الرئيسية » حضاريات » ملامح الاستشراق المتخصص بالإسلاميات في النقد الثقافي عند هشام جعيط (الجزء الأول) – عامر عبد زيد الوائلي / خاص بالموقع
nsn_ltrth_nd_rkwn_wlkhtb_lstshrqy3.jpg

ملامح الاستشراق المتخصص بالإسلاميات في النقد الثقافي عند هشام جعيط (الجزء الأول) – عامر عبد زيد الوائلي / خاص بالموقع

 

في النقد الثقافي"المثقف":

قدم تحليلا لمفهوم المثقف من خلال محاضرات ألقاها وأكد فيها: أن ما كنت أحاول التلميح إليه في هذه المحاضرات هو أن على المثقف أن يتمسك بمقاييس الحقيقة عند الكشف عن التعاسة الإنسانية والاضطهاد أيا كان مسببهما، بغض النظر عن انتماءاته الحزبية وخلفيته القومية وولاءاته، فلا شيء يشوه مواقف المثقف الاجتماعية بقدر تشذيب الحقيقة وزخرفتها، والسكوت الحذر عن التصريح بها.

تلك كانت المقومات التي ينشدها في الدعوة إلى مثقف عالمي يتجاوز تلك الأطر الضيقة وذلك (نكون قادرين على أن ندين أي عدوان سواء كان عدوانا أجنبيا علينا أو العكس فعندما ندين عدوانا أجنبيا علينا في الوقت نفسه نفعل الشيء ذاته عندما تقوم حكومتنا (يقصد الحكومة الأمريكية) بغزو دولة (اضعف) تلك هي المفاهيم التي يطالب بها ادوارد سعيد والتي جعلته ينظر إلى المثقف في إطار جديد، ولهذا الموقف أسبابه، فادوارد سعيد يشكل خطاب إقصاء لأنه فلسطيني ينسب للمركز الذي تهيمن عليه الصهيونية بما أنشأته من صور تمثيلة مزيفة في أذهان الغرب. لهذا فهو يحاول أن ينقذ تلك التصورات – التمثلات ويكشف ما وراءها من ادعاءات من خلال تلك المرجعية نظر ادوارد سعيد إلى المثقف كونه هاويا وهامشيا يحاول أن يقول الحقيقة، لكونه ينتمي إلى امة لها تقاليدها وموقفها التاريخي تلزمه أن يحدد المدى الذي يخدم به تلك الوقائع الفعلية المؤسسات والأكاديمية والمهنية أو السلطة السياسية أو يتخذ موقفا مستقلا نسبيا عن تلك الضغوط، وهذا ما ينشده ادوارد سعيد وهو الثاوي وراء دراسته ومبعث اشكاليته القائمة على نقد التمركز القومي للغرب، من خلال تحليل ونقد العقل الغربي ذاته، ويحدد مرجعيته في النظر إلى مفهوم مثقف من خلال اعتماده على المفكرين الثلاثة من خلال سؤال واحد: المثقفون مجموعة واسعة من الناس أم عصبة صغيرة منتقاة ؟

جواب المفكر الأول هو الإيطالي غرامشي:

بإمكان المرء أن يقول أن كل الناس مثقفون، ولكن ليس لكل الناس، وظيفة المثقف في المجتمع. وعلى أساس الوظيفة حدد نمطين:

الأول (المثقفون التقليديون) مثل المعلمين والقساوسة والموظفين والإداريين وهم يقفون في أماكنهم.

والثاني (المثقفون العضويون) ويجدهم مرتبطين مع طبقات اجتماعية ومؤسسات تستخدمهم لتنظيم مصالحهم وللحصول على السلطة اكبر وهم الفني والمتخصص بالاقتصاد السياسي والمنظم للثقافة الجديدة والمشرع. هؤلاء يتقدمون دائما وهم في عملية تكون متواصلة أنهم ينغمسون انغماسا ا كاملا في حياة المجتمع يعملون من اجل تغيير الأفكار وتوسيع السوق، لأنهم مرتبطون مع (طبقات اجتماعية) أو مؤسسات تستخدمهم لتنظيم مصالحها أو للحصول على سلطة اكبر أو سيطرة على الأفكار أو الأسواق. ([1])

ويأخذ من (جوليان يبتدأ في كتابه – خيانة المثقفين – 1927 وأعيد طبعه 1969) التعريف التالي أن المثقفين lntlectuas عصبة صغيرة جدا من الفلاسفة – الملوك ذوي المواهب والأخلاق السامية ممن يشكلون ضمير الإنسانية – ويتخذ نماذج سقراط، المسيح / سيبنوزا، فولتير، فهم (الخواص) نقيض (العوام) يدافعون عن المقاييس الأزلية للحقيقة والعدالة، يقف ادوارد سعيد إلى جانب غر امشي لان تمثلاته تبدأ في القرن العشرين الذي تطورت فيه المهن فهو يرى (أي ادوارد سعيد) أن المثقف ينطبق هذه الأيام على كل من يعمل في أي حقل مرتبط بإنتاج (المعرفة) وتوزيعها سواء أ كانت عملا أدبيا أم مادة خام مثل البحث الأجتماعي.

أما الثالث المفكر الاجتماعي الأمريكي (سي رايت) في كتابه – (السلطة، السياسة، والشعب) يؤكد ادوارد سعيد أن المثقفين المستقلين يواجهونهم بخيارين: الحفاظ على استقلاليتهم والعيش بقنوط إزاء تهميشهم أو الالتحاق بالمؤسسات والحكومة بصفة أعضاء مجموعة

ويعتمد ادوارد سعيد على نص مركزي في أطروحته يعود إلى (سي رايت) أن الفنان المستقل والمثقف المستقل هما من مجموعة قليلة باقية من الشخصيات المؤهلة لمقاومة ومحاربة (القولبة) وما يعيقها من موت للأشياء الحية بصدق وأصالة. أن نفاذ البصيرة الجديد ينطوي على القدرة على تدمير قوليات الرؤية والفكر التي تعج بها وسائل الاتصالات الحديثة أن عوالم الفن الجماهيري والفكر الجماهيري توجه على وفق متطلبات السياسة فإذا تحاشى المثقف ربط نفسه مع الحقيقة فانه لن يتمكن من التعامل بمسؤولية مع التجربة الحية بأسرها.

وقد أكد سعيد على هذا بقوله أن السياسة في كل مكان ولا يمكن أن يكون ثمة مهرب منها إلى عوالم الفن الصرف أو الفكر الصرف أو إلى عالم الموضوعية النزيهة، والنظريات المتسامية أن المثقفين أبناء زمنهم تسوقهم وسائل (التمثيل) المتجسدة في المعلوماتية أو صناعة الأعلام الجماهيري أن المثقفين قادرون على مقاومة هذه من خلال تفنيد الصور والسرود الرسمية والتبريرات التي تعممها وسائل الأعلام متزايدة القوة والنفوذ. ([2])

لهذا يؤكد سعيد أن مهمة المثقف الأمريكي أن يزيح التراب عن المنسي والمغيب ويفضح الارتباطات غير المعترف بها… وان يديم حالة اليقظة المتواصلة… لعدم السماح بإنصاف الحقائق، من خلال:

– المبالغة بالهوية الوطنية فهي تؤدي إلى التعصب عبر اختزالها وهذا يظهر في موقف الغرب من الإسلام

 وهذه تنفي عن المثقف صفة التفرد وإثارة الشكوك بالمسلمات ([3]).

المقاربة الثالثة- عند هشام جعيط"ملامح الاستشراق المتخصص بالإسلاميات

تناولنا الموضوع من زاويتين:

"نقد الأخر "نقد الخطاب الاستشراقي:و هشام جعيط في هذا هو قريب – من ادوارد سعيد في نقده للتمركز الثقافي الغربي.

 والزاوية الأخرى "نقد الذات " من خلال موقفه من الشرق الإسلامي – إذ له دراسة هي" الوحي والقرآن والنبوّة في السيرة والنبوية" تناول فيها ما أشار به محمد أركون من ضرورة دراسة السيرة من زاوية ظاهراتية.

بهذا يكون هشام جعيط هو الجامع بين القرآتين نقد الذات وانسنة الإسلام من ناحية ونقد الأخر وكشف التمثيل الذي يقدمه حول الإسلام،وهذا ما جاء في دراسته "أوربا والإسلام صدام الثقافة والحداثة"إذ الباحث هنا يقدم مقاربة في نقده لهذا الخطاب وهي:-

الأولى: إذ يسعى الباحث إلى كشف طبقات هذين المفهومين >الغرب< و>الإسلام< يسعى إلى كشف طبقاتهما عبر الحفر في اللامفكر فيه، في المقدمة يوجه سؤالا: كيف يمكن تبرير دراسة تفاوت بينهما،احدهما ذو أصل جغرافي والثاني ذو أصل ديني ؟إلا إنه يؤكد إن الغرب بمعناه الجغرافي لم يعد أوروبا فقط بل امتد خارجا سواءً على المستوى العلمي أم على المستوى السياسي حاول من خلالهما إن يتميز عن كل ما صدره إلى الخارج "بوصفها مستعمرات استيطانية "و عن كل ما أخضعه ورفضه " المستعمرات "

أما الإسلام فهو سياسي و ثقافي "إيماني" والإسلام المعاصر الذي يتبنى الإرث الإسلامي ويربطه به بشكل حميم،الباحث هنا يحاول ألموازنة بينالغرب الذي تمركز حول نفسه،والإسلام الذي تمركز، حول العروبة بعيدا عن، السياسة، والاسلمة،للشعوب الأخرى.

الثانية: في هذه المقاربة يحاول الباحث،إن يكشف العلاقة بين الإسلام والغرب، التي كان من نتائجها الغرب الآن ؛ فهذه العلاقة كان للإسلام أثراً فيها، إلا انه تحول إلى ارض محتلة نهبت خيراتها وفتحت أسواقها للبضائع الغربية ثم اليوم تقتبس المنجزات الغربية ؛إلا أن الباحث يدرك من خلال الموازنة (إن أووربا بالكاد بدأت تخرج من تأملها الذاتي بوصفها مركزاً للعالم ومحوراً للحضارة ونهاية للتاريخ)([4])

بالمقابل لا يمكن للإسلام إن يتجاهل إلى مالا نهاية ما كان في أصل قوة أوروبا ومادتها وهدفها ؛ أم يستمر في رؤيته ذاته بشكل خرافي ومتراص([5]).

 إن إمام انهيار التمركزات علينا إن ندرك نسبية الحضارة الغربية فنكف عن الانبهار بها مغتربين ولا إن نكمش على ألذات لن هذا السلوك لم يعد يتلاءم مع روحية العصر وتوجهه.

ثم يتناول التاريخ بين الغرب والإسلام وتكون صورة الإسلام في الذهنية الغربية خلال تلك الظروف التاريخية والثقافية وهي آلاتية:

الأسس القروسطية: إن الغرب المسيحي قد أصيب بجسده ونفسه بين القرنين الثامن والعاشر بآخر امتدادات الفتح الإسلامي.من هذه التجربة الأصيلة ؛يستمد الوعي القروسطي الأسس الانفعالية لتمثله للإسلام.ذلك التمثل المجبول أساسا بالعداوة.إذ إن هناك رؤيتان للإسلام في الذهنية الغربية هما:رؤية العالم الشعبي،ورؤية العالم المدرسي الأولى تغذت من الحروب الصليبية،والثانية من المواجهة الإسلامية –المسيحية في أسبانيا.واتسمت هذا الرؤية بالعداء للإسلام ونبيه الكريم(ص) والقران العظيم.

أوربا الحديثة وصورتها عن الإسلام:فان الإسلام لم يعد العدو الرئيس لكن من جهة أخرى إن نواة الصورة القروسطية التي تتمتع بقوة حفظ ذاتي مستقلة،فهي لو انفصلت عن قاعدتها التاريخية فقد تهدد بالانبثاق ثانية عند أول ما تداخل العلاقات الحقيقية بين العالمين في مرحلة صراع، بمعنى أن المخزون التاريخي للصراع لا يزول بل انه سرعان ما يتم استعادته عند أو صراع يحدث بين المجموعتان

ثم أن الباحث يستعرض التحولات الفكرية التي حدثت في الغرب والتي جاء بتحولات مهمة:

ظهور مشروع العلمانية إذ ظهر "المثقف الحر" إذ انفتحت نظرة جديدة للكون،تمكنت من رؤية الإسلام بعمق بوصفه جزءاً هاما من الحياة الإنسانية.لكن الإسلام قد تمثل بالقوى الموجود يومها على المسرح السياسي، إذ كان الإسلام ممثلا بالإمبراطورية العثمانية،العربي يتلاشى من الأفق الأوربي بينما الإسلام التركي يتكامل فيه.من هنا نشأت علاقة دنيوية واسعة تخضع خصوماً للعقلانية الدبلوماسية.

أما على المستوى الديني ثمة نظرتان عن الأخر (الإسلام) النظرة الفكرية إن مفهوم الشرق،التركي – الفارسي أساسا،يبدو لهذه النظرة مفهوم حضاري، النظرة الشعبية تتراوح مابين صورة الشرق المدهش وصورة الشرق الشهواني القاسي.([6])

 إلا إن الباحث يرصد التحول الذي أصاب الخطاب التنويري عندما تحول إلى خطاب استعماري فأن ما حكم كل اهتمام أوروبا خلال النصف الثاني من هذا القرن التوسع،كان ظاهرة الإمبريالية،فالمركزية العرقية ذات الصفة الاحتقارية،تبرز السيطرة والسيطرة تعود لتغذيه العرقية.([7])

هذا على مستوى النمو التكويني الفكر الغربي ويمثله الإسلام عبر التاريخ وقد تمظهرت بالإشكال الآتية:

أولا- انه يؤكد على هويته الأوربية بوصفه كتلة واحدة في مواجهة إسلام أحادي الجانب وثابت ودائم،بمعنى إن الإسلام لا يمكن إن يقبل بالتعددية أو بالتطور بحسب رأيهم. وهنا الباحث يرصد تحولات الخطاب الغربي من خطاب لاهوتي كنسي إلى خطاب علماني لا ديني

الخطاب الأول يعادي الإسلام يتهمه "بنقص الروحية" فيه. فيما الثاني بالجمود الثيورقراطي، وهي صفات متناقضة بتناقض؟

إذ نجد المستشرق الكلاسيكي هو أكثر الناس غربية وتعلقا بالقيم الغربية انه أكثر غربية من المفكرين الاوروبيين الآخرين غير المتخصصين، بالاستشراق.([8])

ويحصل ذلك كما لو إن احتكاكه الطويل مع ثقافة أخرى غير ثقافته يجعله ينفر ويشعر بتمايزه واختلافه بشكل حاد أو أكثر من غيره.ولما كان يشعر بالقلق خوفا من فقدان هويته أو ذوبانه في غيرية "أدنى مرتبة" فانه يلح أكثر على توكيد هويته.ويمكن ملاحظة درجات الاختلاف بالاتي:

1- إذا كان الاحتكاك "سطحيا"فانه يؤدي إلى الشعور بالغربية.

2- إما إذا كان "عميقا"فانه يهدد بذوبان "ألانا"في "الأخر"وبتفككه وبانهيار يقينياته وبتصادم القيم طبيعة القراءة الاستشراقية.([9])

3- الموازنة بين الغرب والإسلام يؤكد فيها (يسجن الاسلام في مواجهة حضارية وجها لوجه مع الغرب.لايعود تاريخ إلا سلام يجري بحسب ديناميكته الخاصة دائما بصفته انعكاسا مقلوبا لديناميكية الغرب وتاريخه.ولكي نضرب مثالا كبيرا على ذلك، إي النبي محمد(ص) ذاته، فإننا نلاحظ بشكل ضمني إن شبح المسيح يتراءى خلف إي تحليل لشخصيته على يد المستشرقين. فإذا كان النبي محمد (ص) غير صادق (على فرض إنهم يستعرضون صدقه أو عدم صدقه على طريق التساؤل) فذلك لان المسيح كان صادقا وإذا كان يمارس تعدد الزوجات ويميل للنزعة الحسية أو الجنسية،فذلك لان يسوع كان عفيفا طاهرا وإذا كان محاربا وسياسيا فانه يختلف عن المسيح المسالم أو المهزوم والمصلوب… وهكذا ينبغي أن ينالا من نبي الاسلام بأي شكل.

ثانيا: إن الشئ المتناقض في الاستشراق المتخصص بالإسلاميات هو انه يقع على هامش الجسد الغربي،ثم يقدم نفسه في الوقت ذاته بصفته الناطق الرسمي باسم الغرب.لهذا فان القطاعات المستغربة بشكل صحيح وأصيل من الوعي الغربي سواء أكان ذلك في رؤياها الإيديولوجية للعالم أم في تكوينها المنهجي يمكنها أن تحتج وتعتبره إنتاجا غير أصيل للغرب.

جمهور الاستشراق: إن الاستشراق يتوجه إلى جمهور،أما الغرب (حيث هامشية الموضوع) فانه لايهتم بالاسلام الا بصفته قطاعا هامشيا من كينونته لهذا تنهار الأعمدة القائمة لعالم بأسره او تفتقد معناها وطابعها المركزي ومهمتها الأساسية.



[1]ادوارد سعيد،و”تمثيلات المثقف”،ترجمة وعرض:سلمان داود الو اسطي،م /الثقافي، ع 1-2،بغدار الشؤون الثقافية بغداد 996،ص89-100.

 

[2]ادوارد سعيد،الثقافة والإمبريالية المرجع السابق،ص93-94.

 

[3]ادوارد سعيد،و”تمثيلات المثقف ص.

[4]هشام جعيط، إبعاد الاستشراق المختص بالإسلاميات،م/عيون،منشورات الجمل،ع4لسنة1997،ص8.

[5] قد تعني هذه الصوره أن الإسلام ممكن أن يحاول تجاهل التحولات من خلال إحالة هويته إلى هوية موحدة ثابتة رغم المتغيرات والتحولات.

[6] المرجع نفسه ص

[7] المرجع نفسه ص

[8] المرجع نفسه ص

[9] المرجع نفسه