاط القوة ونقاط الضعف في حضارات شعوب الغرب و الشرق أمام الأنسان كقيمة كونية وأمام خالق الإنسان والكون . فلكل منا نقاط قوته وضعفه حيال كل المسائل الوجودية الحياتية .

رابعاً : الاحترام التام للآخر وقبوله والأصغاء إليه . فالحوار لا يقوم على محاولة إقناع الآخر بصحة أقواله ونصوصه وتجاربه من خلال دحض أقوال ونصوص وتجارب الآخر ، بل يتوجب أن يستند الى التوضيح والفهم والتعلم والتواضع . فالمبدأ السيكولوجي والسلوكي الذي يفترض أن يسير علاقتنا مع ذاتنا الثقافية ومع الذات الثقافية للآخر هو الإقرار بمبادئ الموضوعية والنسبية في النظرة الى اسهام كل واحد من في صنع الحضارة .

خامساً : يفترض أن يكون المحاور ذو إرادة حرة . فالحوار يستدعي من صاحبه الاستقلالية في الرأي والحكمة والاطلاع المعرفي الواسع، لا التقيد الصارم بحرفية النصوص ، والطاعة العمياء لحراس العقيدة المستسلمة لمخلفات الذاكرة التاريخية المليئة بالمشاحنات .

سادساً : يتوجب أن يشمل الحوار كافة المستويات والمساحات والتجارب الإنسانية في العالمين لعل  أبرزها :

أ‌-    حوار المفاهيم حول القيم الروحية والأخلاقية . وذلك بهدف السعي الحثيث لتفهم خطاب الآخر الديني والفكري والثقافي والتاريخي . وهذا بدوره يسهم في التجديد الدائم للغة المعرفة ويعمق التفاهم والاحترام المتبادل .

ب‌-   حوار الدنيويات ، أي إقامة شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في سائر الحقول العلمية للحياة ، حيث تتعاون فيها المصالح وتتكامل العلاقة بين الحضارات .

ج‌-     حوار المساجلة والنقاش و " المناقشة " الديمقراطية ، من أجل تنشيط الروح العقلانية النقدية البناءة للذات والآخر .

د‌-    حوار التجارب أي إخضاع التجارب الإيجابية والسلبية للمقاربة السوسيولوجية ، بهدف التطوير الإيجابي والكشف المتواصل من أجل تلمس حقائق والوجود والواقع. فالضرورة الحياتية تقتضي القبول بأمانة بالجذور التاريخية للخلافات والاعتراف بالأخطاء . وهذه خطوة هامة من أجل التئام الجراح التاريخية وإرساء الثقة بالحاضر والمستقبل .

سابعاً : جدلية التاثر و التأثير في الماضي والحاضر والمستقبل . رغم أن سمة الوجود هي الصراع بين الأقوى والأضعف . هي السمة التي  يحرص التركيز عليها أنصار الفلسفة الدارينية الأجتماعية ودعاة الصراع الأزلي بين الحضارات والأديان ، فإن على الذوات المفكرة في  هذا الكوكب أن تركز على الخط الآخر في العلاقة بين الأديان والحضارات وهو خط التفاعل الإيجابي.

هذه هي المبادئ السبعة التي قد تشكل الصورة الأنجح التي تبدو لأول وهلة وكأنها مثالية يصعب كثيراً تحقيقها ، لأن أمام الحوار ،عوائق وشروط في علاقة كل عالم بالآخر . ولنحاول تبيان كل نقطة منهما .

 

سهيل فرح:عضو أكاديمية التعليم الروسية، أستاذ زائر في جامعة موسكو الحكومية

·        رئيس تحرير القسم العربي لموقع روسيا- العالم الإسلامي