الرئيسية » سياسة واقتصاد » لبنان امام منعطف تاريخي.- د. فاديا كيوان
ljmy_tht_llm.jpg

لبنان امام منعطف تاريخي.- د. فاديا كيوان

إن التركيز على المسارات الداخلية لا يجوز أن يتجاهل البعد الدولي، لكن الأخير قد يقتصر على وجود مناخ استرخاء أو أرضية مشتركة للمتنافسين الخارجيين، تجد في استقرار لبنان منصّة ضرورية للانطلاق إلى البحث في أزمات المنطقة وحروبها.

إن مدعاة فرحنا اليوم هو ما نسمعه عن رؤية لدور المسيحيين في لبنان ومن خلاله ربما للمسيحيين بالشرق، إن لم يبِدهم تنظيم "داعش" قبل ذلك أمام مجتمع عربي متفرّج، يتمحور حول بناء الجسور بين السنة والشيعة.

يجب أن نقرّ بأن هذا الدور يمكن أن يكون نتاجاً لبنانياً في الأصل لأنه في حقبة التأسيس لدولة اسرائيل اليهودية، رسم مسيحيو لبنان رؤية مختلفة لمستقبلهم تجسّدت في السعي لبناء دولة حديثة عبر شراكة كاملة مع المسلمين. اختار المسيحيون آنذاك العيش المشترك مع المسلمين بينما اتجه اليهود نحو بناء دولة عنصرية.

إن هذا الخيار، ومع طابعه الاستشرافي الجريء، لا يلغي واقع التعثّر المستمرّ لمسار العيش المشترك، لكن لبنان بدأ بالتعايش وانتهى إلى العيش المشترك كخيار لمستقبله بل كتحدٍّ أراد الشعب اللبناني الانتصار في تحقيقه.

بدأ عهد فخامة الرئيس العماد ميشال عون على حين غفلة من أغلبية السياسيين، فانتصر على حملات البغضاء التي كانت مستمرّة منذ تسعينيات القرن الماضي. لكننا اليوم على منعطف مهمّ بالنسبة إلى مصير لبنان نفسه والنموذج الذي راهن عليه اللبنانيون، إذ يمكن أن يتحول قدوة في حال تجاوز التعثّر ونجح فعلاً في بناء دولة ديموقراطية في هذا الشرق.

في عناوين الصفحة الجديدة التي فتحها عون، هناك بضع مسلّمات من حق المواطنين الإيمان بها وتحديات كبيرة يتوقف عليها مصير الجمهورية الثالثة والتي سمّاها البعض جمهورية الطائف اللبناني.

 

في المُسلمات:

1- سيكون المسيحيون في هذه المرحلة، أقله الثنائي" التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" في موقع وسطي بين الفرقاء اللبنانيين الآخرين، مما يشكّل عامل توازن واستقرار. وهذه الوسطية بناءة إذ هي تحاول وصل ما ينقطع وليس خطاً ثالثاً انتهازياً يحاول البناء على التناقضات.

2- سيسعى الرئيس عون إلى استبعاد رموز الفساد من مواقع المسؤولية مما يشكّل تخفيفاً من حدة الفساد ويخلق مناخاً سليماً يشجّع أهل النزاهة والاستقامة في الإدارة العامة وفي الوسط السياسي. وعندما نتحدّث عن الفساد، نعني الاختلاس كما الرشوة كما السمسرة على حساب المصلحة العامة وتناقض المصالح وصرف النفوذ السياسي واستغلال معلومات عامة للإثراء الشخصي أو العائلي أو بهدف انتفاع المحاسيب.

3- سيعنى العهد بالقضايا الاجتماعية الأكثر إلحاحاً مثل الفقر المدقع والمتزايد وضعف التغطية الصحية لفئات واسعة من اللبنانيين.

4- سيعطي الأولوية لقضايا ملحّة أولها المحافظة على البيئة وسلامة الهواء ومكافحة التلوث وحسن إدارة النفايات على المستوى الوطني. وبالمناسبة، فإن حقيبة البيئة هي حقيبة سيادية بامتياز لأن التلوث هو الخطر الأكبر اليوم والذي يداهم بيوتنا ويتغلغل في رئة أطفالنا ومسنّينا.

5- سيولي الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وطرقات أهمية قصوى بما يؤثّر إيجاباً على حياة المواطنين اليومية ويخفف الأعباء عن كاهلهم.

6- سيخصّ الشباب بخطة وطنية تفتح لهم فرص عمل في لبنان مما يفرمل الاتجاه إلى الرحيل والهجرة.

7- سينصف المرأة اللبنانية عبر توفير فرص حقيقية لها للمشاركة في السلطة أسوة بالرجل، لا سيما أن بين النساء اللبنانيات الكثير من صاحبات القدرات والطاقات والخبرات في مختلف المجالات المهنية والعلمية والاجتماعية والسياسية. ولا ننسى أيضا أن المرأة اللبنانية كانت دائما موجودة في خندق واحد مع الرجل في كل مراحل النضال وفي كل المجالات. وتجاوزت المرأة اللبنانية مسألة رعاية شؤونها واهتمّت باحتضان شؤون المجتمع اللبناني بكامله، مستفيدة من مناخ لبناني عام منفتح ومتنور.

8- سيسعى العهد إلى تطبيق اتفاق الطائف على مستوى لبناني صرف ومن دون رعاية أو تحكيم خارجي.

9- سينتهج لبنان في هذا العهد سياسة عربية ودولية أكثر اتزاناً فلا يكون لبنان في فلك دولة ومعاد لأخرى. وربما سعى لبنان للعب دور إيجابي في تقريب وجهات النظر بين قوى ودول متصارعة ومتنافسة على النفوذ في المنطقة. فيكون لبنان جسراً بينها جميعا ومتنفسّاً للقوى الباحثة عن الحرية والإصلاح، من دون أن يتحوّل الى ملعب أو إلى ممرّ للمؤامرات على أحد.

10- سيتحوّل لبنان، ومن خلال ما تقدّم، الى منصة لإعادة إعمار المنطقة ونموذج اجتماعي وسياسي وثقافي بامتياز.

 

في التحديات:

1- لا يجوز أن ننسى أن العهد محكوم أولا بتوازن قوى معين بين النخب السياسية التي تمثّل الطوائف. والرئيس لن يحكم وحده بل من خلال التعاون مع مجلس نواب وحكومات تعبّر في كل مرّة، عن إرادة الأكثرية الشعبية. فعليه أن يكون قدوة ويقول لكل هؤلاء: هؤلاء عدة شغلي، فأتوني بمثلهم. فصحيح قول المثل أن ربّ البيت هو الذي يضع له سقفاً عالياً إذا أراد.

2- السعي الحثيث ليكون للبنان قانون انتخابي جديد يحقق التمثيل الصحيح لمختلف فئات الشعب اللبناني ولا يغلق النظام السياسي على نفسه في محاصصة بغيضة بين الأكثريات الطائفية بل يفتح الباب أمام تداول حقيقي للسلطة وهذا هو الشرط الأول الضامن للمساءلة والمحاسبة.

3- تطوير أداء المؤسسات السياسية، من رئاسة إلى مجلس نيابي وحكومة، وكذلك الوزارات والمؤسسات العامة، فيقضي على مغارات علي بابا التي تتغلغل في العديد منها.

4- يتم لجم توزيع المغانم على الأنسباء والمحاسيب وهذه كانت سمة سيئة جداً رافقت الأداء السياسي في العقود السابقة وحوّلت الشراكة الوطنية إلى محاصصة ضيقة كأنما السلطة قالب حلوى يجب أن يتقاسمه السياسيون. ومن رواسب هذه العقلية، الحديث عن وزارات دسمة وأخرى خدماتية، الخ، في غياب أي رؤية وأي برنامج في أي من القطاعات ولدى أي من القوى المتصارعة على المشاركة.

5- تعزيز مأسسة الدولة وتطوير القوانين والأنظمة ووضع آليات مكتملة لمراقبة الأداء، مراقبة مسبقة ولاحقة، ومحاكمة المرتكبين أيا كانوا.

6- إطلاق عملية تلزيم قطاع النفط بشكل شفاف ومضبوط يكفل المصلحة العليا للبنان وللبنانيين.

7- تشجيع مأسسة الحياة السياسية عبر اعتماد قانون عصري للأحزاب يكون ضامناً لتحوّل الحياة السياسية من التنافس الشخصي والعائلي والمذهبي والطائفي إلى تنافس سياسي حول برامج سياسية تضع جميعها مصلحة اللبنانيين فوق كل المصالح الخاصة، فيكون الاختلاف والتنوع محصورين بكيفية بلوغ الأهداف الوطنية وتحقيق أماني اللبنانيين.

8- تحقيق توازن بين قطاعات الاقتصاد اللبناني وتعزيز القطاعات الإنتاجية وإيلاء الزراعة منزلة خاصة في الاهتمامات لتشجيع المزارعين على التعلق بأرضهم وتعزيز قدراتهم للعيش من إيراداتها وخاصة العمل على فتح أسواق مستدامة لتصريف الإنتاج الزراعي.

9- الانفتاح على لغة القرن الواحد والعشرين في مجال حماية حقوق الانسان وتنزيه القوانين وآليات العمل، لا سيما بالنسبة إلى حال السجون وشروط عمل اليد العاملة المهاجرة، فلا نعود نخجل من التقارير الدولية حول الممارسات اللبنانية وحول موقع لبنان في الترتيب الدولي للدول. وحماية حقوق الإنسان يجب أن تبدأ بإعادة بناء الذاكرة ومعالجة ملفّ المفقودين وتشييد نصب تذكاري احتراماً لأرواح كل المواطنين المجهولين الذين سقطوا في الحرب العبثية في لبنان.

10- إيلاء موضوع المهجرين قسراً من الإخوة السوريين اهتماماً خاصاً بحيث يتمّ تعزيز قدرات لبنان في توفير الخدمات الأساسية لهم عبر المساعدات الدولية والعربية من جهة، والسعي من جهة أخرى، ومن خلال خطة وجدولة زمنية، تضمن عودتهم الآمنة الى ديارهم. فتنتهي عندها المأساة التي تعيشها مئات الآلاف من العائلات السورية.

لا يخفى على أحد أن مواجهة هذه التحديات وكذلك كالتقيّد بالمسلمات، ليس مسؤولية الرئيس وحده، بل مسؤولية النخب السياسية المشاركة في السلطة. وعلينا أن ننصف الجنرال ميشال عون ولو مرة، بعد كل حملات التجريح التي وجّهت اليه سابقاً، فنقول مجدداً إن المسؤولية ليست مسؤوليته وحده. لذلك يعود له أن يرفع عالياً سقف بيتنا الوطني من باب الوفاء لهذا الشعب "العظيم" في تضحياته ومآسيه.

مما لا شك فيه أن نجاح هذا العهد سيكون خلاصاً للبنانيين جميعا. أما فشله، لا سمح الله، فسيكون سقوطا لنا في الهاوية. فعلاً، إنه منعطف تاريخي…

تخيلوا أن يبقى الفساد متغلغلاً في المؤسسات العامة، على اختلافها، والسمسرة متمادية، والتلوث متفشياً في أجواء لبنان، ساحلاً وجبلاً وسهلاً، والفرص توزّع مغانم على الأنسباء والمحاسيب، فإنما لبنان عندها سائر إلى الزوال.

نعم، إنه منعطف تاريخي…

 

 

النهار