الرئيسية » حضاريات » ما هو “الإصلاح” في هذه السياقات؟ … سامي زبيدة الجزء الثاني
ما هو "الإصلاح" في هذه السياقات؟

ما هو “الإصلاح” في هذه السياقات؟ … سامي زبيدة الجزء الثاني

بما في ذلك الوهابيّة السعودية وانتشارها، فهي جزءٌ من ذاك التيار: لم يكن الإصلاح "المعتدل" والليبرالي هو ما يُسعى إليه. وبالتأكيد فقد ادُّعِيَ أن الحركة الوهابية وتأسيسها كانت إصلاحاً، واعترف بها على هذا النحو في بعض الأوساط.

لكن كان هناك نوع آخر من الإصلاح، بداية من القرن التاسع عشر: جزء من الإصلاحات العثمانية، والنهضة العربية، والثورة الإيرانية الدستورية في 1906. فالتجديدات في الشريعة والقانون كانت جزءاً من الحداثة الثقافية والسياسية، وكانت تسعى لجعل الإسلام متوافقاً مع التحولات الحديثة في المجتمع، والثقافة والسياسة. أما في إصلاحات العثمانيين، فالقانون، رغم أنه تضمّن الشريعة اسمياً، كان مصنّفاً كقانون مدني ومُأمماً كقانون دولة. وجاءت أكثر الصيغ تأثيراً في العقائد المجدّدة من الإصلاحيين الفكريين، ومن أبرزهم الإسلامي جلال الدين الأفغاني (1838-1897) وتلميذه محمد عبده (حتى 1905) الذي غدا مفتياً للديار المصرية.

لقد جُوبهوا من قبل الهيمنة الإمبراطورية للقوى الأوروبية على العالم الإسلامي، وكنظرائهم العلمانيين القوميين، التمسوا العلاج في الأمم الإسلامية متبعين الدرب التي أعطت أوروبا قوتها: العلم والعقلانية، والاقتصاد والإصلاحات العسكرية والتنظيم العقلاني للدولة والمجتمع. كانت هذه الخطوات على تناغمٍ مع الإسلام بشكل مثالي، ولم يناقش هؤلاء الإسلام المحرَّف للتاريخ الحالي (كما رؤوه)، وإنما الإسلام المبّكر للنبي والجيل الأول من المسلمين. وقرؤوا المفاهيم السياسية الحديثة من داخل الأصول الإسلامية: إذ أمر النبي بالشورى، أي التشاور بين المؤمنين على شؤون الجماعة، وهذه كانت ديمقراطية أوليّة. كما أخذ خليفة المسلمين شرعيته من البيعة، أي تعهّد بالولاء من أفراد المجتمع، وهو عنصرٌ آخر من موافقة مشروطة. أما المصلحة فهي مبدأ الصالح العام، والتي كان القانون المقدس سيفسّر وفقاً لها.

شكّل كلُّ هذا العمارة الايديولوجية للحداثة السياسية. أيّد النبي أيضاً العلم و المعرفة، مما سوّغَ تبني وتطوير المعرفة العلمية والتكنولوجيا العقلانية. وشكّلت هذه العناصر مكونات النهضة القومية، للحضارة والدين الصحيح: تقدمٌ ضد "التخلف" والتشوه في الدين والثقافة الناشئة عن تراكم قرون من سوء الحكم.

وفي الواقع، فقد تمثّل هؤلاء المصلحون النظرة الأوروبية للمجتمع المسلم فوجدوه استبدادي، مشوهّ، قدري وشهواني. وتقاسموا في هذا الصدد مع الوهابيين والعلمانيين العدائية للدين الشعبي، والصوفية، وزيارة القبور، وعبادة الأولياء، والسحر و"الخرافة"، (على الرغم من أن الوهابيين لديهم نصيبهم من الأخيرة: السحر يُعرف كجريمة جنائية، كما حرَق البروتستانت الساحرات). علمانية أتاتورك، أيضاً، كانت تستهدف الدين الشعبي: مُنِعت وجُرِّمّت الممارسات والطرق الصوفية، بينما وُضِع الدين "الأرثوذوكسي" تحت مراقبة الدولة. هكذا اتفق الإصلاحيون المسلمون والعلمانيون الحديثون أن الدين الشعبي كان عدواً للـ"التقدم" والحضارة،  وشجبه السلفيون/الوهابيون كشرك، ووثنية.

 

سامي زبيدة :

عالم اجتماع عراقي، يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع السياسي في كلية بيركبك، جامعة لندن. صدر له عدد من الكتب منها: "السلطة والشريعة في العالم الاسلامي"، "مذاق الزعتر: تاريخ الطعام في الشرق الأوسط"، "ما وراء الإسلام: نحو فهم جديد للشرق الأوسط".