الرئيسية » حضاريات » مفهوم الحقيقة العلمية – سهيل فرح / الجزء الثاني
مفهوم الحقيقة العلمية

مفهوم الحقيقة العلمية – سهيل فرح / الجزء الثاني

وكما يقول كبارفلاسفة العلم فإن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه والتحرر الدائم منها. والعلم يمضيقُدُمًا في كشف مستمر لأسرار الأرض والكون؛ وتلك الأسرار تشكل المادة التي لا تنتهيللبحث والاستنتاج ولإعادة التجربة من جديد. تلك وقائع بديهية؛ من ينكرها ينكر أهميةالعقل العلمي في الحياة، وينكر الجانب الذي يساعد على بقاء حياة الكائنات وتحسينهاواستمراريتها. بيد أن المسألة التي يجب الوقوف عندها هي الأسئلة الفلسفية الملحَّةالتي تطرح نفسها حول علاقة العلم بالحياة، بالمادة والروح، وبالكون. بمعنى آخر: هلالحقيقة، بمعناها الفلسفي، هي علمية فقط؟ وهل الحياة علم وعقل فقط؟ أين الحقائقالأخرى في الحياة والكون؟ وهل يحمل الإنسان بعدًا واحدًا ماديًّا، أم أن له أبعادًاأخرى؟ وهناك أسئلة فلسفية أخرى تتعلق بالمعايير العلمية التي بموجبها نصوِّرأحكامنا الصائبة أو الخاطئة التي على أساسها نقبل بعض المبادئ ولا نقبل مبادئ أخرى.

كيف، على سبيل المثال، يمكننا أن نفرق بين معيارين مختلفين للحقيقة؟ كيف نفرقبين سببين لقبول أحد المبادئ؟ إن السبب أو الأسباب التي تحملنا على تصديق نصٍّ ماهو أننا نستطيع أن نستنبط منه نتائج يمكن تدقيقها بالمشاهدة؛ أو، بكلام آخر، نحننصدِّق النصَّ بسبب نتائجه: نصدق قوانين نيوتن، مثلاً، لأننا نستطيع بواسطتها أننحسب حركات الأجرام السماوية. والسبب الثاني هو أننا نصدق نصًّا ما لأنه يمكناستنباطه منطقيًّا من المبادئ الجلية. وفي لغتنا العلمية الحديثة نطلق على ذلكتسمية المعيار العلمي. وكافة النتائج العلمية السليمة ترتكز على الفرضيات التي لايمكن إثباتها إلا بالتجربة.

بيد أن كلَّ الفروض والنتائج تبقى نسبية، إلى أنتأتي فرضيات ونتائج أخرى لتحلَّ محلَّها؛ لذا فليس من حقيقة ثابتة في العلم. إنالمعيار العلمي للحقيقة ينطلق من الرؤية التي تماثل بين رؤية العين ورؤية العقل. وهذا المعيار هو، بدوره، خاضع لأكثر من تأويل، وتكون نتائجه أقرب إلى الغموضوالتعقيد. هنا يتساءل المرء عن الفائدة العلمية لهذه المبادئ؟ فمن المفروض أن هذهالمبادئ تعطي توصيفًا مقنعًا، وربما نهائيًّا، للكون والإنسان. فإذا ما تم اعتبارالمجتمع البشري صورة عن الكون فإن الإنسان يتصرف بصورة طبيعية عندما يسير أو يتصرفوفقا لقوانين الكون. إلا أنه، من جهة أخرى، وإذا ما تم اعتبار أن المبادئ العلميةتعطي توصيفا ما للكون، فإن هذا التوصيف ينطلق من الفرضية العلمية التي تقول إن كلَّالحقائق المادية يمكن استنباطها من قوانين الميكانيكا الكهربائية والديناميكاوالذرة؛ وهذا يوقعنا في مخاطرة القول إنه ليس هناك في هذا الكون من وجود سوىللمادة، علمًا أن الكثير من المسائل الكونية التي تخرج عن إطار رؤية العين والعقل،والتي تدخل في إطار العالم الواسع الآفاق للروح والفن والإبداع، هي كلُّها حقائقموجودة، ولعلها تمثل الحالات الأكثر إشراقًا ومعنى في علاقة الإنسان بالكون.

فلسفة العلم، كما هو معلوم، انحازت إلى الرؤية الوضعية التي تعتبر أن العقل العلمينهاية النهايات، وكأن لا وجود لفلسفة أو روحانيات أو لاوعي؛ كما أنها ترسم له مهماتوحدودًا لا يمكنه تجاوزها. فالعلم، بطبيعته، غير ثابت؛ وحقائقه، بطبيعة الأمر، غيرثابتة. فهو يعمل دائمًا على تجديد نفسه بالرؤية الجديدة المعتمِدة على مستجداتالمصطلح والمنهج والمادة والموضوع. كما أن تاريخ العلم، كما يقول غاستونباشلار، "لا يُظهِر إيقاعًا متناوبًا بين الواقعية والوضعية، بين المذهب العقلي والمذهبالاختباري، بين مذهب الذرة ومذهب الطاقة، بين المنفصل والمتصل، ليس لأن سيكولوجيةالعالم تنوس في جهدها اليومي بين تشابه القوانين وتنوُّع الأشياء فحسب، بل لأنالفكر العلمي ينقسم انقسامًا واقعيًّا وانقسامًا وجوبيًّا في مجال كلِّ فكرةوصيغة" (10).

وإذا كانت الحال الواقعية للعلم كذلك – وهي كذلك على الأرجح – فإنالمعرفة العلمية للأمور، على واقعيتها وعقلانيتها وأهميتها الإنسانية الكبرى، معرفةنسبية، وكلُّ ما فيها قابل للتطور، للتعديل وللتغيير. من هنا ينبغي على المفكر أوالباحث في شؤون الدنيا والدين أن يحرِّر نفسه من وهم كان وقع فيه – ولا يزالالعديد من الفلاسفة وبعض علماء الطبيعيات والإنسانيات الذين يظنون أن الواقعيةوالعقلانية التامة محرابهم والذين يؤمنون أنهم قادرون على إعطاء صورة علمية واحدةللوجود. إنها نظرية غير متواضعة. فهذا الوجود الغزير، في كثرته ومعطياته الخارجيةوفي وحدته الصميمية الكونية على حدٍّ سواء، يجعلنا نقطة صغيرة فيه ويدفعنا إلىالاعتقاد بأن أية حقيقة من الحقائق لا يمكنها أن تحيط ولو بالجانب الضئيل منه. كماأن الوجود الديني والدنيوي، في نظر العالِم المتواضع، لا يُدرَك دفعة واحدة، أو منخلال علم معين أو حقل معرفي واحد، لا في التجربة ولا في العقل. من هنا ينبغي النظرإلى تركيبة العقل العلمي، وإلى كلِّ تجاربه وفتوحاته، على أساس أنها تركيبة متحركة،حتى ولو بدا هذا التركيب من الناحية الفكرية أو الفلسفية معضلة لا يمكن حلُّها.

فالعلم كما يشير ماكس بيروتز " كما هو في أي مسعى آخر , يمكن أن نعثر فيه على قديسين و دجالين, محاربين و رهبان, عباقرة و حمقى, مستبدين و عبيد, محسنين و بؤساء, و لكن ثمة سمة يشترك فيها أفضلهم مع كبار الكتاب و الموسيقيين و الفنانيين و هي الأبداع. فعقول الناس تفضل السير في الدروب المألوفة. أما أبداع أي شيء جديد كل الجدة, فأنه أمر ينطوي على قادر هائل من الصعوبة"(11). و التعريف هذا يدفعنا للتدقيق في الروتين الساكن في الحقيقة العلمية و المتحرك الدينلميكي فيها. بالواهم الخاطىء و بالواقعي الصحيح, بالمدمر و المسالم , بالأخلاقي و اللأخلاقي, بالأحادي المقلد الضيق الأفق و بالمبدع الشمولي الكوني.

و أذا خلصنا للقول هنا يمكننا الأقرار بأن العلم، بمعناه المجرد، يزوِّدنا بالمعرفة التقنية وينمِّي فهمنا للكون. فالعلموالحقيقة العلمية يوفران للإنسان القدر الواسع من المعلومات الملموسة، ويضعانخبرتهما كلَّها في نظام متسق رائع، إلا أنه صامت. فالصورة "المطلقة" التي ينقلهاالوضعيون، الكلاسيون منهم والجدد، والتي تعتبر أن العلم يتمكن من الفهم الكامللكلِّ ما يحدث، تجعلنا نتصور أن الإنسان يتصرف كساعة ميكانيكية يمكن، في حدود مايعلمه العلم، أن تسير على ما هي سائرة عليه، بلا وعي منها أو إرادة أو جهد أو ألمأو فرح أو مسؤولية؛ وهذا في الحقيقة مفهوم يحمل درجة عالية من المحدودية والابتذال. فالعلم لا يعرف ولا يحس باللذة والألم، بالجميل والقبيح، بالخير والشر، باللهوالخلود، إلخ.

إن العقل العلمي الذي يعرف حدوده الإبستمولوجية متواضع جدًا. فهويعمل في المادي والمحسوس ويبرع فيهما، ويسعى، إلى جانب دراسته للواقعي والعقلاني،لأن يفهم اللاواقعي والميتافيزيقي واللاواعي، وحتى الإحاطة ببعض أسرار الكونالعامة. فكبار علماء القرن العشرين، من أينشتاين إلى تسيلكوفسكي، ومن بلانك إلىفرنادسكي، ومن شارون إلى عظيموف، ومن تيار دُه شردان إلى كابيتساوشيبوف، يدركونجيدًا الطاقة الجبارة للعلم وفتوحاته الكبرى؛ إلا أنهم يدركون جيدًا أيضًا أن العلمليس كلَّ شيء في الحياة، ويعلمون جيدًا أن الكون يرتكز على تناغم المعادلة بينالروح والمادة.لذلك، عند نظرتنا للحقائق العلمية المتنوعة والحقائق الكونيةوالروحانية الواسعة، وعند قراءتنا وتحليلنا أيَّ نص، وبالذات إذا كان يحمل في طياتهشحنات واسعة من الرموز والاستعارات والصور والوجدانيات والروحانيات، ينبغي أن لايتم الانطلاق من التوصيف العقلاني الصارم. وفي هذا السياق لا يجوز النظر إلى الدينأو اللغة الدينية من باب المدخل العقلاني الصارم، أو من باب ما أسميناه بالحقيقةالعلمية التي يقول عنها بعضهم إنها شمولية. فالنظرة أو الحقيقة أو التجربة الذاتيةلدى المؤمنين تأتي عبر وجود ما نسميه حقيقة دينية، لها سماتها

وخصائصها ولغتهاوخطابها. وهذا ما يطرح علينا السؤال الآتي: هل الدين حال واقعية أو حقيقية؟