الرئيسية » حضاريات » ماذا كان الإصلاحيون يصلحون؟ … سامي زبيدة الجزء الثالث
lslh_1905_yrn.jpg

ماذا كان الإصلاحيون يصلحون؟ … سامي زبيدة الجزء الثالث

الذي استحضر القوة القهرية "للحاكم المدني" لفرض السلوك والعقيدة الصحيحة، وهذا ما لا يهدف له النداء الحالي للإصلاح الإسلامي..

معتقلين من الحركة الدستورية الإيرانية 1906

بالنسبة للإصلاحيين الحديثين، شملت الإصلاحات المؤسسات بنقاط متعددة، القانون والتعليم في المقام الأول. لقد كان المحامون ورجال الدين الإصلاحيون مهندسي الإصلاحات القانونية العثمانية في القرن التاسع عشر، أي تأميم وتقنين الشريعة لتتناغم مع عصرنة الدولة، على الرغم من مقاومةٍ غاضبة من مؤسسات وعلماء محافظين. وتواصلت في مصر وأجزاء أخرى من العالم العربي في القرن العشرين موجات مشابهة من الإصلاح القانوني، مصدّق عليها من قبل رجال الدين الإصلاحيين، لاسيما محمد عبده، مفتي مصر. وفي نفس الوقت، كانت المدارس والتعليم العالي مُعلمنةً بشكل جزئي، بعيداً عن سيطرة المؤسسات الدينية، فيما عدا التعليم الديني. أما مشروع عبده الأساسي فقد كان إصلاح الأزهر، الجامعة السنية الأهم، بسلطة وامتداد كبير. ولقد واجه مقاومة كبيرة ولم تكن محاولته ناجحةً كلياً. لكن الأزهر كان سيتم إصلاحه بشكل جذري تحت الحكم الاستبدادي لناصر في الخمسينات من القرن العشرين، عندما أصبح تابعاً بإحكام أكبر لسلطة الدولة، وتحول إلى جامعة حديثة وكليات علوم دينية.

تمثّل الأثر الأعظم للإصلاح الحديث في الخطابات والجدالات في المجال العام. كانت الجدالات على جبهات متعددة، في الصحافة، والنزاعات السياسية، والثقافة والتعليم، ومشاريع الإصلاحات القانونية والإجتماعية. كان الكثير من هذه القضايا متصلاً، بدوره، بنزاعات ضد الكولونيالية، مع الاحتلال البريطاني لمصر وتفكك الدولة العثمانية وخلافتها. وقد كان الدفع الإصلاحي لجعل الإسلام، عقيدةً وقانوناً وثيق الصلة بالدولة الحديثة، والتعليم والثقافة، وبالتالي مقاومة المسحة العلمانية للحداثة.

أما فيما يتعلق بالنزاعات ضد الإمبريالية، فقد قُدِّم الإسلام المُصلَح كطريقٍ لنهضة قومية، يسلّح الدول المسلمة بقوى الحداثة، وعلوم وإدارة عقلانية، بما في ذلك القوة العسكرية. على هذا النحو، تم دفعه في مواجهة الإبعاد العلماني الصريح للدين إلى المجال الخاص، وعلى قدم المساواة في مواجهة المحافظين والأصوليين المجادلين أن ضعف الدول المسلمة مقارنةً مع أوروبا أتى من الخروج عن الطريق الصحيح والحقائق الأبدية للإسلام والمثال على السلف الصالح الذي حكم خلال أمجاد الإسلام الماضية.

حلقة بارزة في هذه الجدالات كانت حول كتاب، "الإسلام وأصول الحكم 1925" المكتوب من قبل واحد من أوائل دعاة الإصلاح، علي عبد الرازق (1888-1966). والذي كان، جزئياً، رداً على الدعوة إلى خلافة عربية، بعد أن ألغى أتاتورك الخلافة العثمانية. حيث جادل بأن الخلافة أو أي شكل من أشكال الحكم الديني لم تكن مطلوبة من قبل المصادر الروحية (الإلهية)، وأن الخلافة التاريخية كانت إلى حد كبير حكماً دنيوياً من قبل الأسر الحاكمة التي ادّعت شرعية دينية. كما جادل بأن محمد كان نبياً ولم يكن سياسياً، وأن المسلمين يمكن أن يختاروا أي نظام حكم أو قانون قد يناسبهم. كان عبد الرازق "عالماً" يحمل إجازة، خريج الأزهر (وجامعة اوكسفورد) وكان قاضياً، (قاضياً دينياً). وقد أثار كتابه عاصفة استنكار من العلماء الكبار، (مدفوعين جزئياً بطموحات ملك   ذلك الوقت، فؤاد، بأن يتم اختياره لمنصب الخليفة العربي).  تم تجريده من إجازة الأزهر ومن منصب القاضي، لكنه تلقى دعماً واسعاً من شخصيات عامة، مفكرين وسياسيين، وتابع ليصبح وزير أوقاف. وقد استمرت جِدالاته تُطّور من قبل المسلمين الليبراليين والعلمانيين.

إيران والعالم الشيعي

الإشكالية المركزية للسلطة الدينية في الإسلام الشيعي هي المتعلقة بالإمامة. فالإمام الغائب هو المصدر المطلق والمعصوم للسلطة، لذلك فإن غيابه يطرح معضلة. كانت الأصولية هي العقيدة السائدة في أواخر القرن التاسع عشر، التي وطّدت سلطة رجال الدين الكبار، والمراجع (مراجع التقليد)، لتمثيل الإمام بأفضل ما يمكنهم، مع تلميحات من خلال تواصل باطني معه. ولكن طُعِن بهذه الادعاءات من قبل جماعة الإخباريين المنافسة، التي بحثت عن الحكمة في التقاليد وسلوك الأئمة، مع تلميحات أقوى من التواصل الباطني.

ثم جاء تحدٍ أكثر ثورية من حركة تبشيرية (1844-1852) متمثلة بـ "البابيّة"، التي ادّعى زعيمها أنه الباب، البوابة، إلى الإمام، متوقعاً وحيه الكامل. وقد وجد دعماً كبيراً في أوساط مختلفة، بما في ذلك بعض رجال دين واتباعهم. قُمِعت الحركة في نهاية المطاف وأُعدِم الباب. لكنه ترك إرثاً من مجتمعات سريةٍ، ومن ثم أسفر عن دين جديد، هو البهائية. وللمفارقة، فإن الأطر الفكرية لهذه المجتمعات السرية جمعت بين باطنيتها مع انجذابٍ لفلسفات عقلانية حديثة. ربما كانت الألفة بسبب ذلك الجهد الفلسفي، والرفض لما كان ينظر إليه على أنه الظلامي والعقائد الرجعية للعلماء. وقد غذّت هذه الميول في نهاية الأمر الحركة الدستورية والثورة الدستورية في 1906.

شُخّصت عادةً القوى التي شكّلت الحركة الدستورية بثالوث: علماني حداثي أو مثقف هرطقي، رجال الدين، وتجار البازار. وقد عارض جميعهم، بطرق مختلفة، الهيمنة المتزايدة وتدخل القوى الأوروبية (بريطانيا وروسيا) في البلد. كان لدى المثقفين أهداف حداثية وقومية: تقدم، إصلاح قانوني، إدارة عقلانية، ونزعة قومية. تجار البازار مهدّدين من قبل تضخّم وامتياز التجارة والمالية الأجنبية، منتفعين من القوى التحكُّمية لنظام ملكي مفلس.. أما رجال الدين فقد كانوا في المقام الأول قلقين من الهيمنة الأوروبية والأفكار التي جاءت معها، مهدّدة ضوابطهم على القانون، والتعليم والحياة العامة.

ليس من الواضح إذا ما كان معظمهم قد فهم الفكرة من الدستور، سوى أنه يمكن أن يحدّ من السلطة الملكية عبر هيئة منتخبة، توقعوا أنهم سيهيمنون عليها. على أية حال، وبشكل حاسم، أقرَّ بعض العلماء البارزين الدستور بحجج مرتكزة على الاجتهاد الشيعي: في غياب الإمام، استمرت الحجة، وشكّل إجماع المؤمنين الموجهين من قبل رجال الدين مصدر  سلطة، وبالتالي الدستور والهيئات المنتخبة. كانت قوة السلطة الملكية في هذه الحجة تابعةً ومشروطة. وقد كانت هذه التيارات الفكرية والنزاعات مُشتَركةً عبر الحدود بين العلماء في مدن العراق المقدسة من النجف، وكربلاء والكاظمية (ضاحية في بغداد). كما اشترك أيضاً بعض المفكرين الشيعة في العراق، بما في ذلك رجال الدين، في النقاشات والأفكار الإصلاحية في العالم العربي. لكن الدستور الإيراني والمؤسسات التي دشنها كانت هشّة وتابعة للعواصف العسكرية والسياسية التي غمرت البلاد في القرن العشرين. أي كان في الغالب حبراً على ورق، ملازماً للقوى الاستبدادية.

مع ذلك فقد بقيت الفكرة الدستورية، أو الذاكرة الدستورية، قوة أيديولوجية فعّالة تُبعث عند كل تقاطعٍ عاصف من ذلك التاريخ. حتى الجمهورية الإسلامية، في ظل الخميني ومن خَلَفَه، وضعت دستوراً، لم يكن الشريعة بحد ذاته، ولكنه كرّس الشريعة بوصفها المصدر للتشريع. وفي حقيقة الأمر، يشمل دستور الجمهورية الإسلامية مزيجاً غير مستقر من السلطة الدينية والسيادة الشعبية: الأوليّة للقائد (الفقيه الحاكم، الخميني ومن ثم خامنئي)، ولكن جنباً إلى جنب مؤسسات البرلمان المنتخبة والرئيس.

نرى، إذاً، أن الإسلام لا يعوزه الإصلاح، بل مرّ بالعديد من الإصلاحات، سواء السني أو الشيعي، لكن بآثار مختلفة. فالإصلاحات الوهابية/السلفية هي أصولية وسلطوية، تفرض الامتثال للحاكم المسلم، مكلفة بتطبيق ضوابط أخلاقية وشعائرية. وكان لديهم، في هذه النقاط، بعض التقاربات مع الإصلاح البروتستانتي وبعض الأنظمة التي أقامها، بما فيها الإمارات اللوثرية في ألمانيا وسويسرا والبيوريتانيون (المتشدّدون) في انكلترا وسويسرا. على أية حال، كانت هذه الاتجاهات محجوبة في مسارٍ تاريخي مختلف في أوروبا.

 

سامي زبيدة :

عالم اجتماع عراقي، يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع السياسي في كلية بيركبك، جامعة لندن. صدر له عدد من الكتب منها: "السلطة والشريعة في العالم الاسلامي"، "مذاق الزعتر: تاريخ الطعام في الشرق الأوسط"، "ما وراء الإسلام: نحو فهم جديد للشرق الأوسط".