الرئيسية » حضاريات » ليف تولستوي – موت إيفان إيليتش
tolstoyrepin.jpg

ليف تولستوي – موت إيفان إيليتش

تبدأ الرواية من نعي إيفان ايليتش في الجريدة ومرور بيتر ايفانوفيتش على بيته حيث يقابل ابنته وزوجته، الزوجة تفكر في الإجراءات التي ينبغي إتمامها للحصول على التعويض المالي، فالمُتوفَّى نائب عام في سلك القضاء، أما بيتر ايفانوفيتش رفيق المتوفَّى في لعب الورق فلا تمنعه الوفاة من أن يعدّ لسهرة لعب.

ستكون الرواية كلها على هذا النسق، مقابلة دائمة بين نداء النهاية ورعبها وبين صغائر الحياة وتفاصيلها. سنعود إلى ماضي ايليتش وتدرجه في الوظائف ومناكداته مع زوجته. لكن ما يأخذ بتلابيب الرواية هو تدهور ايليتش إلى الاحتضار وانهياره الصحي وتفاقم أوجاعه، واصطدامه وهو في الحال هذه بيوميات حياته المنزلية. بدأ مرضه بتغير مذاقه والضيق في الجهة اليسرى من صدره وسرعة تهيجه. قابل الطبيب الذي أبدى استياء من حاله انعكس شعوراً أشد استياء في داخله، لكنه حين عاد ليروي لزوجته ما جرى استعجلت هي وابنته الخروج من الدار وقاطعا حكايته المملة. بدأ ايليتش يقنع نفسه بأنه يتحسن، وكان هكذا يكذب على نفسه. لقد زاد انزعاجه من مضايقات الناس وخسائر اللعب. كان وضعه يسوء وهو يكذب على نفسه حين يقارن بين يوم وآخر. كانت إمرأته تنحو باللائمة عليه لأنه لا يلتزم بوصايا الأطباء ولا يأخذ الأدوية في موعدها. أما في اللعب الذي كان سلواه، فيلاحظ الجميع أنه يتألم أثناءه ويقترحون إيقاف اللعب. يحضر أخو زوجته لزيارتهم فيتعجب من ضعفه الظاهر ويقول لأخته: «ألا ترين أنه ميت» ويبدأ يفكر في الموت «أنا ذاهب قبلهم لكنهم سيموتون جميعاً». كان في حاله هذه يكره امرأته حتى وهي تقبّل جبينه ولا يرتاح لعائلته. كان الموت قبالته كل لحظة ولا يستطيع أن يهرب بأفكاره منه.

بدأ نومه يتناقص فأعطوه الأفيون والمورفين، وصار تغوطه يحتاج منه إلى طريقة خاصة يخرج منها منزعجاً ويترك أحد خدمه ينظف مكانه. لم يعد يقدر على النهوض فصار يطلب من الخادم أن يساعده. كان يضيق بالجميع إلا هذا الخادم الذي يرتاح لوجوده معه، ويريد منه أن يبقى. يطلب من الخادم أن يرفع رجليه على أريكة، بل وعلى وسادة فوقها. كان يتضايق من قوة وحيوية الآخرين، إلا أنه لا يضيق بحيوية وقوة الخادم الذي يساعده، بل يشعر بأنه يتحسن كلما لمسه هذا الخادم.

ما كان يعذبه هو الكذب: كذب الذين يقولون له محاباة انه في صحة جيدة ويتجاهلون انه على حافة الموت. كذبهم كان يجعل حدث موته حدثاً مبتذلاً وعاديا كأي حدث: «كفى كذباً. أنتم تعلمون وأنا أعلم أنني أموت». الخادم وحده لم يكن يكذب فقد قال له وهو يلح عليه لينصرف: «كلنا نموت، فلماذا نوفر على أنفسنا بعض المشقة؟». كانوا يكذبون حين يتجاهلون تدهوره فيما يطلب هو منهم أن يرثوا له وأن يداعبوه ويعاملوه بحنان، ان يعانقوه ويبكوا قربه.

لكن زوجته التي كان يلومها في داخله على خديها الموردين وصحتها الظاهرة فبقيت تلومه وتلقي بالتبعة، تبعة المرض، على عاتقه، وحين يخرج الجميع من غرفته بمن فيهم ابنته وزوجته، يشعر ان الكذب يخرج معهم، وحين يبقى وحده يبكي على وحدته وعلى قسوة الجميع. وحين ينفرد يشعر بأن الأفراح التي عرفها في حياته مشبوهة وفارغة. لقد انحصر الداء في كليته وأمعائه وها هو يفكر ويستعمل ذكاءه ليغير في عملهما. لقد ضاق بعائلته وبالأطباء، وامتلأت نفسه كرها لهذه ولهؤلاء: «انهم لا يتركونه يموت بسلام». هكذا يتفاقم المرض ويقترب الموت، فيما الآخرون سادرين في ترهاتههم.

 

 السفير