الرئيسية » حضاريات » محبة الحكمة وعلم الكلام – عزيز الحدادي / الجزء الاول
محبة الحكمة وعلم الكلام

محبة الحكمة وعلم الكلام – عزيز الحدادي / الجزء الاول

ولذلك أضحت الفلسفة تهمة : «لأن من يقرأ الفلسفة ويشتغل بعلم التنجيم أطلقت العامة عليه إسم زنديق، فإن زلَّ في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقرباً لقلوب العامة» فإلى أي مدى ظل هذا الفكر التكفيري الجامد يسري في الجسد المغربي كالسلطان؟ ومن يمثله الآن؟ ألا تكون تلك الأحزاب الدينية والتيارات العدمية التي تمارس الهيمنة السياسية والسلطة الانضباطية مرعبة لكل فكر تنويري؟

من الحكمة أن نعترف بأن الصراع بين محبة الحكمة وعلم الكلام، قد انتهى بسيطرة الأشاعرة على الفلاسفة، وتمكنوا من الهيمنة على السلطة الروحية، ولذلك قاموا بتوجيه كل مؤسسات الدولة نحو التقليد والخرافة والعقل الأسطوري، ومن المؤسف أن هذا التوجه ظل سائداً في المغرب إلى يومنا هذا، ما حكم على النهضة العقلانية بالانهيار، ولم يعد بإمكاننا مقاومة هذا التيار الشرس لأنه يتحكم في كل شيء، السلطة والمال، ويستطيع أن يدمر كل من يعارضه.

هكذا تم تغيير النهضة العقلانية بالنهضة الكلامية، وعوض أن تكون هويتنا رشدية أصبحت أشعرية، وبما أن هذا القدر الحزين أحدث ثقباً في الكينونة، فإنه من الصعب على الفيلسوف أن يرمم هذه الثقوب، ويوجه إلى مصدر ذلك النور الفطري الذي ينمو فيه العقل بلغة ديكارت، حين يثبت وجوده انطلاقاً من

الفكر: «أنا موجود بلا ريب، لأنني اقتنعت، أو لأنني فكرت بشيء، ولمن لا أدري، قد يكون هناك مضل شديد القوة والمكر، يبذل كل مهارته لتضليلي دائما.. فليضلني ما يشاء إنه عاجز، أبدا عن أن يجعلني لا شيء، ما دمت أفكر» . والحال أن هذا الفيلسوف استطاع لوحده أن يخوض ثورة العقل، من أجل تأسيس نهضة الفكر. لأنه كان شجاعاً، لكن من أين جاءت هذه الثقة في العقل؟ وما هو هذا الشيء الذي يفكر؟ وهل يستطيع كل إنسان أن يتذوق هذا المقام؟ وما المانع من النظر إلى الإنسان كحيوان عاقل، بدلا من حيوان عابد؟

لنفترض الآن أن ديكارت انبعث في هذه الأمة، فهل يستطيع تحريرها من هذا الثقل الثيولوجي، من أجل أن تثبت وجودها من خلال الفكر؟ أم أنه سيفشل كما فشل من قبل ابن رشد والرشدية، التي خاضت معركة حقيقية مع التيار الكلامي الذي تسلل إلى السلطة السياسية وأمسى يتحكم في المؤسسات العلمية والدينية، ويظهر بواسطة تقنيات الضبط، من أجل الإخضاع، ذلك أن هذه الأشعرية الجديدة تحولت إلى أخطبوط يتحكم في الجامعات والمؤسسات التعليمية والتشريعية، والحكومية المنتشرة في كل الأمكنة، وليس لها من هدف سوى الانحطاط وقمع الفكر التنويري.

لا أمل لنا إذن، ومع ذلك نقاتل وننتظر شروق شمس الأنوار، ومولد الوعي بالذات، عسى أن تتحقق تلك الأحلام الرشدية الناعمة، عندما كان نسيمها يحمل رائحة الوجود والفكر. هكذا سيظهر الإنسان المواطن بالمعنى الذي يعطيه التنوير للمواطن وهو: «خروج الإنسان من حالة القصور الفكري إلى الرشد»عندما يصبح العقل العام والعقل الخاص في تناغم، أي أن يضع كل واحد منهما نفسه في خدمة الآخر، بيد أن مغادرة الإنسان للقصور الفكري الذي اقترفه في حق نفسه، لا يتم إلا بالمعرفة والحرية، حرية الاستخدام العلني للعقل في كل الأمور: "ولكي يستخدم الإنسان عقله عليه أن يتخطى الكسل والجبن وحكم الأوصياء ممثلا في الكتاب والطبيب ورجل الدين، وعليه أن يتجاوز حالة القصور التي أصبحت طبيعته ملازمة له ".

والحال أن الأوضاع الراهنة تشكل صدمة للتنوير مادام أن الناس لا يزالون بعيدين عن استخدام عقولهم المثقلة في أمور الدين استخداما صالحاً واثقاً بدون توجيه غيرهم، وأنهم ليسوا على استعداد لذلك ولا هيئوا للقيام بهذه المهمة. ومع ذلك يمكن القول بأن هناك تحولات في التاريخ المعاصر، تسعى إلى تحقيق هذا الهدف، وبإمكاننا أن نحلم بعصر التنوير عندنا. فكيف تكون الوصاية في أمورالدين هي السبب في القصور الفكري الذي يعتقل الإنسان في المغرب الراهن؟، ومن يمارس هذه الوصاية؟، وكيف يمكن تحرير الإنسان منها؟