الرئيسية » حضاريات » مفهوم الإبستيمولوجية و مسألة الدور الفاعل للذات في المعرفة العلمية – الجزء الثالث
lbstymwlwjy.jpg

مفهوم الإبستيمولوجية و مسألة الدور الفاعل للذات في المعرفة العلمية – الجزء الثالث

     ففي الفيزياء والكيمياء المعاصرتين لم تعد ظواهر العالم الخارجي – بوصفها معطيات مباشرة – هي موضوع المعرفة العلمية، بل تلك الموضوعات المعقدة التي نشأت بفعل تركيب دقيق وعميق من قبل العالِم المسلح بتقنية عالية، من دون أن تفقد هذه الموضوعات واقعيتها.

     وقد أصبحت التجربة العلمية، في ضوء ما تقدم صورة للنشاط الاختباري والمنطقي للذات. ولم يعد موضوعها صورة طبق الأصل عن الواقع الموضوعي. إنها ثمرة شروط هي ثمرة تدخل العالِم، وإن تدخل الذات – العالِمة قد طرح مسألة الدور الفاعل للذات في المعرفة العلمية. فالعلم – أساساً – يقوم بوصف علاقات بين متغيرات. والنظريات العلمية لاتنطوي إلا على عدد محدود من المتغيرات، على النقيض من الواقع الذي يحتوي على عدد كبير منها. فالظاهرة يمكن أن تتأثر بعوامل لاحصر لها. ويقتضي وصف الظاهرة ـ علمياً ـ إزاحة جملة من الصفات السطحية غير المهمة. ووضع فرضيات علمية عما هو أساسي وغير أساسي.

     ونتيجة لذلك لم تعد الواقعة العلمية مجرد ظاهرة خاصة، بل هي ثمرة تدخل نشط وفعّال لذات تتصف بالقدرة على التخيّل.

     فكل كشف أو توسع في المعرفة العلمية يبدأ، بوصفه تصوراً خيالياً قبْلياً لما يمكن أن تكون عليه الحقيقة العلمية. ولايمكن فهم عمل الخيال إلا من حيث هو إعمال العقل أو استخدام الحواس.

     غير أن العالِم لايستطيع أن يحوّل حدسه أو خياله إلى إبداع علمي من دون المثابرة العلمية، فيوحد، على نحو أصيل، الحدس والاختبار والموضوعية وسعة الأفق.

     إن الإبستيمولوجية لاتكتفي بتحديد الشروط العلمية لإنتاج المعرفة العلمية. وإنما تسعى – أيضاً – لبحث شروط المعرفة العلمية الاجتماعية. وآلية ذلك أن الاستقلال النسبي للمعرفة العلمية لايفصلها إطلاقاً عن شروط تكونها التاريخية – الاجتماعية، وهذا ما يجعل من مبحث علم اجتماع المعرفة جزءاً لايتجزأ من البحث الإبستيمولوجي.

     فلقد رأى جورج غورفيتش – مثلاً – أن الداروينية تتبنى في علم الحياة مبدأ التنافس في الحياة الرأسمالية.

     كما أن الأبحاث العلمية – لاسيما في العلوم الدقيقة – تكون في ترابط مع الأيديولوجيةوذلك بما تحتاج إليه تلك الأبحاث من مختبرات وأجهزة بحث واختبارات واسعة النطاق، ومؤسسات خاضعة على نحو ما لأهداف قومية.

     ويظل الحكم بوجود اختلاف بين العلم والأيديولوجية صحيحاً، فأحكام العلم أحكام حول حقائق قابلة للإثبات أو الدحض، وذات طابع موضوعي، تحظى بالقبول من العلماء، أما أحكام الأيديولوجية فهي أحكام قيمية، تتعلق بما يجب أن يكون، مع اعتمادها في كثير من الأحيان على حقائق علمية.

     لكن المشكلة التي تطرحها الإبستيمولوجية هي التالية: هل تمثل الأيديولوجية عقبة أمام تطور المعرفة العلمية أم هي حافز من حوافز تطورها؟

     إن العلم ممتزج بالممارسة الأيديولوجية وذلك حين يستعير القول الأيديولوجي ضماناته من النظريات العلمية. أو حين يتكون العلم في حقل الممارسة الأيديولوجية.

     وقد لاحظ كانغلم Canguilhem عندما تساءل عن انبعاث المذهب الحيوي Vitalismفي البيولوجية، أن تصور عودة المذهب الحيوي المتكررة الهجومية والدفاعية، بوصفها مرتبطة بأزمة ثقة المجتمع البرجوازي بنجوع مؤسساته الرأسمالية، ليس تصوراً عديم الجدوى ولا خطأً محضاً. وربما كان انبعاث المذهب الحيوي تعبيراً عن حذر الحياة الدائم تجاه مكننتها.

     وهذا يعني أن الأيديولوجية تقوم بتوجيه النظر العلمي في اتجاه ما، فتتحول إلى محرض لحركة العلم.

وليس هذا فحسب، فإن الأيديولوجية قد تقوم بدور الكابح لتطور بعض العلوم. إذا ما ناقضت نتائج هذه العلوم الترسيمات الأيديولوجية المغلقة. فتأخر علم البيولوجية في الاتحاد السوفييتي سابقاً لم يكن إلا ثمرة التعارض بين القول الأيديولوجي بدور الحياة الاجتماعية والقول العلمي بدور الوراثة.

     ويبقى السؤال مطروحاً: هل يفقد العلم موضوعيته مادام متسماً بسمة أيديولوجية، ومادامت الأيديولوجية عامل إفساد للموضوعية؟

     أن يجد العلم بدايته في وسط أوسع، أي في سياق اجتماعي وأيديولوجي، ووجود علوم سابقة عليه، فذلك لايحكم على شيء من حقيقته أو بطلانه حكماً مسبقاً. كما أن استناد العلم إلى إيحاءات أيديولوجية توجه مساره لايقود إلى عدم الثقة بحقيقته.

     وهذا يعني أنه يجب التفريق بين شروط نشوء العلم وتطوره، ومشكلة الحقيقة في العلوم.

    إن المسائل التي ذكرت. والتي تعالجها الإبستيمولوجية، تجعل القول صحيحاً بأن هناك إبستيمولوجية عامة. موضوعها العلم من دون تمييز العلوم الطبيعية من العلوم الإنسانية.

     واستناداً إلى ذلك، فإن الإبستيمولوجية مع كونه مبحثاً حاز على استقلاله النسبي في السنوات الأخيرة، تظل مبحثاً فلسفياً. خاصة لأنها تسعى إلى صوغ نظرية عامة في المعرفة العلمية. ولا أدل على ذلك من محاولة جان بياجيه إشادة نظرية في التكوين النفسي للعلم.

     ومما يؤكد انتماء الإبستيمولوجية إلى الفلسفة، تحولها إلى علم معياري، وهي تعالج مسائل العلم. لأن السؤال الأساسي الذي يكون خلف معالجاتها هو: ماذا يجب أن يكون عليه العلم؟

     غير أن الإبستيمولوجية العامة لاتنفي وجود مشكلات إبستيمولوجية لزمرة من العلوم أو لعلم جزئي. ومن ثم فإن هناك إبستيمولوجية خاصة وإبستيمولوجية جزئية، إلى جانب الإبستيمولوجية العامة.

فإبستيمولوجية العلوم الطبيعية، تتساءل: ما طبيعة القانون في هذه العلوم؟ ما دور مقولات الحتمية والمصادفة والاحتمال والغائية؟

     كما أن هناك مشكلات خاصة بالعلوم الإنسانية: كالموضوعية والفهم والتفسير والجانب الأيديولوجي لأحكامها. والعلاقة بين المنطقي والتاريخي في المعرفة الإنسانية، وإمكانية قيام نظرية اجتماعية، وهل هناك ملامح قانونية عامة في السيرورة الاجتماعية أم أن الواقعة الاجتماعية واقعة فذة؟

إن هذه المشكلات وغيرها هي موضع الإبستيمولوجية الخاصة بالعلوم الإنسانية.

لكن العلوم الجزئية تواجه هي الأخرى مشكلات خاصة بها، بسبب استقلالها النسبي.

     فإبستيمولوجية العلوم الحيوية تطرح جملة مسائل إبستيمولوجية من قبيل: هل هناك غائية في التطور الحي؟ وما العلاقة بين مفهوم الطفرة والتطور التدريجي في العالم الحي؟ وما الدور الذي يقوم به، منهجياً، مفهوم البيئة في تفسير الظواهر الحية؟

     وهناك مشكلات إبستيمولوجية خاصة بعلم التاريخ: كتحديد معنى الواقعة التاريخية الموضوعية في علم التاريخ، وهل التاريخ قابل للتفسير أو للفهم. هل هناك حتمية تاريخية؟

ولاشك في أن الإبستيمولوجية العامة، وهي تسعى إلى صوغ نظرية عامة في المعرفة العلمية، تستفيد من الإبستيمولوجية الخاصة والإبستيمولوجية الجزئية. والعكس صحيح أيضاً. انطلاقاً من واقعة انفصال العلوم وتكاملها في الوقت نفسه.

     لكن السؤال الذي يطرحه العقل الناقد هو: إذا كانت الإبستيمولوجية علماً للعلم ذاته ألا تحتاج الإبستيمولوجية نفسها إلى إبستيمولوجية تكشف عن مشكلاتها وعن الصعوبات التي تصادفها؟

والحق أن الإبستيمولوجيين أنفسهم يمارسون هذا الدور حين يختلفون في تناول المشكلات العلمية ويقدمون إجابات متعددة، ومتناقضة أحياناً منتقدين بعضهم بعضاً.

     وقد برز مثل هذا الاختلاف في مسائل تاريخ العلم وتصنيف العلوم.

    ومن ثم يصح القول: إن الشروط الداخلية والخارجية التي يخضع لها العلم هي ذاتها التي تخضع لها الإبستيمولوجية. كذلك فإن نزوعها العلمي لن ينجيها من طابعها الأيديولوجي.