الرئيسية » سياسة واقتصاد » مخاوف بهود أميركا من ترامب – حيمي شاليف
trmb.jpg

مخاوف بهود أميركا من ترامب – حيمي شاليف

وعندما رفضت شركة سي بي إس تمكين ديلون بعرض قصيدته في البرنامج الشهير لآد ساليفان أو ضمها لألبومه الثاني، انفجرت فضيحة عامة منحت ديلون شهرته العموم أميركية الأولى. وغدت قصيدته عن مرضى جون بيرتس القصيدة الأولى التي اشتهرت كلماتها كثيراً.

وكتب ديلون، «جميعنا نتفق مع آراء هتلر، رغم أنه قتل ستة ملايين يهودي. ولا يهم إن كان فاشياً – على الأقل يمكن القول إنه لم يكن شيوعياً». وفي سطر آخر كتب ديلون: «آيزنهاور كان جاسوساً روسياً، لينكولن، جفرسون وذلك الشاب روزفلت. وحسب رأيي ثمة شخص واحد أميركي حقيقي: إنه جورج لينكولن روكفيل. وأنا أعلم بيقين أنه يكره الشيوعيين لأنه تظاهر ضد فيلم أكسوداس».

وروكفيل، الذي اغتيل عام 1967 على يد أحد أنصاره، اعتبر الأب الروحي للحركة النازية في أميركا. صحيح أن هذه الحركة ازدهرت في الثلاثينيات، بعد صعود هتلر للحكم، تحت اسم «البوند الألماني ـ أميركي»، بل وأجرت تظاهرات تأييد شعبية لهلتر في مديسون سكوير غاردن وفي أماكن أخرى في الدولة، ولكنها لم تتجذر في قلب الرأي العام الأميركي، لأن معظم أعضائها كانوا مهاجرين ألمان جدداً ولأنها أديرت على يد مواطن ألماني عمل مباشرة مع وزير الدعاية الألماني جوزيف غوبلس في برلين. وقد قمعت هذه الحركة أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، لكن أعيد تشكيلها على يد روكفيل في العام 1959. صحيح أنه لم يفلح في تجنيد أكثر من 10 آلاف عضو، ولكن تمّ التركيز عليه وعلى نشاطه عبر ألاعيب وفبركات اشتهر بخبرته فيها. فقد كان مؤيداً معلناً لهتلر وهو أحد أوائل منكري المحرقة النازية، لكنه فعل ذلك بطريقته: زعم أن معظم اليهود كانوا خونة، وأن هتلر أعدمهم بحق. وفي رأيه فإن 80 في المئة من يهود أميركا يستحقون عقاباً مشابهاً. وفي المسلسل الخيالي «الرجل في برجه العالي»، والذي سيبث موسمها الثاني في الشهر المقبل، يغير نظام الاحتلال النازي اسم مطار جون كنيدي في نيويورك إلى مطار لينكولن روكفيل.

في العام 1961 روكفيل ورفاقه من مرتدي بزات إس إس تجوّلوا في أرجاء الولايات المتحدة وتظاهروا في مطلع فيلم أكسوداس، الذي حسب زعمهم يثبت سيطرة اليهود الصهاينة على هوليوود خصوصاً وعلى الولايات المتحدة عموماً. في تلك الفترة أمر روكفيل آلاف أعضاء الحزب بمساعدة كو كلوكس كلان في صراعهم من أجل صيانة تفوق البيض في أميركا ومحاربة حركات مساواة السود في الحقوق المدنية. وحظيت رسائله المعادية للسامية بأذن صاغية على وجه الخصوص على خلفية الضغينة المتزايدة لدى العنصريين في الجنوب للدور المركزي الذي لعبه اليهود من الشمال في إدارة الصراع وفي تسجيل السود كمقترعين. وكتاب روكفيل «القوة البيضاء»، الذي نشر في منتصف الستينيات، يعتبر حتى اليوم توراة العنصريين البيض وكل المعادين للسامية. وقد جمع الكتاب من نصير روكفيل، ديفيد ديوك، متعاطفاً مع النازية ومنكرا للمحرقة. ولاحق غدا ديوك أحد قادة كو كلوكس كلان وسياسي غير فاشل في لويزيانا. وبعد مرور عقود عدة، صار أحد أبرز الأنصار الصاخبين والمتحمّسين للرئيس المنتخب دونالد ترامب.

أما زميل روكفيل ومن غدا خليفته، وليام بيرس، فكتب هو الآخر كتاباً بعنوان «يوميات تيرنر»، نال نجاحاً أكبر. والكتاب وصف، بين أمور عدة إبادة اليهود، السود والمثليين في إطار تمرد للبيض ينشب في العام 2099. وشكل الكتاب إلهاماً لتيموثي ماكفي، الذي قاد إلى قتل 168 شخصاً في تفجير مقر الحكومة في أوكلاهوما عام 1995. كما أن قاتل عضوة البرلمان جو كوكس، الذي أدين هذا الأسبوع وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، تأثر ببيرس وصار عضواً في حركته.

وبديهي أن روكفيل ليس من اخترع الربط بين اللاسامية الفظة والعنصرية البيضاء، لكنه كان من طوّرها. وهو أيضاً ليس أول من وضع الديانة المسيحية في خدمة العنصريين، رغم أنه ربط بينهم وبين حركة «الهوية المسيحية»، التي تستمدّ كراهيتها لليهود والاحتقار للسود من التوراة، شكلاً. كما أن حركة كلان نهضت للحياة في العام 1915 – ليس بسبب مكافحة السود، وهو ما وجّهها عندما حوصرت لأول مرة بعد الحرب الأهلية – وإنما على خلفية هبّة لاسامية هائلة رافقت محاكمة اليهودي ليو فرانك، الذي أدين من دون ذنب اقترفته يداه باغتيال صبية مسيحية في الثالثة عشرة من عمرها، وأعدم رجماً على أيدى حفنة ناقمين تحوّلت إلى النواة الصلبة للتنظيم المتجدد. في ذلك العام نشر أيضاً الفيلم الشعبي لدي في غريفيت، «ولادة أمة»، والذي وصف كلان بشكل إيجابي وجعل منه أداة تجنيد شعبية لهذا التنظيم. وحظي هذا الفيلم هذا العام بطبعة مجددة ومناقضة ركزت على التمرد العنيف للعبد نت تيرنر، والذي يشبه اسم عائلته، وربما ليس صدفة، اسم بطل الرواية الخيالية لبيرس.

وهكذا حدث أنه في منتصف العشرينيات، بعد أن أغلقت الولايات المتحدة أبوابها في وجه يهود أوروبا الشرقية وحددت مصيرهم بأن يبادوا في المحرقة النازية، وقتما ازدهرت اللاسامية، وتوسّعت وضمّت تحديداً لنسبة اليهود الذين يتم قبولهم في الجامعات، انتمى أربعة ملايين أميركي لكلان، وبينهم حكام ولايات ونواب في كل أنحاء البلاد. وكان شعارهم: «مئة في المئة أميركيون»، وهم ناضلوا، بين أمور عدة، ضد سيطرة اليهود على صناعة الترفيه والإعلام.

وقد تراجعت حركة كلان عن سيطرتها في الثلاثينيات، إثر الكشف عن فساد وأعمال فظاعة نفذتها، لكن اللاسامية انتعشت أيضاً بغيابها، لأسباب بينها أيضاً مواعظ الكاهن اللاسامي تشارلز كوفلين ومحاولة أنصار هتلر وأنصار الانعزال اتهام اليهود بمحاولة جر الولايات المتحدة للحرب. وقادت هذا الجهد حركة «أميركا أولاً»، والتي تبنّى ترامب اسمها، رغم احتجاجات منظمات يهودية. وأيضاً بعد الحرب واصلت اللاسامية رفع رأسها، رغم الأنباء عن المحرقة ومعسكرات الإبادة في أوروبا، حيث وسم يهود كثيرون كعملاء للشيوعية وتمّ جلبهم لمحاكم التفتيش التي أدارها السيناتور جوزيف مكارثي في الكونغرس. وكان روكفيل نصيراً متحمّساً لمكارثي وأيضاً لجماعة جون بيرتس، التي كتب ديلون قصيدته عنها.

 

دائرة مغلقة

والحديث يدور عن دائرة مغلقة، في صيغة تكرّر نفسها، رغم التغييرات المفترضة جراء تبدل الظروف والأزمان. فقبل 100 عام خاف بيض بروتستانت كثيرون، معظمهم قرويون، من المهاجرين الكاثوليك أن يأخذوا منهم أماكن عملهم، ومن الفوضويين والشيوعيين اليهود الذين حاولوا أن يسيطروا على أميركا. قبل 50 عاماً احتجوا على السود الذين تجرأوا على المطالبة لأنفسهم بالمساواة في الحقوق وعلى اليهود الشماليين الذين ساعدوا في ذلك. واليوم يخافون من موجات الهجرة من المكسيك خصوصاً، ومن أميركا اللاتينية عموماً، وكثيرون منهم، سراً وعلانية، يؤمنون بأن اليهود يمهّدون للمهاجرين الطريق، إما بسبب آرائهم الليبرالية، وفق الصيغة المعتدلة، أو بسبب رغبتهم في إضعاف العرق الأبيض، وفق رؤية كثيرين من أعضاء الألترا رايت، والذي ممثلهم البارز، ريتشارد سبنسر، أدى هذا الأسبوع تحية مد الذراع النازية في واشنطن على شرف انتصار ترامب.

في العقد الأخير اهتمت المؤسسة اليهودية، سوية مع منظمات يمينية وبتشجيع من حكومة إسرائيل، بخلق تماثل بين أنصار حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) واليسار المتطرف وكراهية اليهود البحتة.

ومع ذلك فإنه خلال معظم فترات التاريخ كانت اللاسامية في أميركا طبيعة شبه حصرية لليمين، وليس فقط لجناحه المتطرف. كما أن محاولة التمييز بين اللاسامية، والعنصريين البيض، والنازيين الجدد والنازيين فعل مصطنع حقاً: فالأمر في الأساس يتعلق بالتشديد.

ليسوا جميعاً معجبين بهتلر، بداهة، ولكنهم جميعاً يؤيدون طهارة وتفوق أميركا البيضاء، ويخافون من إضعافها على أيدي جماهير السود والمهاجرين ويتعاملون مع اليهود كمن يحرّك، ويسمح ويشدّ خيوط الهجرة من خلف الكواليس. وكلهم أيدوا ترامب، وعملوا من أجله في المعركة الانتخابية ورأوا في انتخابه، ومعذرة على التعبير، بداية الخلاص.

ومنطقي الافتراض أن معظم ناخبي ترامب، ليسوا لاساميين. وبقدر ما هو معروف، فإن ترامب نفسه ليس لاسامياً – رغم أنه احتاج مراراً لاستخدام تعابير نمطية معروفة عن اليهود – لكنه شخص مشاع. فقد سمح للحركات العنصرية والنازية الجديدة أن ترفع رأسها ولم يهتم بإبعادها عن محيطه، لأنه لم يرغب في إضعاف قدرتها في المعركة الانتخابية، ولأن القيمة الأعلى وربما الوحيدة عنده تتركز في مسألة «صادقناه للأسف». كما أن الإدانة الضعيفة التي عمد إلى إطلاقها هذا الأسبوع في لقائه مع نيويورك تايمز انتزعت منه بالقوة، ولم تكن بمبادرة منه، خلافاً للحملات الحادة والسريعة له على طاقم ممثلي المسرحية الموسيقية «هاميلتون»، الذي احتجّ أمام نائبه مايك بينس، وعلى كل من تجرّأ على انتقاده قبل ذلك. وكان كافياً هذا التنصل المفروض، لتخييب آمال سبنسر وأتباعه في الألترا رايت، الذين آمنوا أن تعيين ستيف بينون، من تفاخر بأن موقع الأخبار الذي يديره هو من وفّر لحركات اليمين منصة، وحدّد انتصارهم النهائي. وقد وصف موقع بينون سبنسر ورفاقه بأنهم موثوقون وأذكياء ودعا المحافظين في أميركا لتبنيهم.

ولكن خواء ترامب لا يتلخص فقط بموقفه المتسامح مع جناحه العنصري. في المعركة الانتخابية، خصوصاً في أوقات الضغط، ترامب – وليس فقط هو – لم يتردد في استخدام محفزات لاسامية معروفة مأخوذة من الماضي القاتم لكراهية اليهود في أميركا. وعندما تحدث تيد كروز عن «قيم نيويورك» قام هو بنسخ تعبير كان دارجاً لدى قادة كلان في العشرينيات. وعندما نشر ترامب شريطه الدعائي قبل بضعة أيام من موعد الانتخابات عن المؤامرة الكونية لرجال المصارف ودوائر المال، كان ينسخ الرسائل الفظة لهنري فورد، وهو من أكبر اللاساميين في تاريخ الولايات المتحدة والناشر الأساسي في العشرينيات لبروتوكولات حكماء صهيون.

وحالياً يرتاح ترامب على أكاليل غار انتصاره المذهل. وهو يحاول تلطيف صورته المتحدّية، والانعزالية ومحتقرة النخب والتي قادته إلى الانتصار. وهو بالتأكيد يثير علامات استفهام أولية لدى النواة الصلبة لأنصاره. وهو يسمح لمداحيه من اليهود، في أميركا وإسرائيل، بمحاولة شطب حملته الإشكالية التي جلبت له النصر، وأن يبعدوا كيف نمّى مشاعر التمييز والحسد التي ستنتج دوماً أيضاً كراهية اليهود. والسؤال هو كيف سيتصرّف عندما يتورط كرئيس، حيث تصريحاته الفارغة، وخططه عديمة المعنى وممثلوه عديمو الخبرة سيهبطون وربما سيتحطّمون على أرض الواقع؟ إن تجربة الماضي القريب تعلمنا أن ترامب يتعذر عليه أن يتحمل المسؤولية أو أن يعترف بالخطأ. وهو يفضل في مثل هذه الحالات أن يهاجم، وأن يهين وأن يتّهم الآخرين. لا يهم كيف يصوغ ذلك، فأنصاره العنصريون والنازيون لا يشكون في أنه يقصد اليهود.

أمس جلس يهود أميركا حول طاولة عيد الشكر، وهو أيضاً عيدهم، لأنه لا يحوي أي مضمون مسيحي ولأن لديهم الكثير من يحتاجون لشكره. وبالإجمال، الحديث يدور عن موقع الشتات الأكبر، الأغنى، الأقوى والأنجح في تاريخ الشعب اليهودي. ولكن الشكر هذا العام كان ممزوجاً بقدر معين من الخوف. فانتصار ترامب أطلق أرواحاً ظلامية من الماضي ظنّ كثير من اليهود أنها دفنت إلى الأبد. وفي كل مرة بدا لهم أنهم أفلحوا في التخلص من التاريخ يتبين لهم أن التاريخ لا ينفك عن ملاحقتهم حتى اليوم.

 

هآرتس