الرئيسية » حضاريات » مفهوم الحقيقة الدينية – سهيل فرح / الجزء الثالث
مفهوم الحقيقة الدينية

مفهوم الحقيقة الدينية – سهيل فرح / الجزء الثالث

إن الدين، كالشعر أو الموسيقى، لا يمكن أن يحاط به برؤية أو تفكير علمي صارم،ولا يمكن إخضاعه للمنهج التجريبي. الدين والحقيقة الدينية نتاج الإبداع الكونيالمنفتح على المطلق. فالعلماء والفلاسفة الذين لا يجدون في مناهجهم وخطاباتهممكانًا لله يشيرون عادة إلى فكرة الله العلَّة الأولى؛ وهذا مفهوم تم التخلِّي عنه،حتى من جانب النخب المفكرة في الخطاب الديني اليهودي والمسيحي والإسلامي. فاللهالأكثر ذاتية لا يمكن إثباته، كأنه حقيقة موضوعية لا يختلف عليها اثنان. فلا يمكن وصف الله ضمن أيِّ نظام مادي في الكون؛ وليست مجدية تلك المحاولات التي تسعى إلىإثبات وجود الله منطقيًّا. كما أن الإيمان بالله لا ينبغي أن يأتي من خوف. فالأمر يتطلب حكمة إنسانية تفتح القلب لله وتدعوه دائمًا لأن يحضر في مُثُلنا الأخلاقية والكونية.

 

وعندما نتناول النص الديني ينبغي أن لا نقرأه انطلاقًا من الرؤية العلموية للأمور. فالرؤية العلمانية غير المؤمنة تصوِّر الآيات والعقائد الدينية على أنهاخرافات وأساطير؛ ولكونها تنظر إلى النصوص بهذا المنظار فهي تظن أن لا شيء فيها صادق بالمعنى الحرفي. هذه القراءة العينية والحرفية تغيب عنها ناحية مهمة في علاقة الأناالإنسانية بالمطلق. وهذه الناحية هي التي تشير وتهدينا إلى أن فكرة الله انطوت فيالوعي الديني على معنى رمزي. فوجود الله ضروري لاستمرار وجود العالم والكون. ولعلحضور هذه القوة الرمزية الهائلة، التي سمَّاها العقل البشري الله، تعمل، كما كانتفي الماضي وستعمل في الحاضر والمستقبل، بواسطة القوانين الطبيعية نفسها.

 

 وبهذا فإن ثمة عملية تجانس بين الطبيعي والإلهي. إن الخضوع للبراهين المنطقية والحجج العقلية لا يجدي عندما يجري الحديث عن الله. فمن الأرحب والأجدى، في هذا السياق، أن نقرَّ بالنور الداخلي للحضور الديني المستقر في أعماق النفس الإنسانية الذي يفتح المجالواسعًا أمام مساحة رحبة من الرجاء لا يعطيها العقل ولا المادة ولا كلُّ أنواعالسياسات البشرية.

 

 إن الذين يرفضون صورة ما لله الذي ارتُكِبَت باسمه أبشع الحروبوالكوارث الإنسانية المرعبة ينبغي احترامهم؛ كما أنه في الإمكان توظيف صورة اللهكدواء غير مجدٍ أو كغاية لخيال متساهل. فلقد استُخدِمت فكرة الله مرارًا كأفيونمخدِّر للشعوب، على حدٍّ قول ماركس، كما فهم الله عن بعضهم على أنه وجود آخر يماثلوجودنا، أو بمعنى آخر، على "صورتنا ومثالنا"، لكنه أفضل منا في علياء سمائه التي ترادف صورة الفردوس المليء بكلِّ ما يشتهيه الإنسان في دنياه!

 

غير أن الكثيرين نسوا بأن صورة الله موجودة فينا لمساعدة الناس على مواجهة الواقع غير العادل و غير المحب فينا. فالحضور الديني و الروحي المتسامي بالمعنى الأشمل هو شعور داخلي بأن هناك ألها" كونيا". و الدين بالمعنى الأخلاقي له يسجل بدوره الطموحات الأنسانية لعدد لا يحصى من البشر في وجه المعاناة و الخطأ و الخطيئة. فالدين يجعلنا مدركين لطبيعتنا المحدودة . فنحن جميعا" نأمل ألا يكون الظلم الذي يرتكبه الأنسان في كل زمان و مكان هو الكلمة الأخيرة في العالم. فالحضور الديني في الشخصية الأنسانية قد يدفع الأنسان للتعلق بحكمة الكلمة المرتبطة بالمتسامي الذي هو الله.

 

  فالله، حتى عند بعض الموسوعيين الماديين، حضورًا. بلوخ يرى أن فكرة الله طبيعية بالنسبة للحياةالبشرية. فهذه الحياة موجهة دائما نحو المستقبل؛ ولأننا نشعر بحياتنا غير تامة وغيرمنتهية فإن هذا يولد فينا الحافز على أن نفكر ونطور كلَّ نقطة في حياتنا لتجاوز أنفسنا. فحتى الفلسفة تبدأ بالتساؤل الذي يكون بالتجربة. الله، بهذا المعنى، عند بلوخوف و يرباخ، مثل إنساني أعلى لم يتحقق بعد. كما أن ماكس هوركهايمر، المنظِّرالأبرز في مدرسة فرانكفورت، يرى أنه ما لم يشمل علمُ السياسة والأخلاق فكرةَ الله فإنهما سيبقيان متصفين بالبراغماتية والدهاءبدلاً من اتسامهما بالحكمة.

 

 لا فائدة، إذن، من عملية إبعاد الدين عن الحضور في الذات الفردية والجماعية، وإبعاد العلم عن العمل الواسع في كشف أسرار القوانين الطبيعية وتوظيفها لخدمة الإنسان. إن إدخال الإنسان في لعبة إبعاد الواحد الآخرَ هي لعبة عبثية، حيث لا يمكن لأيٍّ منهما أن يستبعد الآخر أو يقصيه أو ينفيه. المهم هو وضع الحدود العاقلة بين الحقيقة العلمية والحقيقة الدينية، بين الحقيقة السياسية والحقيقة الأخلاقية، وتبيان ما هو متمايزأو متقاطع أو منسجم بين هذا وذاك. وما يجعل علاقة الديني بالدنيوي متجانسة هو أنيُعطى لكلِّ بعد من أبعاد الشخصية الإنسانية حجمه الطبيعي. فالإنسان، في أبعاده المادية والروحانية، هو ابن التركيبة الكيمائية والبيولوجية للأرض والكون؛ وفي بُعده العقلاني هو ابن التطور الدماغي لهذا الكائن البشري؛ وفي بُعده الروحاني هوابن الجانب الأكثر خلودية بين الكائنات الأخرى، هو ابن الله. ولا يمكن حصر وجودهالبيولوجي أو الاجتماعي أو النفسي أو الثقافي في بُعد واحد أو بُعدين؛ فالصورة قدتكون أشمل فيما لو أخذناها بأبعادها الثلاثة، والمخاطرة في فهمه قد تقل في حال كانتإحاطتنا بهذه الأبعاد الثلاثة أشمل. فالمهم هو الإقرار بوجودها والعمل على ترسيخ قيم المعرفة العلمية في الأول، والنزعة المنفتحة في الثاني، وإعلاء قيم المحبة والسلام الداخلي والتسامي في الثالث. إن للعقل حقلاً يفعل فيه ضمن ضوابط علمية. وهذه الضوابط تستند إلى مجموعة من المصطلحات والمفاهيم والمناهج غير ثابتة، بل هيفي حال تغيُّر وحركة تجديد مستمرة؛ لذا فإن فاعليتها الزمنية والحياتية نسبية ومؤقتة خاضعة للمستجدات. وإذا كان العقل العلمي يفتش دائمًا عن الجديد في الطبيعة فهو يسعى لكشف أسرارها الموجودة في أصغر صغائرها، بدءًا من الذرة وانتهاء بالكون الواسع؛ لذا فإن مجاله مفتوح دائمًا للكشف. بينما القلب والوجدانيات لا تخضع لقوانين العقل العلمي، بل لمجال الروحانيات الرحبة، التي تفتح المجال واسعًا أمامالنفس لأن ترتقي إلى الأعلى والأسمى، وإلى الأكثر إشراقًا في الحياة الأخلاقيةوالجمالية والإنسانية عامة، وتسعى أيضًا للإبحار الواسع في عالم الميتافيزيقا التيلا حدود لشطآنها وفضاءاتها.

إذن لكلِّ مجال حقوله. ولعل من الصعوبة – بل من الخطورة – أن نجعل من فكرة النظام العقلاني–العلمي المحكم خطابًا شاملاً للوجود بأسره. كما أن الخطورة الأخرى تقع في الجانب الآخر، حيث تعمل بعض الفعاليات المستفيدة من الإرث التاريخي الشعبوي–الديني والطائفي من أجل محاولة كبح العقل العلمي في اكتشاف أسرار الطبيعة.

 

الحالة الدينية حقيقة موجودة. فقد يلتحق الإنسان بالمكان الذي يمارس فيه عباداته وطقوسه، وقد لا يلتحق به أبدًا. قد يعتبر الكثير من الأقوال التي جاءت في النصوص الدينية ضربًا من الخرافات والحكايات الشعبية. وقد يرى بعضهم أن هناك زيفًا في العقائد لأنه اعتاد أن يأخذ بها ويقرأها حرفيًّا؛ وبهذا فإنه لا يتمكن من إدراك حقيقتها الرمزية ولا وظيفتها في عالم الإيمان، ومن هنا يأخذ منها موقعًا سلبيًّا محضًا. وقد يقف أيضًا ضد صورة الله أو الدين أو المذهب المرتبطة بالتعصب والحرب وسائر أشكال التنازع ورفض الآخر. قد يسمي نفسه علمانيًّا أو لاأدريًّا أو ملحدًا إلخ. ولكن في الحصيلة العامة لا ينتج عن ذلك بالضرورة الوصول إلى حال من اليقين المطلق بأنه لاديني، حتى ولو هو أقرَّ بذلك؛ فله دينه، وقد يتمثل في صورة من المشاعر الروحانية الواضحة. فعلى حدِّ قول الباحث في علاقة الفلسفة بالأديان وولترستيس: "إن لكلِّ إنسان ديانة معينة تعتمد على طريق خاص وتقوم بتجربتها الخاصة؛ وليس من حقِّ أولئك الذين عثروا على طريقهم وخبرتهم الخاصة أن يدينوا أولئك الذين عثرواعلى طريق آخر أو خبرة أخرى…" (12).

 

 إننا في حاجة فعلاً إلى تجديد رؤيتنا الدينية للهوللكون. هناك تجارب نقية جدًّا في الماضي؛ وهناك نخب علمية ولاهوتية تفتح قلوبهامشرعة على العلم والله لتجد فيهما المفيد والخلاق والأخلاقي، الخاص والعام، الأرضيوالكوني. وهذه المحاولات تجد حضورًا لها في كلِّ الجماعات والأديان والمعارف. ولعلَّ واحدة من هذه المحاولات هي التجربة الخلاقة التي قام بها تيار دُه شاردانوجان شارون وغيرهما من الذين دمجوا صورة الإيمان المتسامية بالعلم الحديث. فهؤلاءدعوا المسيحيين إلى أن ينقلوا إيمانهم بيسوع الإنسان إلى تبنِّي صورة كونية للمسيح تأخذ الجانب المتسامي في المسيحية التي تحضر في كلِّ ذات بشرية خيِّرة، نواتهاالمحبة التي تحيي الخلق كلَّه.(13). ولعلَّنا في حاجة أيضًا إلى إحياء الصورة الرائعةالتي وصل إليها شيخ الصوفية العرب والمسلمين ابن عربي حول وحدة الوجود والتي وجدتأصداء لها عند متصوفين كبار معاصرين في الشرق والغرب، أمثال فريتيوفشووُن السويسريوغيره ممَّن يؤكدون على مفهوم الألوهة المرتبطة بالحقيقة الدينية الواحدة الموجودةعند المؤمنين الحكماء قاطبة. فابن عربي الذي يؤمن بأن الوجود هو أصل التشابه والتباين وعلة الجمع والفرق، يقول إنه في الواحد تجتمع الأشياء وتتفرق.(14). فالغايةالتي يتم التعبير عنها في الوعي الديني لدى المؤمنين بديانات مختلفة يعبَّر عنها بطرق مختلفة، إلا أن الجوهر واحد هو "الخلاص" أو "السماء" أو "النرفانا" أو "الاتحاد مع برهما" (موكشا). في تلك الغاية توجد الغبطة اللامتناهية. وهذه الصورة موجودة في الرصيد الروحي العميق والراقي لدى كلِّ الأديان والجماعات المؤمنة.

إن المهمة الشاقة المطلوبة من العقول النيِّرة والإرادات الخيِّرة العاملة في الشأن الديني وفي حقول الدنيا هو تجديد جذوة الإيمان الصافي في النفوس وإرواء العقل الإنساني المتعطش دائمًا إلى المعرفة العلمية المتجددة.

 

 

الهوامش

 

1-      Heidegger: L’être et le temps. Gallimard, Paris, 1964, p. 259.

2-      Spinoza: Ethique (1677). Ed. Flammarion, Paris, p.11.

3-      هيغل . موسوعة العلوم الفلسفية. ترجمة أمام عبد الفتاح أمام . القاهرة , 1985, ص. 287.

4-      Paul Ricoeur. Histoire et verite. Ed. Du Seuil, 1964, p. 56.

5-      Edgar Morin. L’erreur de sous estimer. Paris, 1989. P. 343.

6-      Netzche. Oeuvresprosthumes. Mercure de France. P. 163.

7-      كارل بوبر. عن حوارات في الفكر المعاصر. البيادر. الرباط. 1991. ص. 17.

8-      فرانسوا شاتليه. الأيديولوجية والحقيقة. دراسات عربية. بيروت شباط ( فبراير) 1964, ص. 17

9-      Michel Foucaul. Surveiller et punir. Gallimard. Paris. 1975. P. 32.

10-  Bachelard G. Le nouvel esprit scientifique. Ed. ENAG, Algerie. 1990. P. 18-19.

11-  Max Parutz. Is science necessary? Essays on science and scientists. Oxford un-ty, press London 1992, p. 6.-7

12-  والتر ستيس. الدين و العقل الحديث. ترجمة أمام عبد الفتاح أمام. مكتبة مدبولي , القاهرة, 1998, ص . 282.

13-  راجع بهذ الصدد معظم أعمال تيار دي شاردن و ابرزها " العلم و المسيح". منشورات المركز الرعوي للأبحاث و الدراسات  بيروت . 1994,  الطبعة العربية. و كتاب Jean Charon. L’espritcet inconnu. Ed. Albin Michel, Paris, 1977.

14-  راجع أبن عربي كتاب التجليات . دار أحياء التراث العربي, ص. 32, بدون تاريخ أصدار.

 

سهيل فرح: رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات