الرئيسية » حضاريات » ليف تولستوي الكاتب الروائي المبدع والإنسان الشفاف – د. ماجد علاء الدين
ليف تولستوي الكاتب الروائي المبدع والإنسان الشفاف – د. ماجد علاء الدين

ليف تولستوي الكاتب الروائي المبدع والإنسان الشفاف – د. ماجد علاء الدين

الذي يعتبر هرماً عالمياً فريداً من نوعه في كل الكرة الأرضية، التي عاش عليها حياة مديدة بدأها في 28 – 9 – 1828 في قرية ياسنايا بوليانا (المرج الجلي)، في أسرة عريقة يرعاها والده الكونت  نيقولاي – حفيد هذه الأسرة الروسية القديمة، ذات الأملاك الواسعة في منطقة تولا، والتي تبعد عن موسكو بحدود 190 كم، وعاش ليف نيقولايفتش تولستوي كوريث أساسي لوالده، الذي كان يمتلك عدة قرى مع أراضيها الخصبة والواسعة، وللكاتب تولستوي قصة طويلة مع هذه الأملاك، التي تعامل معها حسب تطلعاته الإنسانية، فطور الزراعة في بعض جوانبها، وكان أول من زرع بعض المزروعات الجديدة ومنها البطاطا في هذه المنطقة بعد أن جاء بها بطرس الأول من أوروبا إلى روسيا. ولقب تولستوي بالقيصر الثاني لعظمته، وحكمته، وسعة إطلاعه، وعظمة نتاجه الأدبي والاجتماعي والتاريخي، وعسى أن نلقي الضوء على بعضها في هذه الدراسة الانطباعية الببليوغرافية لدرجة ما.

وكان الرقم 60 طالباً من ستين بلد رمزاً خاصاً يذكرنا بأن الكاتب العظيم ليف  تولستوي قد رحل إلى مثواه الأخير بعد حياة مديدة وغنية بكل جوانبها قبل ستين عاماً في 20-11-1910م. واستمرت الرحلة في اتجاه واحد إلى منطقة تولا مدة ثلاث ساعات حتى وصلنا إلى قرية ليف تولستوي، ولم نشعر بالملل إذ كانت الحافلة الحديثة والمكيفة تجتاز الأراضي الروسية بغاباتها رائعة الجمال على حافتي الطريق، وتحت هذه الأشجار وعلى بعض أغصانها الورقية كان يتكدس بعض الثلج الأبيض الناصع، وفجأة ومن باب التعريف قال الدليل: هذه هي أراضي ياسنايا بوليانا، والتي تعني "المرج الجلي" بين الغابات الكثيفة، وبعد ثلاثين دقيقة تقريباً سنكون في ضيافة أحفاد ليف تولستوي. وفعلاً توقفت الحافلة بعد هذا الوقت، ونزلنا منها، ومشينا بضعة دقائق بين أشجار الصنوبر والسنديان، فوق الثلج عبر طريق للمشاة، حتى جاء صوت الدليل قائلاً: هنا، فوق هذه الربوة يرقد جثمان الكاتب العظيم، وها هو الضريح الذي يعلو قليلاً عن مستوى الأرض، يبدو بطول مترين وعرض 80 سم تقريباً، ومن حوله زُرعت بعض الورود والزهور، التي تتحمل البرد أكثر من غيرها.

أمام ضريح تولستوي:

كونا حلقة مقفلة في الإطار المسموح الوقوف عليه حول الضريح، فرحب بنا الدكتور إيفان بورمين مدير قسم الطلبة الأجانب، في جامعة موسكو الدولية، ويعدون بالآلاف، إذ قال: "هنا وتحت هذا الضريح الترابي، الذي لا يعلو عن وجه الأرض إلا قليلاً – حسب وصية الكاتب – دفن العملاق الإنسان ليف نيقولايفتش تولستوي، الذي أوصى أن يكون جثمانه هنا في ثرى هذه الربوة الترابية وبين هذه الأشجار الصنوبرية، التي أحب تولستوي أن يقضي خلال حياته بعض الوقت بالاعتناء بهذه الأشجار والجلوس على هذا المقعد الخشبي، الذي ما زال قريباً من مكان الضريح، وكان يحب القراءة والتبصر في هذا الجو الهادئ والنقي في هذا المرج الواضح الذي يتضمن بيت ومتحف والمدرسة، التي أسسها ليف تولستوي لتعليم أولاد الفقراء، وسترون بعد أن نغادر مكان الضريح كل من هذه المعالم، التي أسسها الكاتب.

وأضاف بورمين: لا يسعني هنا إلا أن أضع إكليل من الغار والورود باسمكم بمناسبة الذكرى الستين لرحيل الكاتب والمفكر العظيم الإنسان ليف نيقولايفيتش تولستوي، الذي يعتبر من مشاهير العالم الذين وضعوا أحجار الزوايا لصرح بعض القلاع الأدبية. وأريد أن أقول إن تاريخ هذه الأسرة العريقة من أجداد وأسلاف ليف تولستوي ترتبط بتاريخ الشعب الروسي وحضارته خلال العديد من القرون، ولذلك فإن الغزاة من الجيش الفرنسي، الذين احتلوا هذه المنطقة وحاولوا أن يغيروا معالم هذه القرية والبعض من آثارها، وهذا ما تكلم عنه ليف تولستوي في بعض أعماله وخاصة في رواية "الحرب والسلم"، التي تعرفونها جيداً، ويعرفها العالم بأجمعه، ولكن الشعب الروسي لم يسمح لهم أن يخربوا بيوت وتراث آبائه وأجداده وسرعان ما طردهم في العام 1812، وأنتم تعرفون بعض الشخصيات التي تكلم عنها تولستوي في الرواية كانوا من أبناء الشعب الروسي، الذين درسوا في المدرسة التي أسسها تولستوي هنا، ومنهم بعض أبناء الفقراء، الذين تبناهم وعلمهم ليف تولستوي، وأنتم تعرفون أن ليف تولستوي قد عكس من خلال هذه الرواية صفحات تاريخية مهمة عن الشعب الروسي.

ثم أعطى مدير الطلبة الأجانب في جامعة موسكو لطالب من فيتنام أن يقول كلمة باسم الشعب الفيتنامي، فقال: "إننا نحني بهاماتنا احتراماً وإجلالاً أنا وأبناء شعبي أمام عظمة هذا الإنسان، الذي صور تاريخ النضال ضد المستعمرين والمعتدين خلال التاريخ الطويل للإنسانية، وعندما تكلم ليف تولستوي في أعماله عن الأعمال الوحشية للتتر والمغول والأتراك العثمانيين والفرنسيين، قد أدان كل هؤلاء المستعمرين ومن خلال وصفه لوحشية الغزاة القدامى، شعرنا أنه قام بدور مهم بإدانة الغزاة الألمان الفاشيين، الذين حاولوا أن يدنسوا هذه الأرض الروسية في الحرب العالمية الثانية، كما حاول الغزاة الفاشيست أن يعثروا على ضريح ليف تولستوي وينبشوا رفاته، لكن أبناء الشعب الروسي شكلوا سداً منيعاً أمامهم وتم طردهم كقوة إجرامية معادية للإنسانية، وعندما أدان ليف تولستوي في مؤلفاته الخالدة إجرام الاستعمار مهما كان نوعه، شعرنا ونحن نناضل ضد الاستعمار الأمريكي وقبله الفرنسي أن تولستوي يقف إلى جانبنا في نضالنا، وكانت كتبه عبارة عن نداءات حقيقية إلى الشعب الروسي أن يتابع تحقيق هذه التقاليد التي سار عليها أباؤه وأجداده، وها هو لم يسمح للغزاة والمستعمرين في كل العالم أن يحققوا أطماعهم، ولم يسمح الشعب الروسي لنفسه أن يعتدي أو يستعمر شبراً من أرض الغير

فلسطين تتكلم عن حبها لتولستوي:

ثم أعطيت الكلمة لزميل من فلسطين يستند إلى عكازين، وهو من مشوهي الاعتداءات الإسرائيلية التي مورست في الحروب البشعة للصهيونية ضد حركة التحرر الوطني الفلسطينية، فقال:

إنني باسمي واسم زملائي، وباسم شعبي الفلسطيني أنحني احتراماً وتقديراً لهذا الكاتب الإنسان الروسي الشهير، الذي يعتبر ابناً باراً لكل المجموعات البشرية، التي تمثل الحضارة الإنسانية على وجه الكرة الأرضية ليف نيقولايفيتش تولستوي، الذي تعتبر كتبه من خيرة الوثائق والوصايا لبني البشر أن يحافظوا ويطوروا ويصونوا كل ما هو إنساني رفيع ويحاربون كل ما هو عدائي وإجرامي واستعماري وفي مقدمتهم الفاشية والصهيونية والإمبريالية، هذا ولا يسعني إلا أن أذكر هنا، ونحن نقف أمام ضريح ليف تولستوي كيف قام ليف تولستوي بدعم الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاستعمار العثماني، وساهم تولستوي مع جمعية الصداقة الروسية الفلسطينية بتأسيس الكثير من المدارس تزيد عن مئة وخمسين مدرسة يتم التعليم فيها باللغة العربية، حتى لا تطغي اللغة التركية، التي حاول الاستعمار العثماني فرضها على الأمة العربية، وعرفت هذه المدارس باسم المدارس الموسكوية، وضمت هذه المدارس أكثر من 15000 خمسة عشر ألف طالب وطالبة من العرب، وتميزت هذه المدارس بما يلي:

1- يجري التعليم في هذه المدارس باللغة العربية ولكافة المواد.

2- يكون التعليم مجاني في جميع مراحله على حساب الجانب الروسي.

3- تؤمن الرعاية الشاملة لجميع التلاميذ والطلاب والطالبات دون تمييز.

4- ترسل إدارات هذه المدارس الطلاب المتفوقين إلى روسيا لتلقي التعليم الجامعي مجاناً.

وحظيت هذه البعثات العلمية والمدارس الناصرية (في مدينة الناصرة الفلسطينية) برعاية واهتمام الكاتب العظيم ليف تولستوي، الذي نقف بإجلال أمام ضريحه، ولا يسعنا إلا أن نمجد ذلك السفير الروسي، الذي أرسل الكثيرين من أبناء الشعب العربي بمن فيهم المواطنة الفلسطينية رمزه عوافية، التي كتبت في رسالتها المؤرخة في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1906م إلى ليف تولستوي ما يلي: "إن أهالي بلدنا يكنون لكم الاحترام الكبير، وينطقون باسمكم بتبجيل وتقديس، إنهم يرغبون في مصافحتكم والتحدث إليكم حول مشاكلهم

داخل المنزل الأسري للكاتب:

غادرنا مكان الضريح بعد أن وقفنا دقيقة صمت على روح الكاتب العظيم، ثم اتجهنا إلى البيت، الذي عاش فيه مع زوجته صوفيا أندريفنا وأولاده فاطلعنا على المكتبة الغنية، التي كانت بحوزة الكاتب العظيم، ومعظمها كانت مؤلفات من إنتاج يراعات زملائه الكتّاب الروس والأجانب، وفي الصفحة الأولى من كل كتاب كانت كلمة الإهداء مع توقيع المؤلف، والملاحظ أن معظم الكتّاب المشاهير كانوا يكنون الاحترام والتقدير لشيخ الكتّاب ليف تولستوي. كما اطلعنا على غرفة نومه وسريره المتواضع والطاولة، التي كان يجلس إليها ويكتب عليها، وغرفة المطعم الأسري وأثاث المنزل، والغرفة التي يستخدمها للقيام بتجهيز بعض الأدوات الخاصة للزراعة، والاعتناء بزراعة الخضار ورشها بالمبيدات الحشرية، ومكان خاص بخياطة الفراء من جلود الأغنام، وبعض الجزمات الجلدية من صناعته وتصميمه، والأحزمة الجلدية المتينة، التي كان يستخدمها في حياته، وسروج الخيل، التي أتقن حرفتها، والرسن المزخرفة للخيول المخصصة للركوب، والخيول الخاصة بجر العربات، زد على ذلك أنه كان يقوم بتجهيز حذو الخيل حسب القياسات المختلفة وبالتعاون مع الحدادين وأطباء البيطرة، ويربي أنواع الخيول، التي أحبها، واستخدمها في ترحاله وزياراته للقرى المجاورة، وعدد العربات التي كانت مخصصة للسفر في الشتاء.

ثم اطلعنا على بناء المدرسة، الذي صممه ليف تولستوي لتعليم أولاده مع أولاد الفلاحين في المنطقة، وتحدث لنا الدليل عن بعض المعلمين المتخصصين في شتى أنواع العلوم والذين استدعاهم الكاتب من أوروبا، وكنت قد اطلعت شخصياً على مذكرات جان جاك روسو التي أشاد فيها بالفكر التنويري الذي امتاز به ليف تولستوي، والذي ساهم بتطوير العلوم في عموم روسيا والدول القريبة منها، وخاصة تلك الطرق التربوية التي حاول جان جاك روسو أن يبحثها مع تولستوي ومنها أن تترك للطفل فرصة الحرية لتنمية مواهبه الطبيعية، دون أن تعطلها مؤثرات الحضارة الفاسدة. فالتربية – حسب نظرية روسو – تأتي من داخل النفس البشرية، وهدف التربية الأسمى هو أن يتعلم الإنسان كيف يعيش وينتج دون إملاءات خارجية، ولقد ألقى روسو بعض المحاضرات والدروس في مدرسة ليف تولستوي في ياسنايا بوليانا (المرج الجلي) ولقد عمل روسو لأن يؤثر في تطوير التربية حسب الطرق الحديثة، وكان بذلك رائد الحركة الرومانسية الحديثة في الأدب والتربية.

تولستوي يوزع قسماً من أرضه على الفقراء:

ولقد أسعدني الخط أن أقف في ذلك المكان الذي كان يقف فيه ليف تولستوي في يوم الأحد من كل أسبوع ليستقبل جمهرة جديدة من الفلاحين والفقراء المحتاجين، ويقوم ليف تولستوي بتوزيع المساعدات على أبناء الفقراء والمعدومين، ولقد كان تولستوي من أنصار إلغاء قانون الرق والعبودية وامتلاك الفقراء لصالح الإقطاعيين المستبدين وكان لقانون 1861 الأثر الكبير في حياة ليون تولستوي، فأخذ يعتق بعض الفلاحين ويعطيهم حريتهم، ويوزع عليهم بعض الأراضي من ممتلكاته الخاصة، وهذا ما أثار حفيظة القيصر ضد الكاتب تولستوي، وحاولوا حرمانه من لقب الكونت، الذي تمتلكه أسرة تولستوي في عموم روسيا، وكان لاغتيال القيصر ألكسندر الثاني الذي ألغى قانون الرق دوراً كبيراً في التغيير العاصف في عموم روسيا، كما أثار حفيظة زوجة تولستوي صوفيا أندريفنا، التي حاولت تحريض بعض أولادها وبناتها ضد سياسة والدهم الإنسانية في مساعدة الفلاحين التابعين لأسرتهم عبر فترة زمنية طويلة من سيادة قانون الرق والعبودية، وحاولت أن تستعيد بعض الأراضي منهم رغماً عن إرادته وهذا ما أغاظه وعكر حياته، وهجر منزله لبعض الوقت.

أما ليف نيقولايفيتش تولستوي فقد امتاز على المستوى العالمي ككاتب عظيم ومفكر مبدع بميزة خاصة عنوة عن كل كتّاب العالم، وهي أنه تعامل مع بني البشر أينما كانوا معاملة إنسانية شفافة، قائمة على حقيقة الخير المتجسدة في عالم الإنسان الروحي الشفاف، بعيداً عن أي تعصب ديني أو قومي أو طائفي ومذهبي أو عائلي وقبلي وبكلمة أنه تعامل مع كلمة إنسان كلفظ مقدس ضد الكذب والرياء والخداع، مما جعل حياة الكاتب العظيم تسير في خط مستقيم وكان شعاره الصدق والاحترام للآخرين والمودة، وكان إنساناً وطنياً يقدس كل حبة تراب من أرض روسيا، التي أحبها ومجدها عندما كان يسير مدافعاً عن الحق والحقيقة، وضد الاستعمار والظلم والتسلط، وكان ينتقد المعبودات الدينية، عندما تبتعد عن الصدق في العبادة وهذا ما جعل الكنيسة في روسيا توجه له بعض النقد أنه يعارض التوجهات الدينية التي تدعو لها، ولكنه خرج من هذا الحوار منتصراً نسبياً لأنه أراد أن لا ينخرط الدين في السياسة لصالح الظلم والاستبداد ضد عامة الشعب.

تولستوي ونشر كتبه:

أما بالنسبة للمسألة الوطنية فلقد كانت شغله الشاغل منذ أن كان في ربيع شبابه، إذ التحق بالجيش الروسي، وهو في غنى من حيث وضعه الاجتماعي عن هذا، فهو المتصرف بثروة كبيرة ورثها عن والديه بعد أن فارقا الحياة وهو في التاسعة من عمره، وكان كبير أخوته وأخواته، وكان التحاقه بالجيش لدافع وطني خالص، فوقف منذ طفولته ضد الغزو الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت لوطنه روسيا، وغادر إلى صفوف الجيش في العام 1851م وحارب في منطقة القوقاز ودافع عن مدينة سباستول ضد الأتراك، ومنذ الأيام الأولى لخدمته في الجيش أخذ يفكر بإبداع روايته العظيمة "الحرب والسلم" وكانت المؤلفات التي نشرها في بداية الأمر بمثابة الفصول الأولى للأعمال الكبيرة، التي صدرت لاحقاً. فنشر الأجزاء الأولى من مذكراته: "الطفولة" (عام 1852م) و"الصبا" (عام 1854م) و"الشباب" (عام 1857م) – استقال من الخدمة العسكرية، وأسس معهد لتعلم الفلاحين لتحريرهم من نير التخلف والإقطاعية، تزوج من الشابة صوفيا أندريفنا عام 1862 وخلال فترة 1865 – 1869 ألف الملحمة النثرية التاريخية التي تعكس الصراع العنيف للروس ضد غزو نابليون بونابرت حتى تم طرده مع جيوشه من الأراضي الروسية في العام 1812 بعد كسر جيوشه وإصابته شخصياً في معركة بورادينو الشهيرة، وما زالت هذه الرواية الشهيرة "الحرب والسلم" هي أهم رواية تاريخية تعتبر من أروع ما كتب عن الحرب وصراع الجنرالات الروس والفرنسيين، ويبرز المؤلف تولستوي التفوق الروحي والوطني للجيش الروسي على الجيش الفرنسي المعتدى على الحقوق القومية الروسية، وحسب اعتقاد تولستوي أن النصر الوطني الذي حققه الجيش الروسي في تلك المعركة الشهيرة بورادينو، إلا انتصاراً حقيقياً لقوى الخير المدافعة عن أوطانها وقيمها وحقوقها ضد قوى الشر الغازية والمعتدية بقيادة القائد المغرور والمتهور نابليون بونابرت، الذي هرب أمام حكمة القائد العسكري كوتوزوف.

ولقد أسعفني قدري، وبحكم دراستي وتخصصي أن أقرأ معظم نتاجات الكاتب العظيم ليف تولستوي، قسماً منها باللغة العربية والقسم الآخر باللغة الروسية، وأقولها بكل صراحة وطيب خاطر، أن قراءة هذه الثروة الأدبية الهائلة لهذا الإنسان العظيم بما في حياته من تناقضات وصراعات روحية وعاطفية واجتماعية وسياسية هي خير هدية منحني إياها القدر خلال حياتي، لأن قراءة الأعمال الأدبية المهمة، وخاصة رواية "الحرب والسلم" باللغة الأم وهي متعة رائعة. وكان كل عمل من أعمال تولستوي، – صغر أو كبر – يعكس حدثاً أو أحداثاً واقعية حصلت معه بكل أبعادها، أو غير فيها بعض التغيير البسيط، الذي لا يؤثر على حقيقتها ومغزاها ومعناها في الحياة، وأتمنى من أعماقي أن يكون ليف تولستوي في الحرب العالمية الأولى والثانية من الأحياء لأن البشرية لم تحظى بكاتب مؤرخ ليصور تلك الأحداث الكبيرة والعملاقة، التي حصلت في هاتين الحربين، ولو كان تولستوي على قيد الحياة وشاهد بأم عينه كيف حاصر هتلر بجيوشه منطقة تولا التي ينتمي إليها تولستوي كمسقط لرأسه لكنا قد قرأنا ملاحم تاريخية مهمة لإدانة المجرم التاريخي الأول أدولف هتلر وقرانا الصفحة الناصعة عن نضال الشعب الروسي العظيم وانتصاره، وإذا كان وصف تولستوي كيف جُرح نابليون في معركة بورادينو وهرب ليلقى حتفه على أثر هذه الإصابات وهو فوق حصانه الأبيض، الذي لم يجديه نفعاً، فكان بودي أن أقرأ وصفاً حياً لاندحار هتلر، وقتله لزوجته وأولاده بأمر منه أن تعطي الأم السم لولديها وتشرب بعدهما، أما هو فيطلب أن يحرق جثمانه بعد انتحاره في أعماق أقبية الرايخ الألماني

أما في رواية آنا كارنينا فعكس المؤلف تولستوي الحياة في مدينة بطرسبرغ، كما رسم الصراع المونولوجي في أعماق الشخصيات الأدبية ، كما تناول تلك الشكوك الكثيرة، التي كانت تنتاب الكاتب نفسه في شبابه، وأخذت تزداد حدة مع كبره، ولقد أدت هذه الشكوك والصراعات النفسية الداخلية إلى ارتداد تولستوي عن طروحاته الأولى في شبابه وعودته للإيمان بالمسائل الميتافيزيقية الغيبية، ولقد تعمقت مسألة العودة إلى الغيبيات الدينية في داخله من جهة وازدادت الشكوك في المستقبل المجهول للإنسانية في ظل الديانات على اختلاف أنواعها وأشكالها، كل هذا جعله ينتقد بعض أعماله الأولى، وينتقد الإبداع الفني في رواياته الأخرى وما إلى ذلك من تناقضات وحوارات اجتماعية وسياسية والخلافات مع زوجته وأولاده جعله يؤمن بأن الحلول صعبة للغاية على مستوى المجتمع ككل، طالما الحل عسير على مجال الأسرة، وهذا ما جعله يؤمن وهو في حالة ضعف يفرضها عليه عامل الكبر في السن مع ابنته الصغرى ألكسندرا التي بقيت ملازمة له عنوة عن كل أخوتها وأمها، وهكذا أصيب ليف تولستوي بنزلة نتيجة البرد في إحدى محطات القطار وتوفي على أثرها. وكان ذلك في العام 1910م لينقل إلى بيته، وكان قد كتب في وصيته أن يدفن بتراب تلك الربوة دون أية شاهدة على قبره ولا أي تمثال وبهذا أعرب تولستوي عن رفضه لأي شيء دنيوي يكون تحت تصرفه أو يعود له بعد وفاته، وهذا نوع من الرفض الكلي للملكية الخاصة التي أحب أن يوزعها على فقراء الفلاحين، بينما رفضت زوجته وأولاده هذا، وحتى كان يكره أن يلبس ثياباً من صنع الغير فصنع ملابسه بنفسه ومستلزمات حياته أيضاً. ولم يفكر الباحثون في هذا الأمر كما يجب للوصول إلى حقيقة كونية حول هذا الأمر

ولقد ساهم خريجو المدرسة الناصرية في فلسطين بترجمة العديد من أعمال ليف تولستوي، إذ قامت رمزه عوافية وانطون بلان بترجمة "البعث" عام (1909م) و"سلطة الظلام  " (1911م) و"قصص شعبية" (1913م). ومن خلال هذه التراجم تعرف القارئ العربي كيف قام الشعب الروسي خلال تاريخه الطويل ببذل كل ما لديه، وضحى بأغلى ما لديه في الدفاع عن الوطن الروسي. وتعرف القارئ إلى تلك الآلام والمصائب التي ألمت به نتيجة الحروب الظالمة والفتاكة، والقوانين السوداء كقانون الرق والعبودية وغيرها. وفي الوقت نفسه يطلع القارئ على السمات الرائعة والتسامحية للشعب الروسي وطبيعته المسالمة، وحبه للوفاء والتضحية من أجل الوطن. ولهذا كان وما زال للكاتب العظيم ليف تولستوي دور الريادة في نفوس أبناء الشعب الروسي لعدة أسباب منها قرب تولستوي من الروح الشعبية الروسية المتسامحة، وحبه للعادات والتقاليد الروسية، ولقد أحبه الشعب الروسي كفنان وأديب وإنسان عظيم يعد دائماً في مقدمة الكتّاب، الذين أغنوا وطوروا الحضارة الروسية في جميع جوانبها

وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب تولستوي أحب التراث الأدبي العربي فقرأ ألف ليلة وليلة عدة مرات، وقرأ القرآن، وأعجب بآياته ومضامينه ودعوته ونصرته للخير والحكمة المنطقية العادلة، وكرهه للشر والظلم والعبودية، كما أعجب بالحكمة الربانية، إذ وعد الله الخييرين بالجنة والأشرار بجهنم وبئس المصير. وقدر ليف تولستوي تقديراً عالياً كيف حرّم الدين الإسلامي قتل الإنسان، وأشاد في إحدى مقالاته بالمبدأ الذي يقول: "بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين" وهذا ما يجمع عليه الكتّاب الأصحاء وهم على قيد الحياة، وعندما يرون كيف يخطئ بعض المسلمين باستخدام تعاليم الإسلام، ويكوّنون بعض الجماعات الإرهابية كداعش أو غيرها من هذه المجموعات السوداء؛ والحق هو المنتصر دائماً