الرئيسية » سياسة واقتصاد » ما العوامل المطمئنة إلى الليرة والوضع المالي بعد استقالة الحريري؟ فتشوا عن سياسة مصرف لبنان وخبرته في إدارة السوق إبّان الأزمات
m_lwml_lmtmyn_l_llyr_wlwd_lmly_bd_stql_lhryry.jpg

ما العوامل المطمئنة إلى الليرة والوضع المالي بعد استقالة الحريري؟ فتشوا عن سياسة مصرف لبنان وخبرته في إدارة السوق إبّان الأزمات

 

هذه التطمينات بديهية بعد الاستقالة التي لم تكن متوقعة والتي شكلت صدمة للرأي العام اللبناني. فهل هي واقعية، والى ماذا تستند؟

بدت مصادر مصرف لبنان التي تحدثت اليها "النهار" أمس مرتاحة وواثقة من "متانة الوضعين المالي والنقدي"، وتاليا من "جبه اي خلل يمكن أن يطرأ"، مستندة في هذه الثقة الى ما خلصت اليه الهندسة المالية اضافة الى "الثقة التي عززتها السياسات الحكيمة لحاكم مصرف لبنان مدى الأعوام الماضية والتي ارست نموذجا مصرفيا مريحا وصلبا على نحو عزز نسب السيولة والملاءة وكل المتطلبات العالمية". 

فقد أضحت السياسة النقدية التي ينتهجها مصرف لبنان، غير التقليدية منها خصوصا، نموذجا يحتذى به في المصارف المركزية العالمية، حيث أثبتت نجاعتها وجدواها في مواجهة التحديات. وتقوم هذه السياسة على مبادرات وهندسات توازن بين صون الاقتصاد وتنمية المجتمع. 

ففي الشق التنفيذي، دأب مصرف لبنان على أداء دوره النقدي المالي التقليدي على أكمل وجه، مدعوماً بسلة من الادوات. وتبرز ملامح هذا الدور من خلال المحافظة على الاستقرار النقدي وسعر الصرف، مدعوماً بموجوداته من العملات الاجنبية التي بلغت مستويات قياسية تاريخية وصلت الى 43.5 مليار دولار، يضاف إليها مخزونه الوفير من احتياط الذهب الذي يشكل صمام أمان للاقتصاد ويأتي في المرتبة الثانية عربياً والثامنة عشرة دولياً. ومن هذه الملامح ايضا تأمين استقرار معدلات الفوائد، وتأمين مصادر التمويل للقطاعين العام والخاص، كما بلغ معدل الشمول المالي في لبنان نسبة 47% مقارنًة بـ 18% في الدول العربية. ودور المصرف المركزي تجلى ايضا بتأمين نظام دفعٍ محلي، آمن ومتطور، وإدارة فائض السيولة الذي بلغ نحو 20 مليار دولار من خلال إصدار شهادات الايداع وتشجيع التسليف بالليرة اللبنانية، بما يجنب البلاد مخاطر التضخم الذي حصر ضمن سقف الـ 4%. ولا ننسى كذلك اهمية تطوير الاسواق المالية، حيث انشئت لهذه الغاية هيئة الاسواق المالية. يضاف الى هذا كله إدارته الدين العام للدولة بشكل مجد وفعال على نحو أدى الى الاستمرار في تأمين ملاءة الدولة اللبنانية.

ومن المفارقات التي يجدر التوقف عندها كونها تشكل دلالات على نجاعة السياسة التي ينتهجها مصرف لبنان، هي ارتفاع نمو الناتج المحلي الى مستويات قياسية بعد عامين فقط من حرب تموز، ونجاح لبنان، في الفترة عينها، في النأي عن خسائر أحد أخطر الأزمات المالية العالمية التي ركّعت اقتصادات دول عظمى. ومن المفارقات ايضا استمرار تدفق رؤوس الاموال من دول الاغتراب اللبناني بالوتيرة عينها، وفي بعض الاحيان سجلت تصاعدا ملحوظا. كما نجح لبنان في المحافظة على نسب نمو ايجابية في ظل التخبط الاقليمي والحرب الدائرة في سوريا والتي تسببت بأكبر أزمة نازحين منذ الحرب العالمية الثانية. 

بناء على ما تقدم، تختم المصادر بالقول: "لا شيء يستدعي منا القلق والتخوف على الاطلاق".

يوافق الخبير المصرفي الدكتور غسان العياش على ما قالته مصادر مصرف لبنان، خصوصا ان الاخير بات يملك خبرة طويلة في إدارة سوق القطع إبّان الأزمات الكبرى كما حصل في ظروف صعبة مرّت سابقا على البلاد، مثل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وحرب تمّوز 2006 والأزمة المالية العالمية سنة 2008.

إلا أنه يشير الى أن الآثار المحتملة للأزمة الناشئة عن استقالة الرئيس سعد الحريري يمكن أن تقسم إلى مرحلتين، الأولى قريبة والثانية متوسّطة الأجل.

المرحلة الأولى يحتمل أن تشهدها الأيام القريبة المقبلة، حيث يمكن أن تتعرّض سوق القطع لضغوط تتمثّل بطلب مرتفع على شراء العملات الأجنبية، لأن قسما من الجمهور يخشى أن تطيح الأزمة السياسية الناشئة استقرار سعر الصرف. لكن هذه المخاوف، وفق العياش "لا بدّ أن تتبدّد في فترة قصيرة جدّا بسبب قدرة مصرف لبنان على استيعاب الطلب المحتمل على العملات الأجنبية من دون أي صعوبة. فالموجودات الخارجية لمصرف لبنان بلغت في نهاية تشرين الأوّل، أي قبل أسبوع، 43.5 مليار دولار، والمصرف، بالتالي، يملك سلاحا كافيا لمواجهة أي طلب على العملات نتيجة هلع بعض المودعين. فموجوداته الخارجية، من دون الذهب، تبلغ 85% من ودائع القطاع الخاص المقيم بالليرة اللبنانية، وهذه النسبة تمكّن مصرف لبنان من مواجهة موجات الطلب على العملات مهما كانت عاتية. كما ان 62% من الودائع مدولر أصلا، إذ تبلغ ودائع المقيمين بالعملات 82.5 مليار دولار في مقابل ما يعادل 52 مليارا بالليرة اللبنانية". ويطمئن العياش الى أنه "لن يتمّ تحويل كل الودائع بالليرة، لأن قسما كبيرا من المودعين بالعملة اللبنانية لن يتأثر بموجة الخوف التي لا مبرّر لها. إضافة إلى ذلك فإن نسبة من هذه الودائع بالليرة تعود إلى مؤسّسات "شبه عامّة" لا تحوّل ودائعها إلى الدولار، مثل الضمان الاجتماعي".

لكن، ماذا لو استمرت الأزمة السياسية فترة طويلة؟ يجيب العياش أنه في هذه الحالة "قد يضطر مصرف لبنان ووزارة المال إلى رفع الفوائد على الليرة اللبنانية مما يزيد كلفة الدين العام وتاليا عجز الموازنة".

والامتحان الصعب الذي سيواجهه الاقتصاد اللبناني والدولة اللبنانية يأتي في المرحلة التالية التي تعقب الاضطرابات القصيرة المدى في سوق القطع، ذلك ان "استقالة حكومة الرئيس الحريري تشكّل صدمة لطموحات عهد الرئيس ميشال عون الى تحقيق خطوات إصلاحية وأخرى تستهدف رفع مستوى النموّ الاقتصادي في البلاد. وأولى ضحايا الاستقالة هي موازنة سنة 2018 التي سيتعذّر إقرارها ممّا يهدّد بعودة الدولة إلى الجباية والإنفاق بشكل فوضوي ومن دون إجازة برلمانية".

ومن البديهي أن اللبنانيين لا يتوقعون في مرحلة ما بعد الاستقالة أي خطوات ومشاريع لإخراج الاقتصاد اللبناني من حالة الركود التي يعيشها والتي أدّت إلى ارتفاع معدّل البطالة وانخفاض سريع في مستوى المعيشة الذي تسارع بفعل تزامن الركود مع مشكلة النزوح السوري… "لذا فالدولة مهدّدة بالشلل من جديد"، يختم العياش.

سلوى بعلبكي 

النهار: ٦-١١-٢٠١٧