الرئيسية » سياسة واقتصاد » ميخايلوف: رؤية ثقافية بانورامية معمّقة
mihailov.jpg

ميخايلوف: رؤية ثقافية بانورامية معمّقة

خطاب يوري ميخايلوف – مدير دار نشر "لادومير"،أمام المشاركين منتدى "الإعلاميون في الدول الإسلامية ضد التطرف" (موسكو، 8 كانون الأول/ ديسمبر 2015)

 

إن كل تاريخ الإنسانية – هو تاريخ المحاولات التي لا تنتهي لتنفيذ الأحلام التي طال انتظارها من أجل السعادة، وأخذت تتشبع بمشاعر الكينونة العامة للإنسانية، ولكن روح الانتظار أخذت تنضب شيئاً فشيئاً. وأخذت المعاناة من أجل السعادة تحل على الشعوب، وتنقضي بسرعة خاطفة، ويحصل أن هذه الأحلام والرغبات مشروطة أحياناً بالظروف الحياتية، ولهذا وعلى امتداد حياة الإنسان تتناوب الأحلام البشرية واحد بعد الآخر وللأسف وبصور يائسة وبائسة. أما الحد الأعلى لتهديم هذه الأحلام للبشرية على الأرض يظهر قاسياً بما يسمى "الحلم الأمريكي". ولقد جاء في "إعلان الاستقلال لأمريكا" ما يلي: "يجب أن تتحسن حياة كل فرد، وتصبح أغنى ومليئة بالإمكانات لكل عضو في المجتمع بما يتوافق مع الطاقات والمواهب والنجاحات – بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية والظروف لمكان الولادة". ويكون مثل هذا النموذج من البناء الحياتي المقترح من قبل "البناة الآباء المؤسسون" في الولايات المتحدة الأمريكية، مثالاً لأولئك، وهم ليسوا قلائل في عالمنا المعاصر. وأصبحت تلك الدولة تجسيداً لما يحلم به اليهود تاريخياً بالأرض الموعودة.

 

إن تاريخ الإنسانية فارغ من محتواه من دون طموحات ورغبات العقول المتميّزة والقائدة لتحسين هذا العالم ولو عن طريق تقديم نموذج عملي يحتذى به – وفي كل مرة – يمتاز هذا النموذج بمؤشرات وميّزات خاصة، حتى يوضحون أطر المجتمع الذي يؤمّن الخير للجميع. وإنني أتصوّر أن الكثيرين قد قرؤوا، كما سمعت الأكثرية الساحقة من البشرية عن "دولة أفلاطون"، "أطلنطا الجديدة" للمؤلف فرنسيس بيكون، "يوتوبيا" لتوماس مور، "مدينة الشمس" للكاتب تومازو كامبانيلا، و"رحلة إلى إيكاريا" للمؤلف اتن غابي، و"الحلم الرابع" لفيرا بافلوفنا (من رواية "ما العمل؟") للكاتب الروسي نيقولا تشيرنوشيفسكي، "سديمية أندروميدا" للكاتب إيفان يفريموف، و"الجزيرة" للكاتب أولدز هاكسلي، و"وردة العالم" للمؤلف دانيل أندرييف والكثير من الأعمال الأخرى.

 

ولقد حاولت روسيا في أمسها القريب أن تطبّق على الواقع العملي بعضاً من الأفكار الطوباوية لبناء "المجتمع الشيوعي السعيد لكل الإنسانية"، وكما جاء في الطبعة الأخيرة لـ "برنامج الحزب الشيوعي السوفيتي" على لسان كارل ماركس "الشيوعية – هي السعادة الحقيقية للإنسانية جمعاء".

 

قليل من كان يعلم، أنه ومن أجل انتصار الأفكار الماركسية في المجتمع الدولي المنسجم في جو من السعادة، وأعرب رفيق وصديق كارل ماركس فريدريك إنجلز عن استعداده للتضحية بأي نسبة كانت من سكان العالم في أي حرب عالمية قادمة. "هكذا كتب في 13 كانون الثاني ديسمبر  1849 في مقالة: (الصراع في هنغاريا) – سوف تختفي ليس الطبقات الرجعية والسلالات فقط، بل الكثير من الشعوب الرجعية المتخلفة. وهذا سيكون أيضاً شكلاً من أشكال التقدم". أما الكره الشديد من جانب الألمان المركزيين، قد برز على لسان المقاتل من أجل السعادة الكونية ضد الأمم السلافية في أوروبا، – وكما عبَّر هو كأحد المعادين للقومية السلافية: "إن هؤلاء البرابرة السلافيان" يستحقون الإبادة الجماعية عقاباً لهم على الجرائم الدموية التي ارتكبوها، وسيكون ذلك "ثأراً دموياً" ومن الممكن القول وباختصار تجب إبادتهم عن طريق التصفية الجسدية، وحسب أحكام المذابح الجماعية. "ولهذا إن الكره للروس، – توسّع إنجلز بفكرته في شباط من ذلك العام – بما يسمى "ديمقراطية السادة السلافيان" – التي كانت وستتابع النشاط بين أوساط الألمان كشهوة ألمانية ثورية؛ ومن أيام الثورة (في العام 1948) تتابعت حركة الكره الألمانية بالنسبة إلى السلافيان التشيك والكروات، وفقط ومن خلال المساعدة الاستبدادية للإرهاب ضد شعوبهم السلافيان بإمكاننا بالتعاون مع البولنديين والمجريين أن نحمي الثورة من الخطر. ونحن نعرف جيداً أين يكثّف أعداء الثورة نشاطهم (أي أعداء الجزء السليم والنقي من الإنسانية – يو.م)، ففي روسيا، وفي المناطق السلافية للنمسا، ومن دون أية عبارات أو إشارات إلى المستقبل اللاديمقراطي غير المحدود لهذه الدول لا تعرقل عملنا بالتعامل مع أعدائنا، كما يجب أن نتعامل مع الأعداء الحقيقيين. إن الصراع (مع السلافية) لتصفية السلافيان عن طريق الإرهاب الوحشي الفاشي- لم يكن ولن يكون في مصلحة ألمانية، بل في مصلحة هذه الأنشطة "الثورية" الإرهابية (أي المواطنين المستقبليين المرتزقة من جميع أنحاء العالم ولحسن الحظ والسعادة الحقيقية، ليس للروس ولا للشعوب الصديقة والأخوية لهم ولشعوبهم مكان في أنشطة هذه القوى الإرهابية المسلحة. يو. م).

 

إن التراجيديا قد انعكست على العالم أجمع من دون حدود، ولم يتمكن الشعب الألماني من إقامة السعادة على الأرض الأم لماركس وإنجلز. وفي خطابه الذي ألقاه هنري هملر في 13 تموز يوليو قال أمام قوات "س س" المتوجّهة إلى الجبهة الشرقية ما يلي: "من جهة تقف قوى القومي- الاشتراكي- الذي تقوم إيديولوجيته على أسس ومقدرات الدم الألماني القومي، ويقف العالم، الذي نريد أن نراه – رائعاً منظماً تنظيماً متميّزاً وعادلاً من حيث المعنى الاجتماعي للسلم والذي ما زال يعاني من الكثير من السلبيات والنواقص، ولكن وبصورة إجمالية سعيد ورائع ومليئاً بالثقافة، ومثل هذا العالم نرى أمامنا البلاد الألمانية".

 

    وتجدر الإشارة إلى أنه قبل 3 نيسان إبريل 1937، وبعد مرور أربع سنوات وبعد الانتخابات العامة للمستشار الألماني أدولف هتلر، أو كما يسمونه "هتلر المحرر"، كما كان يكتب الألمان آنذاك، وهم يؤيدون زعيمهم: "الشعب في ألمانيا يعيش ظروفاً سعيدة، وأكثر رخاء من أي مكان في العالم".

 

ونحن في روسيا كنّا نعلم كم كان ثمن هذه السعادة، التي يتكلمون عنها غالياً جداً، وتعوّد الشعب أن يقّدم شتّى التضحيات، ولم يتخاذل أبناء الشعب الروسي عن تقديم كافة التضحيات مهما كانت صعبة وقاسية لبناء المجتمعات المعاصرة. وحتى يعيش أولئك الذين يبقون في هذا العالم من الأحياء. "ومن أجل العيش بصورة أفضل، عليه أن يملك الإرادة لإبداء الابتسامة برضاء وفرح".

 

وقد أشار نيقولاي بيرديايف- المفكر الروسي الشهير، والذي نُفي من روسيا بقرار من فلاديمير لينين ومعاونيه لتزمت بيرديايف الديني، ولقد كتب في مبحث "مملكة الروح، ومملكة القيصر" (1949) "إن هذا هو إيمان طوباوي، أي كل اعتقاد غير قابل للتنفيذ العملي". وحسب رأيي هذا شيء خطأ فهناك الكثير من القضايا التي تسمّى طوباوية تتحقق في الواقع العملي، وفي كثير من الحالات تأكّد ذلك من خلال التجارب. فعن الطوباوية تكلّم النقّاد عن تصوّرات توماس مور، وتومازو كامبانيلا، إتن غابي وغيرهم، وخاصة في فانتازيا شارل فوريه. ولكن الطوباوية التي تتناسب مع الحياة الجوهرية للإنسانية، والتي من الصعب تجاوزها، لأن الإنسان الجريح بشر العالم المحيط، بأنه يمتلك الشعور بالحاجة إلى تصوير جوهر الحياة وأن يستنبط الشكل المتكامل، والبناء المنسجم مع ذاته ومع ما حوله كلياً، فالقضايا الطوباوية كانت تتحقق غالباً ولكن بشكل خاطئ. فالبلاشفة – طوباويون عندما اعتقدوا بالأفكار والشكل الكامل كلياً، ولكنهم كانوا واقعيين وفي هذا المقام كانوا يطبّقون وبصورة خاطئة طوباويتهم، فالطوباويات قابلة للتنفيذ ولكن تحت شروط ضرورية تحريفية لدرجة ما، وسنعود إلى هذه الفكرة لاحقاً.

 

وفي الوقت ذاته، سيكون الأمر شيئاً هائلاً، ولا تخضع لعجلة الزمن مقولة ونظرية المجتمع بأن السعادة هي قضايا دينية مسوغة بالتصوّرات الاجتماعية المستندة، وقبل كل شيء إلى مسائل مستعجلة وتصوّرات وهمية أحياناً. ومثل هذه القضايا تشكّل العامل الفعّال في "الحلم الأمريكي".

 

إن أشكال العيش المشترك المؤمنة في أطر التقاليد الدينية المختلفة عن بعضها البعض بصورة حتمية، لأنها قائمة على المرتكزات التاريخية – الثقافية لبعض الشعوب المحددة والمتميّزة، التي توجد في التعابير الواضحة في مختلف المدارس القومية الدينية والحقوقية. ومثل هذه المدارس مناداة لتكوين العلوم الاجتماعية سالفة الذكر، والتي تقوم على هدف رئيس – هو الدفاع عن السيادة الروحية للدولة، وإعطاء الأهالي لقاح المناعة والحصانة في علم الأمراض، والتي بدونها من غير الممكن الوقوف بثبات إلى جانب الأهداف الاجتماعية. وإذا لم تكن مثل هذه المدارس، أو كانت في طور التكوين، أو قضي عليها في طور التكوين، أو لم يسمحوا لها بالتكوّن، ويكون ذلك بتقديم الأفكار الفارغة للمتدينين وهذا يعني أن الدولة ستكون مجبرة على التضحية بمواطنيها العالقين في الشباك أو الواقعين تحت سكين المتعصبين والمنحرفين دينياً.

 

وبالنسبة للإنسان المؤمن الصادق في أسمى معاني السعادة هو عبادة الله، والأساس في ذلك هو العبادة، ولحظة السعادة الكبرى تحلّ عند اللقاء مع الخالق في يوم الحساب العظيم. والحصول من الرب العالي على التقدير، أي الحصول على المرتبة الجديدة للوجود – الحياة الأبدية وفي رحاب السعادة اللامحدودة، أي الكينونة الخالدة في الجنة.

 

وبما أن الحياة على الأرض – هي امتحان مديد قبل التحوّل إلى العالم الآخر، كل مؤمن يطمح إلى الفوز واجتياز هذا الامتحان بما يليق بإيمانه، وبشرف الإيمان. ولهذا من المهم له أن يعلم كيف عليه أن يتصرف، لأن إنجاز الأعمال في الدنيا، لا يتوافق مع القدر الإلهي. ولكن ما العمل عندما يوجّه الإدراك السلوك، حسب تعاليم الخالق، وتتداخل الأمور في تناقضات مباشرة مع التعاليم الصحيحة، الموضوعة من قبل الدولة، وبصورة أدق – ما هو مصير الناس غير المحررين من الإثم؟ فبالنسبة للإنسان المؤمن لا يمكن أن يكون لديه رأيان. وهكذا في بداية تشرين الأول أكتوبر أعلن رئيس قسم البطريركية الموسكوفية بخصوص العلاقات المشتركة بين الكنيسة ومجتمع القمامصة فسيفولود شابلن ما يلي: "بالنسبة للإنسان المؤمن إن حكم الرب يحتل المرتبة الأولى بين جميع الأحكام والقرارات والقوانين، وهو أعلى من قرارات بني البشر" وحسب كلمات شابلن إذا كان قرار الدولة يتناقض مع "الأحكام الربانية"، فإن المؤمن غير ملزم بتطبيق هذا القرار. "نعم، هكذا سنعيش، أعجب هذا البعض، أو لم يعجبهم!". – هكذا حذّر البطريرك الروسي للكنيسة الأرثوذكسية. وبخصوص هذا الأمر عند المسلمين، فالأمر متطابق، هنا ينفذ مبدأ "لا يُغفر لأحد لا يستغفر الله".

 

وبهذا الشكل، نأتي إلى المعضلة الرئيسة لليوم الذي نعيشه، كيف لنا أن ننسق بين قضايا الدولة المتنوعة، والعلاقات الدولية المختلفة، وكيف لنا أن نتجنب أوجه الصراع المتناقض على المجال الدولي، والذي يصل في بعض الأحيان إلى الصراع التناحري، الذي يزداد تدريجياً أو بصورة مباشرة كجريان أنهر من الدماء لمختلف الشعوب في حروب أهلية، أو بين الدول المجاورة؟ فمن الواضح، أن الحديث يجري هنا ليس عن القرارات الصادرة عن هذا أو ذاك لإشعال الحروب فهم كثر وفنانون أولئك الذين يفتعلون الأزمات. ومن جهة أصحاب المعتقدات الدينية فإن مثل هذه الأسئلة يجب أن تبحث بتأني وبمسؤولية كبيرة على جميع صعد الإيمان بالله، وحسب الشريعة. وعلى سبيل المثال، فإن البطريركية الموسكوفية قد عملت خلال سنوات عديدة للإجابة عن أسئلة المؤمنين، وقبل كل شيء العلاقة مع الكنيسة، ومسألة أن يصبح الفرد عضواً في الأخوية الدينية، أي الاعتراف الحر والصريح من قبل الإنسان بتأثير الكنيسة من خلال الاستيعاب للقرارات والتدابير المتخذة لتطوير شكل الحياة وأشكال التفكير، ومع هذا الاستيعاب شكّل التفكير، الذي يجب أن يتفاعل بشكل حيوي ويومي مع استيعاب أوجه الحياة المختلفة. وهذا الأخير يعتبر مصدراً للتأثير المهم والفعّال للكنيسة على الإنسان، وخاصةً السماح له بأن يكون مع التطوّر اليومي للعلاقات الجديدة بخصوص العالم، والعلاقة مع الذات الشخصية بادئ ذي بدء.

 

إن الثقافة التقليدية لروسيا تقوم على الكثير من الأسس الدينية، لأنه وحسب الظروف المعاصرة وما يسمى بالانبعاث على أسس دينية في دولتنا، فإن إدخال المواضيع الاجتماعية الأرثوذكسية لا يتطلب تفاسير إدراكية نظرية ولا تحاليل منهجية، فإن دعاة الديانة الإسلامية يعملون حسب تعاليم الشريعة الإسلامية. وتجدر الإشارة إلى أن الرسل والمبشّرين الإنجيليين "فلقيصر قيصريته، وللرب عرشه الإلهي" فالمعتقدات تتوزّع بين المسيحيين على اختلاف طوائفهم والمسلمين على اختلاف مذاهبهم ولقد تحوّلت العلاقات بين القيصر والخليفة إلى أشكال جديدة وتنعكس الآن بحدة أكثر من ذي قبل، وتحتدم العلاقات مع الدولة. وتمتاز هذه العلاقات الآن بأنها كلما تعمقت، كلما ازدادت الخلافات بين المحيط، ومع كل يوم، وحسب مُثل الحياة، فالمسلم من الممكن أن يتطوّر حسب الطاقة الروحية الكامنة في عالمه، ولذلك كل شيء مرتبط بشخصية الإنسان، وعقله الاجتماعي.

 

وإذا تكوّنت في الدولة مدرسة أرثوذكسية حقوقية قوية، أي كغيرها من المدارس الدينية الفاعلة في المجتمع (بما في ذلك المدارس ذات التوجّهات الاجتماعية القوية والهادفة إلى التطوّر النموذجي)، ومضاعفة قدراته الروحية، وكذلك تعقيدات الإمكانيات من قبل الشخصيات المسؤولة الذين يساعدون الدولة في تربية الكوادر من المواطنين الملتزمين بالقوانين المقترنة بالمواقع الحياتية الناشطة، والتي لا تؤدي إلى سوء في العلاقات، ولكن في واقعية الوضع، يصبح الوضع أكثر تعقيداً.

 

إن نجاح الدولة الإسلامية قد أظهر الكثير من المشاكل التي اصطدمت مع العقل البشري بشكل عام، وبالعقل الروسي على وجه الخصوص. أما المزايا الأخلاقية للعالم الإسلامي، والذي يتمثّل في المدارس الأرثوذكسية المشهورة التي أبدت عجزها أمام إيديولوجية هذا النظام الدولي في التعليم. ومهما بُذلت من محاولات وأية تعاويذ سقطت على رؤوس هذه المجموعات وأنصارهم وبغض النظر عن الأسماء المكبّرة والمعظّمة التي انتحلوها بما في ذلك "الدولة الإسلامية" – فكل شيء باء بالفشل الماحق والساحق، ومهما اتسعت مساحة ورقعة هذه الدولة الإسلامية، ومهما حاولوا أن يقوموا ببعض المحاولات من اعتداءات وقصف بالصواريخ والمدفعية، فإن جميع أنشطتهم ستبوء بالفشل أيضاً. وإننا نسمع أكثر من أي شيء الجعجعة المضطربة لقوى "الدولة الإسلامية" بلا جدوى.. ونخص هذا الموضوع بما يلي:

 

كما هو معروف من علم النفس إن أي "بروباغندا – حملة إعلامية تعتمد على تلك الطريقة المتجذرة في الناس منذ زمن بعيد والتي تستخدم الطرق والمخططات التي تؤثر على مشاعر الناس وإحساساتهم وتحدد طرق التفكير لعامة البشر، وبما أن الأمر يستخدم من قبل الأوساط المعتدلة ويجري على هذا النحو، فإن الفعالية الأساسية لهذه الدعاية، لا تتجاوز ذروة جبل جليدي عائم الذي يغرق منه تحت الماء القسم الأساسي. ولهذا، وكما يبدو لي أن النجاح الإيديولوجي لتنظيم "الدولة الإسلامية"، يتم شرحه ليس بالطريقة المعتادة لهوليود، التي تعوّد المعلقون أن يلصقوا بها كل الانطباعات المغرية بالنسبة للصحفيين وصخبهم، وتحت التأثير غير المباشر فإن تلك الحركات الميكانيكية المصطنعة للمؤمنين، التي تكوّن الصدى العاطفي الفضفاض، والذي يهيئ لهم التبرير بعد التبرير لمغادرة أوطانهم، وأقاربهم وأسرهم، ليتطوعوا في صفوف المسلحين ويسافروا إلى المناطق البعيدة في الغربة حالمين بالحصول على… – وأتصوّر أن أكثرية السامعين قد أدركوا أي كلمة أريد أن أستخدم مكان النقاط العديدة على ضوء ما كان قد ورد في الأعلى – أي كلمة السعادة. ولقد اطلعت أغلبية الشعب الروسي على الضجة حول قصة الفتاة الرومانسية التي بلغت من العمر ثمانية عشر عاماً وتدعى فاريا كاراوليغا، وهي فتاة ذكية وممتازة في دراستها، ولقد صدّقت أن "الدولة الإسلامية" ستصبح بالنسبة لها وللمقربين منها ولحبيبها البعيد مرتع السعادة التي لا حدود لها.

 

وفي التعليق على الرحلة التي قام بها الأمريكان إلى القمر قال روح الله الخميني (1902- 1989 قائد الثورة الإيرانية التي حصلت في إيران عام 1979) قال القائد آية الله ما يلي: "دعهم يصعدون إلى المريخ أو ما بعد مدارات مجرة درب التبانة – فهم، ومهما اجتهدوا، فلن يصلوا إلى السعادة الحقيقية".

 

أما بالنسبة لبعض الأسباب التي أدت إلى تحقيق مشروع "الدولة الإسلامية" فهي محدودة للغاية – وغالباً ما يحاولون الكلام عنها لإقناع المجتمع، ومن بينها تدمير فيلق الضباط، وبصورة أساسية هيكل الدولة في العراق وليبيا، والصراع الداخلي المحتدم في سورية. زد على ذلك، السياسة اللامسؤولة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، والعمليات السرية للقوات الخاصة والأسباب السابقة من أحداث نهاية القرن العشرين – وبداية القرن الواحد والعشرين، وفي الآونة الأخيرة نسمع دائماً، بأن "الدولة الإسلامية" – هي منظمة إرهابية لقطع الرؤوس، وهدفها الأساسي ينحصر في السيطرة على تجارة النفط والغاز ونهب الثروات الطبيعية في المنطقة وخاصة النفط، والمتاحف التي تحتوي على التحف والمجوهرات النادرة، وكل هذا كان يتم تحت رعاية أسرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

 

   وكما هو معروف، فمن أجل معالجة المريض، من الضروري أن يوضع التشخيص الصحيح للمرض. ولهذا، فمن أجل الوقوف وبفعالية ضد "الدولة الإسلامية"، من الضروري الكشف عن جذور مخططات هذا التنظيم الخطير، الذي وضع الأسس الفعلية لبناء البنية التحتية وطمح إلى متابعة الخطى لتكملة مواصفات الدولة في المستقبل. وليس من باب المصادفة أن المسؤول الأول عن المخابرات التركية (ميت) حاقان فيدان الحليف المقرّب جداً من أردوغان قد أعلن، أن "الدولة الإسلامية" تعتبر قوة فعلية، وعلينا أن نعترف بأننا لا نستطيع أن ندمر هذه القوة المنظمة بصورة جيدة، وقد وضعت خطة لبناء دولة مترامية الأطراف أسمتها "الدولة الإسلامية" ولهذا إنني أتوجّه إلى زملائي في البلدان الغربية بالنداء العملي أن تعيد النظر بموضوع الحركة الإسلامية السياسية، وأن تعيق تنفيذ المخططات التي ترغب الحركة الإسلامية بتنفيذها للوقوف ضد توجّهات فلاديمير بوتين للقضاء على من يسمون أنفسهم بـ "الثوّار الإسلاميين السوريين".

 

تجدر الإشارة إلى أن العنوان الذي نشر تحته البيان له مغزى خاص، وكان ذلك في الوكالة الألمانية أن رئيس الاستخبارات التركية يعلن: "الدولة الإسلامية – أمر واقع ونحن متفائلون بخصوص مستقبلها". فعن المزاعم والادعاءات، ليس كثيراً ولا قليلاً، فطموحات "الدولة الإسلامية" للقيادة في المنطقة تتكلم عن تغيير اسم "إيغيل – داعش" إلى الدولة الإسلامية، ولقد حصل ذلك بمساعي المشاركين في هذا التحالف الأردوغاني. ففي حزيران يونيو  2014 قد حُذفت كلياً تحديد المساحة الأرضية لهذه الدولة، وعلى مستوى القيادة أصبح يجري الكلام عن تشكيل "خلافة إسلامية".

 

إنني أعتقد، وأنا أبين كذب التفسير للسبب الأول للنجاح، الذي حققته "الدولة الإسلامية" على أنه "حرفية حربية هائلة" وأعربت وزارة الإعلام والدعاية لهذا التنظيم: إننا محقون أن نعلن ونميّز ما هو سطحي ولا يعطي تصوراً كاملاً عن حقيقة جوهر الظواهر، وكل الأسباب الباقية المذكورة أعلاه.

 

وهكذا إنني على ثقة، بأنه كان من الحتمي، عاجلاً أم آجلاً، أن يظهر تنظيم قريب من الدولة الإسلامية، وإنني على ثقة بأن الوضع الحالي للفكر الإسلامي يقدم تنظيم الدولة الإسلامية بصورة فعلية، ولكن الأوضاع الدرامية في الشرق الأوسط قد عجّل في ذلك إلى ما آلت الأمور إليه، وخاصة تموضع داعش في العراق وسورية على مساحة شاسعة من الأرض.

 

وفي بداية تشرين الأول أكتوبر  انعقد في موسكو مؤتمر ذو طابع دولي تحت عنوان: "الفكر الإسلامي ضد الإرهاب" ولقد اُتخذت مجموعة من القرارات، لم تجد في بلدنا صداً واسعاً لها، وكان ذلك أمراً غريباً، ولكن هذا المؤتمر قد أعطى أجوبة عملية عن كثير من الأسئلة التي نُوقشت في المؤتمر وتحظى باهتمام كبير من قبل الرأي العام السياسي والاجتماعي. وفي كلمتي في المؤتمر تحدّثت عن الكثير من المشاكل، التي أتابع بحثها وتطويرها في هذه المقالة.

 

لقد شارك في هذا المؤتمر الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي السيد اكمال الدين إحسان أوغلو، إذ قال: وعلى وجه الخصوص من الضروري أن يتم التحليل، لماذا لا تعرض اليوم، ولا واحدة من الدول الإسلامية مواقع القيادة في العالم. فإنني أضيف: حتى في أصغر الصغائر للنزاعات المهمة، لا يوجد لها أي أثر يذكر.

 

أما فترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكل القرن العشرين فقد مضت وانتهت تحت متابعة المحاولات لتفهم وضع العالم الإسلامي وتم الاقتراح للعديد من الوصفات من أجل تصحيح الوضع واستقامته.

 

ولقد تتابع النضال على مسامع الأسماء المعروفة مثل جمال الدين الأفغاني (1838-1897)، محمد عبدو (1849-1905)، عبد الرحمن الكواكبي (1855- 1902)، رفيق العظمة (1887-1925)، محمد رشيد رضا (1865-1954)، محمد إقبال (1877-1938)، سيد قطب (1906-1966)، علي عبد الرزاق (1888-1938)، علي شريعتي (1933-1977)، أبو العلاء المودودي (1903-1979) وغيرهم.

 

وفي معرض الكلام عن المرحلة الأولى من الانحطاط الإسلامي، أشار الكواكبي أن السقوط قد ابتدأ "قبل ألف سنة مضت وأكثر" ومن بين الأسباب حدد العلامة المفكر تعاقب الديانات وتنافسها في تحديد العلوم للديانات السماوية والنقاشات البيزنطية والتي لا تقود إلى منفعة، عدم التروي والصبر في تفهم الديانات، الجهل، استبداد الحكام الكاذبين، كما تكلم الكواكبي عن الديانات التي فقدت حيويتها وفعاليتها التي عانت من الضعف، والتخلف، والتراجع الرجعي. ومن باب المحاولة لملئ مصطلح "الجهاد" بمضمون نفعي وضروري وتفسيره من باب حرية الكلمة والإيمان بالمعتقدات. وقام الكواكبي بنقد التطبيق المعاصر للاجتهاد، وأشار مؤكداً أن المجتهدين المعاصرين وفي أفضل الحالات يؤدي إلى القراءة السطحية الآلية. ومن خلال الاعتماد على مبدأ الاجتهاد، إلى جانب المبادئ الأخرى في إدراك الحرية للإنسان. وناضل الكواكبي من أجل الحرية الشخصية التي من غير الممكن بدونها أن يتم القضاء على الاستبداد، الذي يخنق العالم الإسلامي. وإن فقدان الحرية -كما قال الكواكبي- في نهاية المطاف يؤدي إلى موت الأرواح، وخرق الحريات والقوانين، وعرقلة مسيرة التطور الاجتماعي والوطني للمجتمع الإسلامي.

 

 ولقد أعرب سيد قطب عن الموقف الإسلامي، إذ أكد أن المجتمع الإسلامي الحقيقي "قد أُوقف وجوده منذ تلك اللحظة التي انتهت فيها الإدارة حسب القوانين الإلهية". وحدث هذا، حسب رأي قطب، منذ زمن بعيد (قبل عدة قرون) وان العقل الحقيقي قد دُفن تحت "ركام الأيديولوجيا الإسلامية، وتحت أطلال الأشكال الاجتماعية والأنظمة التي لا تملك أي علاقة مع الإسلام، ولا إلى الطريق التي تؤدي إليه، وهذا يتم بغض النظر عن أن بعض العلماء المسلمون يؤكدون بأن المسلمين متواجدون في أطر ما يسمى العالم الإسلامي". ولقد أكد قطب أنه وفي الوقت المعاصر "يعيش العالم في الجاهلية".

 

وعلى وجه التقريب، وفي هذا الإطار تتصارع الأفكار والنقاشات لأولئك المهتمين بمصائر وأوضاع الشعوب الإسلامية، وإذا حصرنا التفكير نجد أن جُلّ المواضيع يتناول الجمود الفكري الذي يقيد العقل الإسلامي في تطوره المعاصر، ويفرض الطرق الكلامية الجامدة، والتفكير العقائدي الجامد في تفسير المعارف الدينية، بما في ذلك الفضاء الروحي، الذي يحيط بآفاق وأبعاد المدارس والمذاهب والعلاقات في المعاهد الدراسية حتى الجامعات الرائدة الأساسية. وتعتبر المعاهد والجامعات والمراكز الروسية ليس استثناءً يذكر في التوجّهات العامة لدراسة معضلات المجتمعات الإسلامية على المستوى الدولي. وفي النتيجة يتوجّه قسم كبير من الدارسين في المجتمعات الإسلامية للبحث في التاريخ القديم جداً ليتعرفوا إلى تاريخ تطور الإنسانية، الذي من الضروري العودة إليه بين الحين والآخر، ولو كان الأمر من باب التقليد الشكلي لذاك الوقت.

 

ويتكلّم البعض عادة عن "العصر الذهبي" للخلافة الإسلامية، ولكنهم يقصدون وقبل أي شيء آخر عصر النبي محمد (صلعم)، (وكما كتب المودودي، لقد كانت لتلك الفترة "حضارة وثقافة بدون أي إشارة إلى النواقص، والخسائر والسلبيات في التطور الاجتماعي") وكان البعض يحب أن يمحّص في صفحات التطوّر للعالم المحيط، وغياب العدالة الاجتماعية في بعض النواحي، التي يبتعد بعض الحكّام عن العلوم الحيّة للإسلام، والتي تتطلب من الدارسين تفاسير صحيحة في المقارنة مع الأمور المعاصرة، ويتعامل مع هذه الديانة كمعتقد حلّ به الجمود مرة وإلى الأبد.

 

إن تصلّب الأطراف يتطلبالغلاج بشرارة كهربائية خاصة تبعث الحياة من جديد في البنية الجسمانية بالطرق الكلامية والفكرية المشعّة، وتسخير العقل لتفعيل التطور الاجتماعي وبعث الحياة الجديدة عن طريق صحوات المؤمنين والاقتداء قدر الإمكان بالسيرة النبوية للارتقاء قدر الإمكان إلى مراتب متقدمة في التطوّر الاجتماعي وبالاستناد على القضايا التاريخية والتقارب الحضاري انطلاقاً من جوهر كينونيته حتى يستمر الإنسان بوقوفه وبثبات على الطريق المستقيمة لمتابعة السير القويم إلى الله، والعيش في ظل السعادة الشفّافة والصادقة، أي أن يعيش الإنسان الحياة الروحية للوصول إلى الكمال الأخلاقي والروحي، والتمتّع بكل ما تمّ تجميعه تاريخياً بالنشاط الإنساني لاستيعاب الثروة المعرفية الخلاّقة. (وفي هذا سرّ الخالق مع بني الإنسان) ومن خلال ذلك يتمّ الكشف عن القدرة الإبداعية الذاتية المهداة للإنسان، ولكن بطريقة ما من قبل الخالق حتى يقوم بتنفيذ مهمته الخاصة. وهؤلاء الناس يصنعون حياتهم في مهمة البعث الميكانيكي في أشكال النمط الحياتي للرسول والناس المحيطين به، وهم يحولون هذا النمط نفسه، من حيث الجوهر، إلى صنم وثني ينحنون أمامه بحماسة، وهم يتهمون بالتكفير والإلحاد كل من لا يتفق معهم في الرأي، وهم على استعداد أن يُجهزوا على منافسيهم أو منتقديهم كما يجهزون على أعدائهم بما في ذلك ارتكاب الجرائم والتعذيب السادي، وقتلهم وقطع رؤوسهم، وكأنهم على ثقة تامّة أن مثل هذه الأعمال الإجرامية ستلقى التأييد والترحيب عند الله كشهادة على نقاوة إيمانهم. وبالمناسبة، إنهم يحتلون المدن على طرف من السرعة ويقومون بالقتل للأطفال والنساء والكهلة، وتدمير المتاحف والمكتبات ورجال الإفتاء المحليين، ويقوم تنظيم داعش بشتّى الأعمال الإجرامية مع كل من يعارض تصرفاتهم.

 

 ولقد جاء في علم النفس منذ أمد بعيد أنه إذا لم يكن أحد يميل إلى قهر الآخر، الذي لا يوافق معه، فإن ذلك يدل وبصورة مباشرة على عدم ثبات القاهر في موقعه، وفي حالتنا – عن ضعف عقيدته (لنتذكر القصة الواردة في القرآن عن البدو: بغض النظر عن اعتناقهم الإسلام، فإن "العقيدة لم تدخل إلى قلوبهم" (الآية 49 :14) وبما أن العقيدة عند المستبد لا حرارة فيها، فيشعر بها كجرح روحي يعذبه باستمرار، وهو يحتاج إلى أناس جدد ليمارس القهر والجريمة ضدهم، وهو يقنع نفسه بأن هذا الاستبداد يتم باسم الله ولذلك يشعر المجرم المستبد أنه ينفذ إرادة الله وأوامره.

 

لقد كتب محمد عبدو عن أن أولئك، الذين "يتبعون بعمى الأثر الأبيض" مصابون بـ "مرض عمى الألوان" "في البداية يؤمنون في شيء ما، ويقنعون أنفسهم، ثم يبحثون عن أساس لذلك، علماً أن الأمر يتطلب مثل هذه الأسس، التي تتطابق مع ذلك الذي اعتقدوا به. وإذا لم يحصل مثل هذا التطابق، فهم يجيبون بأي حجة كانت، ويعارضون لتلك الحالة، التي يجب عليهم رفضها بكل وسائل العقل". وفي المقدمة لكتابه "أم القرى" توجّه محمد عبدو إلى القارئ بنداء ليكون عضواً في "جمعية البحوث بالطريق الصحيحة"، وليس "جمعية المقلدين". ولنذكر أخيراً ما جاء في القرآن:"قل يا أناس الكتاب المقدس! لا تفرطوا بواجباتكم (أمام الله) وتبتعدون عن الحقيقة، ولا تقتفوا عيوب الناس الذين أخطؤوا سابقاً، وقادوا الناس على الأخطاء، أم (هم) فقد ابتعدوا عن الطريق الصحيح" (77 :5).

 

أما بالنسبة لمركز المعلومات الذي تأسس في مطلع القرن العشرين فقد ضمّ عدداً كبيراً من الصالات، وكثيراً من الأفكار الغريبة التي كانت سابقاً ضمن إطار المعلومات غير المأنوسة بغرابتها. ولقد حصل أنصار الأفكار الراديكالية لإعادة بناء الكون الأرضي، كما حصلوا على المنابر العالية وفيالق التابعين الذين لا يخونون

 

ولقد بقي لنا أن نذكّر الأمريكان بخصوص مشروعهم "الشرق الأوسط الكبير" مع الأوهام بنشر الديمقراطية حسب المعايير الغربية أمر صعب تحقيقه. ونقول أن الدول الإسلامية ترفض أن تطبق "الحلم الأمريكي" ويسيرون خلفها كما يسيرون خلف النجمة الدليل في الطريق المجهول، بغض النظر عن أن الغرب لن يكون راضياً عن هذا، وأخذ يحطم كل ما هو حوله كما يفعل الفيل في دكان للأواني الزجاجية، محدثاً المشاكل الكثيرة في التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

 

ولقد عملت الولايات المتحدة الأمريكية وبشكل فعّال لتوحيد القوى التي توافق على مخططها وقامت بتسليح بعض القوى الموالية لها، ودفعت الولايات المتحدة الأمريكية الأحداث في الاتجاه الذي يصعب عليها أن ترى النهاية السليمة له. وهكذا اتسعت المساحة الجغرافية التي استولت عليها قوى داعش والنصرة، وقدم المسلحون من شتّى بقاع العالم وبأشكال وأسلحة مختلفة لإعادة تكوين خلافة إسلامية بعدة وعتاد ومخططات جديدة وكأنهم يرغبون ببناء المجتمع السعيد على الأرض. وفي هذا بالذات كان ينحصر نجاح الدعاية لقوى داعش وحليفاتها – ولكنها لم تتمكن من تحقيق ما كان يطمح إليه المجتمع الإسلامي المؤمن منذ أمد بعيد. ولهذا وبالذات أصبح داعش المركز لاستقطاب المسلمين من شتّى بلدان العالم التي يزيد عددها عن ثمانين دولة. وبالطبع، ومفهوم كلياً، أن عدداً كبيراً من المسلمين المتطوعين والمرتزقة القادمين لم يجدوا ما وعدوا به. وهذا ما يتناسب مع حركة التاريخ، لأن الحركة عكس التيار المائي والهوائي وقوى الدفع الأخرى غير ممكنة، ولن يكتب لها النجاح.

 

وهكذا، ما هو تنظيم داعش؟

 

أولاً، من الممكن القول أنه بمثابة المحاولة لتطبيق الفكرة الطوباوية أن يعيد تكوين الخلافة الإسلامية كما كانت في التاريخ الذي تركه التاريخ خلفه.

 

لقد كتب علي عبد الرزاق، أنه وفي بداية الدعوة الإسلامية لم يكن أساس عملي لتكوين الدولة، واعتمد الإسلام على إقامة وحدة روحية أخلاقية لتوحيد العقول، وإشادة الموجة الأخيرة في اختيار البنية السياسية. ومن خلال اختيار الشكل للدولة قام عبد الرزاق بالدعوة للتوجّه إلى حلول العقل، وتجربة الأمة مع التوجّهات السياسية؛ فالخلافة – ليست أكثر من تكوينة سياسية تاريخية لتجربة المسلمين في مجال بناء الدولة.

 

وهذا ما قاله سيد قطب: "المجتمع الإسلامي، من وجهة نظر شكله ومجاله، هو تعبير عن أفكار القوى المسيطرة في بناء أطره الحياتية ولا يعكس الشكل التاريخي الثابت والذي لا يتزحزح".

 

كان بإمكان الحضارة الإسلامية "أن تتخذ الأشكال المختلفة في عملية التطور المادي"؛ وعلى المجتمع الإسلامي أن يكون مرناً في الأمور التي تخص الأشكال الخارجية.

 

وهنا أريد أن أعود إلى المقولة التي استشهدت بها سابقاً من قول نيقولاي بيرديايف: "الطوباويات تتنفذ أحياناً، ولكن بشروط أكيدة لانحرافاتها". ولهذا في داعش ومن أجل توفير مجتمع السعادة المشوّهة كما في زمن الفاشية الهتلرية مع اللينينية – الستالينية، الذين عاشوا في الطوباوية، حيث تسيل أنهر من الدماء، ويستمر القتل والدمار- "لأعداء الشعب".

 

إن القرن العشرين كان يمتاز بصعوبته بالنسبة للإنسانية بالتجارب والامتحانات لتطبيق الطوباويات الاجتماعية الكبيرة: الفاشية الاشتراكية القومية والشيوعية. أما محاولة إعادة إنشاء الخلافة التاريخية – فهي وفي معنى محدد، ذروة تلك المرحلة، وفي هذا معتمدة على الأسس الدينية.

 

ثانياً، إن داعش – يعدُّ تنظيماً فاشياً صارماً وقائماً على البنية الديكتاتورية العامودية (يتزعمه الخليفة من الطائفة السنية، ويتّسم بالصفة الديكتاتورية. ويصدر الأوامر التي لا ترد ولا تناقش، وينصّب نفسه كخليفة للإله على الأرض، وينفذ مهمة المهدي) ويعيّن الخليفة طاقماً إدارياً تابعاً له يقوم بتعميم وتنفيذ أوامر الخليفة لتحقيق الأهداف العقائدية، ويقوم الخليفة بإسعاد الإنسانية عن طريق الإنقاذ (من كل ذات طابع آثم، وكل شيء حرام) وعبر التدمير المخطط له في ذلك القسم ومن دون شفقة، وكل شيء يهدد بالشر (وهنا يجري الكلام عن قتل كل من لا يوافق مع رأي الخليفة) واحتلال السيادة الدولية وبناء البيوت على حطام المدن المدمرة لتلك الحضارة الوثنية للمجتمع المعاصر، وكل العالم خاضع للقانون الإلهي (الشريعة) والخليفة – ولي الإله الأعلى والأوحد الحامل والمعبّر عن التفسير الصحيح وإرادته العليا.

 

ثالثاً، داعش – هو تعظيم وتأليه الوثنية.

 

وكل من قرأ القرآن يعرف ويذكر قول الله: "وهل لم تر ذلك الذي أله هواه؟ لقد دفع به الله إلى الضياع، واحزن سمعه وقلبه وغطى على نظره بالحسد" (23 :45) في داعش لا يوجد شيء يشير إلى وجود الإسلام الحقيقي، وفقط العنجهية والجهل والكبرياء الذي يتباهى به وهو يقطع الرؤوس ويأكل قلوب الأبرياء. حقاً إن مشهد هؤلاء الكتل السوداء، يمثلون الغباء المتحرك لكتل شبه بشرية بلا عقل. وهم على استعداد أن يقتلوا الأبرياء ويقذفوا بهم من أعالي البنايات وهم أحياء، وهذا ما فعلوه مع ملايين البشر من أبناء الشعب العربي. ولقد قال محمد عبدو عبارته الشهيرة: "لقد خرج المتعصبون الأصوليون خارج أطر العقيدة باسم العقيدة ذاتها".

 

رابعاً، داعش هو تجمع الشتات من قساة القلوب غير الراضين عن مصائرهم، حاقدين، وغاضبين بؤساء مجبولين باللؤم، مضطهدين أرواحهم، لم يجدوا أنفسهم في الحياة، ولهذا فقدوا معنى الرجولة في التعامل معها، قاموا بـ "الهجرة" إلى "محمية الإله" من الأرض (المصانة من الإثم بجيشه الطليعي) وبهذا نفسه قام هذا الجيش بالفصل مع مملكة الأصنام والأوثان؛ وهذا المجتمع للرجال، المسلحين بالتعطش "للثأر الحقوقي، الذي نمى في عالمهم السلبي والأفكار بالتحقق الذاتي وبصورة بطولية على هذا الطريق عبر القسوة والشمولية لتدمير العدو – الشر، وإذا تطلب الأمر عبر تقديم الذات كضحية (رفض الحياة الأرضية إلى العالم الآخر) من أجل الأهداف العليا – وإنقاذ ما خلق الله على الأرض من التوحش البشري المتجسد في تأسيس الخلافة في القرن الواحد والعشرين كعالم السعادة للرجولة العليا، التي تتغير فيه بصورة شبه جذرية أشكال الحياة (بالنسبة للنصف الأنثوي من البشر كما تتغيّر أشكال التطبيق في المشرق للاستبداد بالمرأة) وخاصة بالنسبة للمجتمعات الأصولية المتشددة التي تتحكم فيها الكراهية الدينية المتعصبة. زد على ذلك، أن هناك بعض الرومانسيين والمثاليين الذين ضربهم العمى في حب ذواتهم ونرجسيتهم.

 

خامساً، دور داعش وحليفاتها الإرهابية، إذ عملت الخلايا الإرهابية القومية على المستوى الدولي لتكوّن العصابات الإرهابية الإجرامية، وكان ذلك إحدى نتائج مرحلة تعميق الأزمة التأسيسية للنظام العالمي. وكان من الصعب الانفصال عن المشاعر، أنه وفي رئاسة داعش قد حلّ المنحلون أخلاقياً بدلاً من الأفراد شبه الأوروبيين، وأن التدريب في كثير من العلاقات عند الأشخاص لا توجد نقطة إيمان، ولكن توجد مفاهيم محددة، حول المكان الذي توجد فيه عقب آخيل للسياسة الدولية الخفية.

 

وباختصار من الممكن القول، أن داعش هو نتيجة لعصر رمادي قد انبعث نتيجة الجمود العقائدي الذي استمر لكثير من القرون في الفكر الإسلامي، ونتيجة لعمليات التسلح الكبيرة، وقد عادت بدورة عكسية كاملة ضمن هذا الجو السياسي الرمادي المشبوه، وبالإضافة إلى تلك الحيوية التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية لزيادة التأزم الدولي.

 

إنني أفكر، الآن وبصورة واضحة، لماذا كل هذه القذائف المدمرة لم تتمكن من تدمير داعش، ولماذا لم تصل الضربات الموجعة إلى أهدافها. ولماذا تتمكّن قوات داعش المسلحة من متابعة الهجوم العنيف ضد الحضارة المعاصرة. وأفكّر أنه أصبح واضحاً، لماذا تكون مجابهة الداعشيين غير مجدية رغم استخدام القوات الخاصة لمختلف الأساليب القتالية التي تقوم بها. ويحصل هذا لأن التعلّق والتمسك بالأراضي الموالية لهذه الدولة وتوسعها في الأماكن الجديدة هي أشياء شرطية تقديرية، بالإضافة إلى أن عدد هؤلاء الموالين يزداد باستمرار. فهم متواجدون في كل مكان، لأن العناد الشخصي في عقولهم يتجاوز كافة حدود العناد والمجابهة الدينية المتعصبة، بما في ذلك تكسير العظام، واستخدام كافة الطرق الإجرامية للعصابات المسلحة. فماذا علينا أن نفعل؟

 

في 29 أيلول سبتمبر  2015 جاء في الخطاب للمشتركين في مؤتمر الأمم المتحدة، قال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما ما يلي: "إن الجماعات المسلحة والمتطرفة "للدولة الإسلامية" لن تنتصر بقوة السلاح ولكن من الممكن أن تتوصل إلى شيء من التفاهم بطرح الأفكار السلمية" فمن كان بإمكانه أن يناقش؟ فمنذ قديم الزمان والقرون السالفة كان من المعروف، أنه من الممكن دحض الأفكار بالأفكار فقط ولكن وللأسف إن مثل هذا الأسلوب لا يستخدم الآن من قبل الإرهابيين، وكان عدد الذين يفكرون بعقولهم بين الإرهابيين قليل، واعتقدوا أن عددهم قليل ليس عندنا فقط، بل في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه مسالة مهمة من الضروري الاهتمام بها مهما بلغ الثمن وسوف تحل عند ذلك القضايا المعقدة بسرعة أكبر، وينتصر العقل. ومن المميّز عندما يتعلّق أوباما بالحل السلمي يعد بأفكار وحلول إيجابية. وبالوقت نفسه في روسيا إن المسألة تعني قضايا أعمق بكثير. وقبل أن يتكلم أوباما، في 22 تشرين الأول أكتوبر  2013 ألقى فلاديمير بوتين كلمة في أوفا ووضع خطة تثير حفيظة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وأن يتم السعي من قبله لتحضير التربة المناسبة لمسألة راديكالية الإسلام في روسيا، ولهذا أعرب رئيس دولتنا، واقترح خطة عمل حتى ينخرط المسلمون اجتماعياً في الحياة الروسية. ويحاول أن يتوجّه بالنداء المناسب حتى ينفض الغبار الذي علق بالإسلام من القرون الوسطى، وأن يضع قواعد التطوّر للبلاد عامة. وأرى، وحسب وجهة نظري، ومن دون أي شك، أن الإسلام الحقيقي – هو إسلام متجدد، وفيه الكثير من التحديث الاجتماعي، الذي يوفر الظروف لازدهار البلاد ازدهاراً اجتماعياً شاملاً. أما المعضلة الأساسية على هذه الطريق فهي التكوين الخلقي الاجتماعي الذي يستند على المكارم الوطنية المتجسدة في المدارس الأخلاقية الدينية التي تربّى عليها الآباء والأجداد، والتي أصبحت تشكّل ركناً أساسياً في الفكر الاجتماعي الروحي، ويكون نموذجاً من الدولة المعاصرة في الأطر التي من الممكن أن تتمحور القوى التكوينية لمقدرات الإسلام. وإذا التفت الإنسان إلى الواقع التاريخي فيلحظ أن رجال الإفتاء المعاصرين قد أصبحوا جزءاً من الأهمية التي كانوا يمتازون بها تاريخياً، وكذلك الزهو الذي كان يبدو على كل منهم في نشاطه اليومي، وخاصة الإبداعي. ومن أجل تنفيذ خطة بوتين كان من الضروري دعوة المفكرين القياديين للعالم الإسلامي، لأنه وفي نهاية المطاف إن مجموعة الأفكار التي تم العمل عليها وإتمام جوانبها سوف تكمل من قبل الدول الأخرى. وفي هذا النحو، وحسب رأيي، إن الوقت الماضي يذكر في الأحاديث النبوية "إن الله يرسل للعقول المعاني والأفكار الجديدة كل ما يتكون خلال مئة عام جديدة" أي خلال ثلاثة أو أربعة أجيال، على العقل أن يتجدد مبيناً ما قد قدّمه للإنسانية خلال قرن.

 

وللأسف أن الخطة الموضوعة للتطور من قبل رئيس الدولة لم تصل إلى المستوى المطلوب. فالمجموعة التي تجلس في مكان مرتفع هم من الناس المؤثرين، قساة الجباه، أغبياء قد عملوا كل ما بوسعهم لعدم تطبيق الخطة التي وضعها رأس الدولة، وصُرفت مبالغ باهضه حتى يوصل بها إلى مرحلة التنفيذ. وحتى يتخلّص المسؤولون من المسؤولية، أخذوا يلدون الأوراق الفارغة مع عناوين برّاقة تشبه تلك الوثائق "لتنظيم الإسلام الروسي، ولماذا تجاهل الموظفون مقترحات مؤتمر أوفا، التي قدمها بوتين؟". وكيف كان الإسلام الروسي من الناحية الأخلاقية الاجتماعية؟ هكذا تكوّنت الأمور، حتى بدت في روسيا عملاً حقيقياً قائماً على أسس فيزيائية لقلب الراديكاليين المسلحين، أما ما يخص تصحيح الوضع الصحي، فلم يكن إلا الثرثرة العابرة، حقاً إنه قد دفع عليها أجرة عالية.

 

وبغض النظر عن المقاومة العنيدة لأولئك الموظفين المذكورين، فإن موضوعات مؤتمر أوفا التي وضعها بوتين قد وجدت انعكاساً مهماً لدى المسلمين الروس. والآن أصبح كل الممثلين المحترمين، وذوي المراتب العلمية والروحية يرون بأن من واجبهم أن يذكروا، وبصورة دائمة في كل مناسبة عملية أو استعراضية. أما أنا فعندي أمل وبكل ثقة أن تنفيذ هذه الموضوعات سيبدأ ليس في ذلك الوقت، عندما يرتكب مجرمو داعش أغرب الجرائم وأبشعها في شوارع مدننا وساحاتها، وهم يتفاخرون بعضلاتهم النافرة، بل كان من الضروري تنفيذ تلك الموضوعات، والاهتمام بها قبل استفحال الأزمة.

 

وأخيرا إنني أذكّر بما جاء من أمر في القرآن: "إن الإنسان يمتلك ذلك الشيء، الذي اهتم به" (39 : 53). فلهذا تعالوا نجتهد قدر المستطاع!