الرئيسية » اكتشف روسيا! » ماهية وخصائص الحضارة الروسية – سهيل فرح
carskoe_selo.jpg

ماهية وخصائص الحضارة الروسية – سهيل فرح

الحديث عن روح الحضارة يتطلّب بطبيعة الأمر مقاربات عملية متنوعة، فلسفية وسيكولوجية وألسنية واقتصادية ودينية وسوسيوثقافية عامة. كما أنّ تناول موضوع بهذا الوسع يتطلب التمعّن فيه عبر الرؤية المتكاملة، وليس عبر النظرة الجزئية الإجرائية الانتقائية، أي بكلمة أخرى أن ينظر إليه عبر العناوين الأساسيّة الكبرى التي تحدّد النمط المتكامل لعقلية وروحية هذا الشعب أو ذاك، دون أن يدخل المرء في تفكيك هذا العنوان أو ذاك، ومن ثمّ إخضاعه للمنهج التجريبي أو الإجرائي؛ هذا المنهج الذي ينتقل من الخاص إلى العام، ويتوخى تحليل وإعادة تركيب التفاصيل والأجزاء وصولاً إلى الرؤية العامة المتكاملة. البحث هنا ينطلق من الاتجاه المعاكس، من العام البنيوي الذي يتميّز بشيء من الثبوتيّة التي تصيغ روح الأمّة لحقبة طويلة، دون أن تتأثر بشكل سريع ومباشر بمتغيرات الوقائع وتقلبات السياسة، وحتى الاقتصاد.

كلّما اتسع فضاء تحليل الروح الحضارية الروسية، يسبح الباحث في بحر كبير من التساؤلات والمقاربات. لذا سنكتفي هنا برصد أبرز الخصوصيات التي تتميّز بها روسيا.

في منهجية رؤيتنا لخصوصية روسيا، ننطلق من السمة التي يطلق عليها علماء الحضارات تسمية المنطقة المنوالية (Model Point) أي تلك التي تطبع بنسب متفاوتة الاتساع أو الضيق، خصائص تلك الحضارة، وسنتوقف فيها عند فلسفة مكانها وزمانها وإنسانها.

والحضارة الروسية هي مجموعة من القيم الروحية والمادية المنجزة من قبل الشعب الروسي، والتي على أساسها تحدد مصيره التاريخي وتشكل وعيه القومي. فأثناء ألف عام وأكثر قليلاً تكوّن الجانب الروحي من هذه الحضارة، مغذياً نفسه بمجموعة من الثوابت الأساسية، أبرزها خصوصية المكان أو الجغرافيا، والأرثوذكسية بلاهوتها وفنونها ومجمل روحانياتها، والآداب والموسيقا وفنون الرقص، ولا سيّما الباليه، والعلوم بكل أنواعها، والفلسفات، وفكرة الدولة العظمى، وروح الجماعة أو الاتحاد.

إنّ أوّل العلماء الذين أشاروا إلى أهمية هذه الحضارة هو المؤرخ دانيلفسكي الذي أكّد خصوصيتها وأهميتها في الحضارات العالمية… وحاول بطريقة غير مباشرة أن يرد على النظرة المركزية الغربية التي تقول إنّ طفولة الحضارة بدأت مع حضارات الشرق أوسطية والهند والصين، ثمّ استمرّت مع الإغريق والرومان لتصل إلى نضجها التام في الحضارة الأوروبية الغربية. ومع هذه النقطة بدأ العالم كلّه يدور أو يتمحور حول هذه الحضارة. دانيلفسكي أثبت أنّ مسيرة الحضارة لم تأخذ خطاً بيانياً واحداً، بل إنّها تكوّنت عبر نماذج حضارية متنوعة، إذ تطور خط نكوصي داخل كل حضارة شغل نفسه في مرحلة ما بتراثه الروحي، الأمر الذي فرض عليه الانغلاق على نفسه وتحصين هويته والطلوع بمعايير وقيم خاصة، يحكم على أساسها تعامله مع ذاته ومع الآخر. وفي هذا السياق، فإنّ الحضارة كما يراها دانيلفسكي، هي الجهد الأساسي للتنظيم الإنساني ضمن ظروف مكانية وزمانية، تنعكس فيه الخصوصية الروحية للطابع القومي للشعوب الذي يحمل في طياته النموذج الثقافي والتاريخي الأصيل. كما أنّ كل حضارة تحمل في ثناياها نوعاً من الانطواء الجماعي الروحي.

بهذا المعنى قد نوافق هذا الكاتب عبر استخلاص الرأي الذي يقول إنّ لكلّ حضارة طابعها المادي والروحي الخاص، وعن طريقه تتحدد آلية قوانينها ومعاييرها الخاصة. فالحضارة الروسية وفي سياق تكوّن وتطوّر وتبلور شخصيتها، حرصت على أن تتمايز عن مثيلتها الغربية، وعن غيرها من الحضارات الشرقية بنظرتها للإنسان والطبيعة والمجتمع والنفس. وهذا ما سنراه عبر علاقة الطبيعة بالإنسان الروسي، وعن طريق ما نسجته مخيلته الشعبية وما أنتجته النخبة الفكرية والسياسية.

الجغرافيا وطبيعة الإنسان الروسي:

الاتساع الهائل لروسيا ولّد لدى شعبها الكثير من السمات الإيجابية والسلبية. وسع الأراضي الروسيّة ووسع النفس الروسيّة مكّنتا الطاقة الإنسانية الروسية من الدخول في حركة انشطارية توسيعية. وهذا الاتساع تطلّب جهداً متفاوت الحركة والنشاط في صنع القيم الثقافية والمادية. فالروح الروسية المتماهية مع وسع المكان رافقت دائماً الحاجة للاستكانة والتضحية، ممّا ساعدها لفترات طويلة في الحفاظ على الإنسان الروسي ومنحه نوعاً من الشعور بالاطمئنان. فمن كل النواحي كان الروسي يشعر بأنّه محاط بضخامة وسع المكان، ولم يشعر بالخوف من الغور في باطن "روسيا". ضخامة الأرض الروسية ووسعها وعمقها كانت دائماً تنادي الروسي للحفاظ عليها وإنقاذها. وهو بدوره كان دائماً يعتمد عليها، على أمّه "روسيا". هو دائماً يخلط ويطابق بين مفهوم الأم – الأرض والأم – والوطن الأرض الربانيّة. فالطبيعة الروسية هيمنت على الإنسان الروسي طوال قرون طويلة وليس هو الذي كان يهيمن عليها.

إنّ الألفاظ التي تصوغ الوعي اللغوي الروسي شديدة الصلة بالأرض وبالطبيعة. ففي اللغة الروسية كلمة "Rodina" تعني الوطن. ومن جذر هذه الكلمة "Rod" تشتق الكثير من الكلمات مثل "Rodnoy" أي قريبي أو ابن بلدتي، و "Rodnik" الينبوع، وكلمة "Priroda" أي الطبيعة، و "Narod" أي الشعب و "Paroda" أي النوع. كل هذه الكلمات تدور حول محور واحد هو علاقة الإنسان بالطبيعة؛ هذه العلاقة التي تفرز معها تواصلها الدافئ والقريب مع الأرض الروسية، والأرض هي الأساس في الجغرافيا. وهي عنده أرض الميلاد الدائم، أرض الحصاد. كما أن كلمة "Svet" النور مرتبطة بكلمة "Svetol" الأزهار، و "Svet Svetol" أي لون الأزهار و "Sveta Svetol" أي لون الألوان. فتناسق ألوان الفنان الروسي الكبير أندريه روبلوف الذي هو الأزرق الفاتح في لوحاته التي تشع بألوان وجوه شخصياته الوضاءة، هي رمز للون السماء التي تسربل الوجوه الراشدة بهالة من النور. ففي لوحة الأقانيم الثلاثة لم يكن لون روبلوف الأزرق الجاف، بل أزرق سماوي يعطي لوجوه لوحته بعدها النوراني المسربل بنقاوة المتسامي. وفي هذا السياق، فإنّ كلمة وجه "Roj" لها صلة في اللغة الروسية بكلمة الحصاد "Yrojai"، وبكلمة الولادة "Rojdénié"، وهذا مرتبط بدوره بميلاد أو خلق الأرض. سنتوقف هنا عند هذا القدر من الكلمات، لأنها كثيرة جداً، لنبيّن كم هي الصلة متينة بين الطبيعة والإنسان في اللغة الروسية.

الطبيعة بالنسبة للوعي الروسي لها ارتباط واسع بالكثير من المظاهر المحيطة بالإنسان، وسنتناول البعض منها. فهي عنده مرتبطة بالحرية والرحابة والإرادة الطيبة. ففي الكلام الروسي كثيراً ما نسمع "Gyliat Na Volyou" أي تنزه بملء إرادته أو "Vitti Ha Volyou" أو توجه بإرادته. فالحرية عند الروسي هي تلك التي لا يحدها أي فضاء، الحرية متحدة مع الأفق الواسع. بينما إحساس الانقباض مرتبط بمفهوم ضيق المكان الذي يحرم الإنسان من الاتساع. وأن تضيّق على الإنسان، يعني أن تحرمه من الأفق الواسع.

والإرادة هي الفضاء أو المجال الواسع، حيث في الإمكان المشي فيها، المشي المريح والمتعب، والسباحة في مسافات واسعة، في الأنهار والبحيرات الكبيرة، وتنشق هواء الحرية، هواء الأمكنة المنفتحة، والامتلاء الواسع للرئة بالهواء الطلق، والشعور بأنّ ثمة سماء هائلة الوسع والعمق، وإتاحة الفرصة للتحرك في كل الجهات وبالشكل الذي ترغب فيه.

كما أن مفهوم الشجاعة عند الروسي مرتبط بالجرأة والبسالة والاقتحام. والشجاعة كما يقول الأكاديمي الروسي ليخاتشيف، هي "مضاعفة المسافة أو المجال لإظهار هذه الشجاعة. فليس في الإمكان امتلاك صفة البسالة والجرأة وأنت ماكث في مكانك"، وهذا الأمر ينطبق على الكثير من المظاهر الحياتية التي تحرك سلوكية الإنسان الروسي والتي لها علاقة وثيقة بطبيعته، حيث تجد البيوت والقرى والمدن وكأنها بقع صغيرة في جغرافية يملأ فضاءها الغابات والثلوج. خصوصية المكان هذه تركت انعكاساتها على أغاني الروسي وقصائده وأدبه، وعلى تحديد مواقع كنائسه، وعلى مسكنه ولباسه وأكله وشربه، وعلى تحديد مساحة الراحة والاسترخاء، وعلى ممارسة الكثير من طقوسه وعاداته. لا نستطيع بطبيعة الأمر أن نتوقّف عند كل واحدة منها، إلاّ أنّ الشيء الذي ترك انعكاسه الظاهر على هذا الشعب هو الطيبة الواسعة التي يتمتع بها.

صورة الشعب "الطيب" والقيصر "الطيب" كانت دائمة الحضور في الوعي الروسي؛ وفي الأدب الشعبي الذي كان الروسي يربي أولاده عليه، توجه واضح نحو التعلّق بالصورة المحببة لـ "إيفانوشكا" هذا الشاب اليافع الذي كان كثيراً ما يجلس على أدراج بلاط القيصر، والذي تمكّن بطيبته ورهافة إحساسه أن يتملّك حتى قلب القيصرة، وأن يكون له نصف المملكة. بيد أنّ هذا النصف الذي حصل عليه في الحكاية الأسطورية الشعبية هو رمزي ولا يعني الزواج الحقيقي ولا الملكية الملموسة. وصورة إيفانوشكا في المخيلة الشعبية الروسية هي التي تشكل المصدر الكبير للمرح والبساطة والطيبة إلى درجة السذاجة والوداعة؛ هذه الصورة التي كانت تثير حقد وحفيظة الطبقة العليا من المجتمع الروسي. فكثيراً ما كانت مدعاة ليس لازدراء هؤلاء فحسب، بل لحقد النبلاء ورجالات الدين. وعلى الرغم من أنّ القيصر كان يعتبر نفسه فوق الجميع، ويحاول أن يظهر نفسه بمظهر القيصر الحاكم المحبوب من كل فئات الشعب، إلاّ أنّه كان يُدرك تماماً أنّه لا يمكنه أن يصل إلى مس أوتار قلوب "العامة" ما لم يكن على صلة وثيقة بصورة إيفانوشكا الطيب "المهضوم" القادر على خرق قلوب ونفوس رجالات البلاط، وصولاً إلى قلب القيصرة. وفي الخيال الشعبي الروسي أنّه عندما تهتز العلاقة الوجدانية مع تلك الصورة، ينتفض شبح "إيفانوشكا" ليطوف في كل أرجاء روسيا لا ليخاطب عالم الإنسان فحسب، بل عالم الحيوان والطيور. وتحاول تلك الروح "الشبح" أن تبث الدعوة لعدم الولاء للقيصر وتحض الناس على عدم الطاعة، وتدعوهم إلى عدم التخلي عن طيبتهم وعن حبهم الكبير لوطنهم وأرضهم الأم. على أن يكونوا قريبين من الطبيعة الطيبة التي تشكل الخزان الروحي الأساسي لنصاعة القلوب والنفوس، وتؤكد عليهم أن يكونوا بعيدين عن الغوص في روح المخاتلة والمخادعة والخبث والدهاء الماكر والتزلف والخنوع الأعمى، والاقتراب من قلب الحياة النظيفة، واليد الناصعة المملوءة بنعم حب الأرض والوطن، والمثابرة على التمسك بإرادة الحياة المرتكزة على التعلق بقيم العمل والنشاط الهادئ والدؤوب. من هذا المناخ تنبت التربة الصالحة لظهور القديسين، وتتعالى قيم الطيبة والقدرة على العطاء بلا حسابات فردانية ضيقة، ويتربى الإنسان مع الزمن على الصبر وطول الأناة واللجوء إلى السكينة والخشوع والصلاة التي تأخذ الوقت الأكبر. بيد أنّ الروسي عندما ينتفض بعد طول انتظار، فهو شبيه بصورة "ميشكا" الدب الروسي في أوبرا ريمسكي كورساكوف المسماة "رواية عن كتيج المدينة غير المنظورة"، حيث يخاطب فيها الشعب الروسي الطويل البال الذي عانى الأمرين، يخاطب الدب قائلاً: "اظهر لنا يا ميشكا، أيها الطيّب… أظهر لنا بطولاتك". وعندما ينتفض ميشكا يهز محيطه والعالم، ويتأثر بقوته التي لا مثيل لها ليس حكامه فحسب، بل أعداؤه في كلّ العالم. ويبرهن في النهاية بأنّ صبره له حدود، وأنّ وطنه وأرضه ومعتقداته هي قدس الأقداس.

في الوعي الشعبي الروسي، ليست الطيبة رديفاً للسذاجة، بل هي توءم للذكاء الإنساني الصافي… وكلما كان الروسي قريباً من طبيعته الجغرافية وطبيعته النفسية، كان يظهر حكمه وحقائقه الوجودية. وحقيقته ليست في الكذب أو خداع الذات والآخر، بل في ابتكار وإنعاش كل ما هو خلاق في النفس الإنسانية، وهذا ما ظهر في عذوبة موسيقاه، وفلسفة رقص جسده، وجمال أدبه، ووسع معارفه العلمية، ومغامراته الكبرى في غزو الطبيعة والفضاء، وبناء دولته الكبرى.

سلبيات المكان:

جغرافيا المكان التي هي في غاية الضخامة، فرضت على الشعب الروسي أن يبني دولته. فعلى سهول روسيا الواسعة كان من الواجب أن يتوحد الشرق والغرب في دولة واحدة. قد لا يكون من الصعوبة أن يتمكن الشعب الروسي من الحصول على ذلك المكان الواسع الأرجاء على هذه المعمورة، إلاّ أنّه كان من الأمر العسير عليه تنظيم شؤون هذا المكان وفرض استتباب الأمن والاستقرار فيه، في ظل عالم متعدد الأقطاب والدول. في هذا المنحنى بذل الشعب الروسي جهداً مضنياً لكي يصل إلى الرفاه والاستقرار المطلوب، ولم يصل حتى هذا التاريخ إلى هدفه.

آفاق الدولة الروسية وضعت أمام الشعب الروسي مهمات كبرى أكبر بكثير من طاقاته، إذ وضعته دائماً في جو من التوتر الذي تجاوز أحياناً كل حدود. في هذا العمل الضخم من بناء دولته وأثناء عملية المحافظة عليها، أنهك الكثير من احتياط القوة عنده. متطلبات الدولة الداخلية والخارجية وسباقها العبثي مع غرب وشرق متصارع، ترك لها ولشعبها هامشاً ضئيلاً من الحرية للتحرك، الأمر الذي جعل الروس، وفي الكثير من حقبات تاريخهم، يفقدون الثقة بأنفسهم. وفي هذا الصدد، يقول المفكر الروسي نيكولاي بردييف: "يضغط على الروح الروسية هذا الوسع الهائل من الأراضي، وهذا الكم الهائل من الثلوج. فهذه الروح تغوص في هذا الوسع الهائل، وهذا الأمر كان له تأثيره السلبي في تكوّن تلك الروح، وفي تشكيل روح الإبداع عند الإنسان الروسي. عبقرية الشكل والنظام ليست صفة روسية، فهي توفق بصعوبة مع سلطة المكان الضاغط بقوة على الروح. والروس في معظمهم لا يتذوقون سعادة الشكل والنظام".

الجغرافيا الروسية المترامية الأطراف على حد قول المغربنين الروس، ألقت بثقلها على نفس الشعب. فالنفس الروسية كما يرى هؤلاء، مكدرة بالوساعة؛ فهي لا ترى حدودها، وهذا لم يساعدها على تحرير نفسها، بل على أسرها. لذا فإنّ الطاقة الروحية للشعب الروسي انكفأت إلى الداخل، إلى التأمّل، إلى الروحانية. لم تتمكن من اللجوء إلى التاريخ، فهي دائماً كانت منشغلة بتشكل نفسها، عبر طريق كانت مرسومة حدوده. فالوسع الهائل للجغرافيا الروسية كما يراه بردييف، ينعكس على الشخصية الداخلية للروح الروسية، ويفرض عليها سلطته الهائلة؛ الإنسان الروسي هو إنسان الأرض والطبيعة، يشعر بنفسه كأنّه ليس في استطاعته أن يملك هذا الوسع وأن ينظمه. من هنا سقوطه الدائم في عادة الاتكال المستمر على الدولة المركزية لتنظيم محيطه ووضع أسس الدولة في أعلى مراتب السمو. وانتماء الروسي لدولته الكبرى يترافق مع إلحاق مخيف لشخصه بالمركز التابع لمصالح الدولة الحيوية والضاغط على فرديته وحريته وعلى قواه الاجتماعية. وهكذا نرى أنّ بردييف وأنصاره وقعوا تحت تأثير الفلسفة الشخصانية والوجودية الغربية: فهو لم يقتنع بأنّ روسيا عاشت إنسانيتها أو حياتها الفردية الخاصة، بل إنّها ذابت في روح الجماعة المتماهية مع وسع الأرض وضخامة الدولة. فالاتساع ينظر إليه كعامل داخلي، عامل روحي في المصير الروسي، وهذا يختصر برأيه "جغرافيا الروح الروسية".

في أوروبا الغربية يشعر الإنسان بضغط صغر المكان والأرض عليه. لذا، فإنّ أفق روحه ونفسه ضيقتان. وهو تعوّد الاعتماد على تحفيز طاقاته ونشاطاته. في نفسه مساحة ضيقة، فكل شيء له حسابه وموزع بشكل صحيح. الالتزام الصارم بالنظام الذي يوجب أن يكون لكل شيء مكانه الخاص، يؤسس للنزعة الضيقة الأفق للإنسان الغربي. وهذا النمط من التفكير ومن السلوكية لم ينل رضا حتى أكثر المفكرين الروس المغربنين، أمثال غرتسين وليونتيف. ولنورد بعض الأمثلة على ذلك، نأخذ الألماني كنموذج: فهذا يشعر بأنّه مهدد دائماً من كل الجهات، وكأنّ هناك على حد قول غرتسين "مصيدة دائماً مركبة له". لا وساعة حوله وفي داخله حسبما يقول ليونتيف، فهو يبحث عن الخلاص في داخله، وفي طاقاته الداخلية المنظمة، وفي نشاطاته وتواتراته الدائمة. كل شيء عند الألماني يجب أن يكون في مكانه، وكل شيء له وظيفته، لأنه من دون النظام الذاتي، كما يشير بردييف في أكثر من مقال، ومن دون تحمّل المسؤوليّة، لا وجود لحياة عند الألماني الذي يرسم دائماً الحدود للأشياء والذي لا يستطيع العيش من دون حدود. وهو لا يرى خلاصه في ألمانيا، بل عليه يقع الرهان من أجل خلاص ألمانيا، بينما الروسي يشعر بأنّ ألمانيا هي مصدر خلاصه وليس هو منبع خلاصها. الروسي لا يبادر لأن يكون النظام خطابه الحياتي، بل تعود على غيره لينظم أموره. كثيراً ما يطمئن نفسه إلى أنّ وراءه الجغرافيا والمجال الواسع وبهما يجد خلاصه. من هنا فإنّه لا يشعر بالخوف العميق، ولم يتعوّد أن يشحذ بقوّة طاقاته ونشاطاته. مسألة تنشيط وتحفيز الثقافة المادية والمعنوية المعتمدة على الذات النشيطة والمتوترة، لم تشكل بالنسبة إليه مسألة حياة ومصير؛ فهو غارق في أغوار ذاته، في أغوار جغرافيته المترامية الأطراف.

لقد توقفنا مع شيء من التفاصيل عند مسألة الجغرافيا الطبيعيّة والبشريّة، لاعتقادنا أنّ للجغرافيا فلسفتها، إذا نظرنا إليها من فوق عبر علاقتها بالإنسان. فعلى حد قول ركلوس: "ليست شيئاً آخر سوى التاريخ عبر المكان، مثلما يكون التاريخ هو الجغرافيا عبر الزمان". ووجهة النظر التي عرضناها في التحليل الذي تقدّم، تعكس الآراء السائدة في الأوساط الفكرية المغربنة والسلافية حول طبيعة الروسي.

ونأتي الآن إلى موضوع روسيا وهي بلد المفارقات والمتناقضات الكبرى، وبلد الإنجازات الكبرى والهزائم الكبرى. أحلامها الكبرى تنطلق في جانب منها من الخزان الروحي الكبير الذي أبدعه عقلها العلمي الدنيوي، وروحانيتها التي تشكل الأرثوذكسية واحدة من دعائمها الأساسيّة.

الأرثوذكسية:

البعد الروحي للشخصية الثقافية الروسية عبّر عنه أحد الأساقفة الروس الكبار يوإينالي ك. ب عندما قال: "لكي نفهم جوهر الفن الروحي للحضارة الروسية، لا يكفي أن ندرس إنجاز علمائه وفلاسفته، إذ من الضروري إدراك المناخ الروحي الذي يعيش فيه الشعب. فبواسطة المسيحية الأرثوذكسية تكونت أشكال جديدة للثقافة الروسية. ووهبت روسيا طاقات اجتماعيّة وثقافية متنوعة تجسدت بمثل الرحمة وعمل الخير والسلوى. فالكنيسة الروسية ما زالت حتى الآن تشكل قوّة أخلاقية كبرى…"

من الصعب فعلاً فهم روح الحضارة الروسية ما لم يدرك كنه الأرثوذكسية. فهي التي ورثت المنظومة الأخلاقية والميتافيزيقية لروسيا ما قبل المسيحية، وتمكنت لاحقاً من صقلها وإعطائها بعداً آخر وسّع من مساحة المقدس في الوعي الإيماني الروسي. فالأرثوذكسية ارتبطت عند الروس بحب قيم الخير. هذا ناهيك عن أنّ رؤيتهم العامة للإنسان تتميز بالاعتقاد أنّ من الفطرة خيراً، وأنّ الشر ليس سوى الشذوذ عن القاعدة. من يقرأ معظم الأدبيات الروسية، بدءاً من ملحمة "كلمة عن فوج إيغورييف" في القرن الثاني عشر، مروراً بكتابات تولستوي وتشيخوف وشيدرين، وصولاً إلى أعمال المعاصرين أمثال فالنتين راسبوتين وبوندرييف، تقابله الفكرة التي تؤكد أنّ الكمال البشري يتجسد في روح الإنسان الذي يمثل الخير جوهره الأساسي. بعد ذلك توسع فضاء الحضور الأرثوذكسي ليدخل في النظرة الروسية للوطن والحاكم والشعب. ومع تطور التاريخ الروسي تماهى هذا الحضور مع الروح الوطنية الروسية، فبعد أفول نجم "روما الثانية"، الممثلة في بيزنطيا، وجدت روسيا نفسها وكأنّها مختارة لكي تؤدي دور "روما الثالثة". وبدأت الأنظار المسيحيّة تتوجّه إلى القيصر الروسي وكأنّه الخليفة الطبيعي للإمبراطور البيزنطي. وفي هذا المنحى طمحت الكنيسة الروسية لأن تجعل منه حامياً للأرثوذكس في بلده وفي العالم. وأخذت تلك الملامح تبرز بعدما تزوج إيفان الثالث من صوفيا باليلوغ ابنة أخت آخر إمبراطور بيزنطي، وتمّ هذا بمباركة بطريرك موسكو. وبدأ يترسخ في حينه في ذهن الحكام والمؤمنين أنّ عظمة الدولة يجب أن تترافق مع عظمة الأرثوذكسية. فالتوثب الروحي والسياسي راح يوسع دائرة نفوذه ليشمل شعوب روسيا وجيرانها. وفي تلك الفترة تطلعت روسيا لرسالة شمولية كونية حاولت فيها أن تحدث نوعاً من التجانس بين الدنيوي والروحاني. وهذا التجانس وجد من المواقف التاريخية للأباطرة البيزنطيين ما يمثّل مرجعيّة له. ففي موقف بارز للإمبراطور يوحنا نزجيمساكس يشير بوضوح إلى الفصل بين الديني والدنيوي حين يقول: "أعترف بسلطتين"، سلطة الكهنوت وسلطة الإمبراطور. وقد أوكل خالق الكل للأولى رعاية الأرواح، وللثانية مراقبة أجساد البشر. ولكي يكون العالم مزدهراً ينبغي ألاّ تطغى أي من هاتين السلطتين.

كان لهذا التناغم بين قوّة القيصرية ونشوة الأرثوذكسية أثره الملحوظ في قوّة روسيا المادية والمعنوية… تلك القوة، وكما هي الحال في لعبة الإنسان الأزليّة على النفوذ والقوّة والسلطة، كانت بطبيعة الأمر على حساب الشعوب الأخرى التي دانت بغير الأرثوذكسيّة. فحتى نهاية القرن الثامن عشر تمكنت روسيا من أن توحد وتنصر أراضيَ وشعوباً كثيرة تحت راية القيصر الموسكوفي وبدعم قوي وظاهر من الكنيسة. وهكذا استطاع المارد الروسي أن يخرج من قمقمه مجدداً، وأن يجمع في خطابه التراث البيزنطي مع الروح الروسيّة الجديدة. وهذا الخطاب ارتكز على مبادئ ثلاثة، حددها في القرن الماضي الباحث الروسي قسطنطين ليونتيف على النحو الآتي: "المبدأ الأوّل هو الدولة البيزنطية التي كانت ترادف الملكيّة؛ المبدأ الثاني هو الدين الذي كان يرادف المسيحيّة الأرثوذكسيّة؛ المبدأ الثالث هو الأخلاق الدنيوية. وحول هذا المبدأ الثالث حرصت الفلسفة الخلقية الروسية أن تتمايز عن الرؤية البيزنطية التي لم تول الأهمية المطلوبة للإنسان الفرد في حياته الدنيويّة… فتلك الرؤية كانت مصابة بخيبة أمل كبرى بالحياة الأرضيّة، وبمسألة السعادة وبعمليّة بناء المملكة الأرضيّة. في هذا السياق حاولت الفلسفة الروسيّة الأخلاقيّة أن توفق بين النظرتين الألمانيّة والبيزنطيّة".

تحت راية المبادئ الثلاثة خاضت روسيا حروبها، حيث كانت تشحن جيشها بعقيدة عسكرية مصدرها استحداث كل الوسائل لتقوية الجسد والروح معاً، وكانت تعبئ جنودها على أساس أنّ هدفها ليس الربح والغنائم ولا الاعتزاز الرومانسي بالانتصارات، بل نداء مقدّس لدعم فكرة الدولة العظمى المتضامنة مع روحها الدينيّة المتسامية. وهذا الأمر أدخل إلى الأدبيات العسكرية فكرة روسيا الطاهرة التي كانت تشكّل نوعاً من الاطمئنان الداخلي للجيش الروسي، عندما كان يقدم على فتوحات واسعة لأراضٍ وشعوب جديدة. فالقيصر المتحالف مع البطريرك كان يعتبر كلّ فتح جديد لبلد ما دخولاً في فضاء النقاء الروسي، وبالتالي انضواءً مطمئناً تحت أجنحة "روما الثالثة".

إنّ فكرة إدماج "روما الثالثة" بـ "روسيا الطاهرة" كانت تحتل المسألة المركزية في خطاب النخب الدينيّة والسياسيّة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وإدماج هاتين الفكرتين كان مصدره الرغبة في أن يتوحّد الدنيوي "الصادق" مع المقدس "الطاهر" ليس في روسيا فحسب، بل على المستوى العالمي. غير أنّ الطموح العالمي الوثاب شيء، والواقع الإنساني شيء آخر. فهذا الطموح لقي التأييد ضمن جغرافية محددة هي روسيا، وحكم محدد هو القيصر، وتعاطف وجداني محدد من أرثوذكسيي العالم. وإنّ ذلك الخطاب لم يكن عميق الجذور في وسط الجمهور الروسي الواسع. كما أنّ علاقة الكنيسة الأرثوذكسيّة التي كانت تشرف على ثلثي أراضي روسيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بدأ نفوذها في الأفول مع وصول بطرس الأكبر إلى الحكم، إذ ألغى منذ بداية عهده منصب البطريرك، وعيّن مجمعاً مقدساً أشرف عليه موظف كبير من رجالات البلاط، وقد اعتُمد هذا النظام حتى ثورة أكتوبر عام 1917. وعلاقة الحاكم القيصر مع الكنيسة لم تكن بأحسن حالاً من علاقة الحاكم الأمين العام بالأرثوذكسيّة في البنيان الروحي العام للحضارة الروسيّة، الأمر الذي فرض على الكنيسة أن تنكفئ حيناً وتطل برأسها أحياناً أخرى، وأن تحدث في داخلها اجتهادات وحالات جمود أكسبتها مع الزمن خبرة روحية ودنيوية مميزة. ونتوقف هنا عند واحدة منها، هو موقفها من فصل الدين عن الدولة وتركها المجال للعلمانيين من المؤمنين لأن تكون لهم الحرية التامة في خياراتهم السياسيّة. فها هو الفيلسوف الأرثوذكسي الأهم في القرن العشرين نيكولاي بروييف يقول: "أقاوم أي أرثوذكسية تحاول تحديد حريتي أو تحاول تحطيمها سواء كانت سياسية أم دينيّة".

أمّا المفكّر الروسي الأرثوذكسي الآخر سرغي بولجاكوف فهو يضع مسافة فاصلة وواضحة بين الأرثوذكسية والالتزام الحزبي أو السياسي قائلاً: "يمكن للأرثوذكسيين أن يتبنوا أفكاراً سياسية مختلفة. فهذه مسألة لها علاقة بضمائرهم السياسية وبحكمتهم. فالأرثوذكسيّة حرّة ولا يتوجّب عليها أن تخدم هذا النظام السياسي أو ذاك. إنّ لها خطابها الديني لا السياسي الذي يسعى لذوبان السلطة في الجو الكنسي. خطابها لا يحمل لواء السيف والترس ولا لواء الدولة الثيوقراطية الكنسيّة الممثلة في نموذج الحكم البابوي. من هنا ندرك عدم إصرارها على عدم اعتبارها كاثوليكيّة، فهي ليست بابوية ولا قيصرية". نستنتج من كلامه، وهو الذي يشكل مرجعاً معرفياً ولاهوتياً، ويعد من أبرز المراجع الروسية الأرثوذكسية، أنّ الكنيسة الروسية يجب أن يكون لها مسافة موضوعية واحدة من كل القوى السياسية، ومن كل التغيرات السياسية التي عاشتها وتعيشها روسيا. وجرى تأكيد هذا الموقف في اجتماع ضمّ 150 أسقفاً من كبار رجالات الدين الروس، الذين عقدوا مؤتمراً لهم أوائل شباط/ فبراير 1997، وكانوا يمثلون كل المؤمنين الأرثوذكس في روسيا والشتات، وقد أصدروا وثيقة تاريخية تتناول علاقة الكنيسة بالسلطة، وتشدد على اتخاذ موقف واحد وموضوعي مع كل القوى المتصارعة على الساحة الروسية الراهنة، وعلى مواقفها لكي يكون للكنيسة دور ملحوظ في التربية المدرسية والعسكرية، وعلى إعطائها دوراً أخلاقياً أنشط في مكافحة آفات الجريمة والمخدرات وكل أنواع الشذوذ الأخلاقي.

وباختصار يمكن القول إنّ الأرثوذكسية في صيغتها الروسية طمحت لكي يكون لها فلسفة تجمع بين حب المتسامي الإلهي وحب البؤساء الذين يتألمون.

الروح الجماعية (Sobornost):

الكلام عن روح الحضارة الروسية مرتبط بدوره بخاصية أخرى تتمثل في فكرة (Sobornost)، وتعني الروح الجماعية المتّحدة. ويرجع ابتكار هذا المصطلح إلى المفكر واللاهوتي الروسي الكبير خومياكوف، ويعني "الاتحاد الحر بين المؤمنين المسيحيين، والذي يأتي من طريق فهمهم المشترك عن الخلاص. وهذا الاتحاد قائم على حبهم الجماعي للسيد، وعلى فلسفة الحرية التي ترتفع إلى مرتبة القدسية. فالمبدأ الأساسي للروحانية الروسية لا يتمثل في السلطة الخارجية، بل في الروح الجماعية". هذا المفهوم شكل في الحقيقة واحداً من أبرز المفاهيم التي ارتكزت عليها الفلسفة السلافية والتي روجت لها كل الأنتليجنسيا التي انضوت تحت هذه الفلسفة. وتعتبر هذه الفلسفة أنّ مصير روسيا كان وسيبقى مرتبطاً بروح الاتحاد بين الجماعة الواحدة، وأنّ خلاصها لا يتمّ إلاّ بالوحدة المرتكزة على فلسفة الدولة العظمى، وعلى الوجدانية الجماعية الروحانية. والشرط الأساسي للوصول إلى هذه الحالة، أن يجسد الإنسان الروسي نفسه ليس في وحدانيته الروحانية، بل في روحانيته المتحدة بصفاء مع إخوته في الإيمان، مع مخلصهم، وأن يجد نفسه في التوق إلى الكمال، أو بمعنى آخر يجد ما هو الكامل في نفسه. وعندما ينجز هذه الرياضة الروحية مع ذاته ويصل إلى درجة الاتحاد الجماعي فيها، يمكنه أن يوظف هذه الطاقة الجماعية لتوطيد عرى الدولة الموحدة الكبرى.

والجماعية تنطلق من فكرة الجماعة، ومن فكرة ما هو مشترك في ذهنها ومنطق وجودها. والجماعة كما يعرّفها عالم النفس الفرنسي ديدييه أنزيو هي "المشاركة في التمثلات والمشاعر والإرادات". وبهذا المعنى، إنّ فكرة الجماعية الروسية دمجت في مجمل البنيان المشترك لعالم الإيمان الروسي مع فكرة الخلاص الذي يأتي من طريق الوعي الجماعي بالمقدس المتسامي وبالحاكم العادل. أو كما يعرّفها الفيلسوف الأمريكي ستيفن لايروز: "إنّ فكرة Sobornost الروسية مرتكزة على القول إنّ الإنسان على الرغم من أحاديته، يطمح مع المجموعة نحو الأعلى، نحو التسامي. وتلك الجماعية تحمل في ثناياها الوحدانية المتواصلة والمتوافقة مع الجماعية على مبدأي الحرية والمحبة".

من هنا فإنّ أنصار النزعة السلافية في الفكر الفلسفي الروسي يقرون بأنّ الغرب رغم ازدهاره المادي، لم يتمكن من تأسيس دولة كبرى مثل روسيا. فمن أجل وحدة هذا الشعب الأوروبي أو ذاك، كانت الضرورة تدفع النخب العسكرية والسياسية إلى اللجوء بداية إلى القوّة، فالبلدان المكثلكة كما يشير إلى ذلك خومياكوف "وصلت إلى الوحدة من دون حرية، بينما البروتستانت حصلوا على حريتهم من دون وحدة. أمّا الروسي فقد تمكن في تاريخه الطويل أن ينجز عملاً ضخماً تمثل في التوافق بين الوحدة والحرية في ظل ظروف كان كل إنسان روسي يشعر بأنّه معني ببناء دولته القوية".

تماهي الأنا مع الجماعة هو فعلاً سمة من سمات الشخصية الروسية، الأمر الذي جعل الروسي يعيش حالة من غياب الروح الفردانية التي يتميز بها الإنسان الأوروبي. لذا، فإنّ الروسي لم يذق حتى الآن حقوق الفرد بالمعنى الليبرالي والديمقراطي لهذه الكلمة. فالفردانية عنده تقتل التواصل الإنساني الدافئ مع الآخر. من هنا نرى السبب الذي يجعل فئة واسعة من أنتليجنسيا الأوروبية التي خيبت آمالها النزعة الفردية المتطرفة في أنانيتها، تحتفظ في مكتباتها بذلك البحث الذي كتبه فالتر شوبرت تحت عنوان "روسيا والإنسان الغربي". فهذا المفكر يشير إلى أنّه عندما يفكر الإنسان في الغرب بالآخر ينطلق فقط من نفسه. من هذه الرؤية النرجسية تنبت التربة الأوروبية المتغطرسة والحاقدة على الآخر. عند شوبرت، الروسي يتمايز نوعياً عن الغربي في هذه المسألة، فالروسي يعيش عذابات الآخرين، عذابات العالم، منطلقاً لا من "أنا" ولا من "أنت"، بل من "نحن". لذا فإنّ فكرة الالتزام بنضالات الشعوب وضرورة مساعدتها تشكّل سمة من السمات البارزة في تعامله معها، وكذلك التركيز على أنّ خلاص البشرية لا يأتي من طريق الفرد، بل من طريق الجماعة البشرية الواحدة.

وفعلاً، فإنّ التواصل مع الروسي يختصر عليك المسافات ويسقط الكثير من الحواجز النفسية. فهو يشعرك بالدفء الإنساني بمجرد أن تصدر عنك وعنه أولى الإشارات الودية، في حين أنك تشعر، وهذا ما يشير إليه المفكرون الغربيون أنفسهم، ومنهم شوبرت، أنّ الغربي، وتحديداً الألماني والبريطاني، دونه حواجز كثيرة تفصلك عنه. فالذي يعيش الفضاء الثقافي الغربي المتصف بالفردية والعقلانية و"التنظيم" يفرض على مواطنه نوعاً من التمركز حول الذات، على نحو يخفي في أعماق نفسه كل الأسرار الدفينة في شخصيته، ولا يطرحها حتى على أقرب المقربين إليه. ويمكن القول إنّ فلسفة الفرد عند الغربي مرتكزة على مبدأ الإنسان الفرد، الإنسان الأعلى، بينما فلسفة الفرد عند الروسي مرتكزة على مبدأ كليانية الإنسان. فكرة الخلاص عند الغربي تنطلق من الذات، من الفرد، بينما فكرة الخلاص عند الأنتليجنسيا السلافية ارتكزت على فكرة الخلاص الجماعي التي استقت مرجعيتها من الروحانية الأرثوذكسية. غير أنـّه مع أفول وهج خطاب تلك الأنتليجنسيا في بداية هذا القرن، أخذت الأنتليجنسيا السوفييتية، والروسية منها، تلك الفترة، وحولت (Sobornost) خطاباً دنيوياً قادته كتلة تاريخية جديدة، حاولت عن طريقه أن تبني مملكتها الأرضية عن طريق المساواة، طريق الاشتراكية، طريق الخلاص الجماعي من كل الأمراض الاجتماعية التي عاشتها روسيا… وحاولت أن تصمم تلك الفترة عن طريق الأممية… غير أنّ حلمها الطوباوي التغييري – الخلاصي الكوني استمرّ ما يقارب القرن، قبل أن يتكسّر أمام وقائع وضغوط الخارج والداخل، وأمام صراعات الأمم والشعوب والإثنيات والأديان.

نخلص إلى أنّ الذهنية الروسية عندما يحضر فيها العلم بقوّة، يخترق كلّ الحدود ليصل إلى العلمانية المتطرفة، وعندما تحتل العاطفة وعالم الوجدانيات والانفعالات مكانتها الظاهرة في أنماط التفكير والسلوكيات، تأخذ مداها البعيد لتصل إلى درجة النشوة المطلقة والنسيان التام لرقابة العقل المتزن على الأمور. روسيا كانت ترسم استراتيجيتها وأحلامها الكبرى انطلاقاً من جغرافية مكانها الكبرى ودولتها الكبرى. كانت عبقرياتها الكبرى تبدع في الفنون والعلوم، وتصطدم في الوقت نفسه بخيباتها الكبرى؛ روسيا نادراً ما كانت تأخذ بالحكمة الأرسطية القائلة إنّ "سعادة الناس في اختيار الفلسفة الوسيطة والاتزان في الأمور"؛ كانت دائماً شديدة الطموح في مشاريعها وإنجازاتها، وشديدة الدمار في علاقتها مع ذاتها أثناء مراحل ضعفها وتفككها… بيد أنّ سرّها الأكبر يكمن في أنّ وهج حضورها القوي على الساحة الأوروبية والعالمية عندما يخبو ويطول أحياناً هذا الأفول، يظن البعض أنّها دخلت مرحلة السبات العميق، وأنّ قوتها تلاشت، غير أنّها في كلّ مرّة تخرج من قمقمها، بحيث لا توازي قوة الأقوياء فحسب، بل تسبقهم في الكثير من المجالات، وكأنّ "روسيا" هذه وصورة "ميشكا" التي تحدثنا عنها في سياق هذه المقالة، في حال تطابق تام.

 

كلمات مفتاحية: سهيل فرح، حضارة روسيا، المكان ، المدى، الخصائص الإتنية و اللغوية، الشخصية الثقافية، الروح الجماعية