الرئيسية » حضاريات » لا خطر في الحرية وفي إستعمال الناس لعقولهم- عزيز الحدادي / الجزء الثاني
لا خطر في الحرية وفي إستعمال الناس لعقولهم

لا خطر في الحرية وفي إستعمال الناس لعقولهم- عزيز الحدادي / الجزء الثاني

لأن هدفها الإخضاع والطاعة، والذي يطيع لا يستعمل عقله أو بالأحرى يفقد عقله، مما يبعده عن سيرورة التنوير التي تعلم الناس الحق في التفكير كما ينبغي، والخضوع للواجب كما يجب. ومعنى ذلك الابتعاد عن الطاعة العمياء التي يروج لها الحزب الديني، والسلطة الانضباطية. لكن كيف يمكن تحقيق الحرية من هؤلاء الأوصياء؟ بل كيف يمكن للإنسان أن يكتشف نفسه؟ هل من خلال الاعتقاد بأنه ولد حرا؟ أم لأنه يملك العقل كأثمن كنز؟

فبالمعرفة نتحرر، ذلك أن بلوغ شاطئ الحرية يتم عبر مركب المعرفة، فلا حرية بدون معرفة : «كن حراً ولا تخف، واحترام حرية الغير». وعلى هذا الأساس تقوم نظرية الدولة المدنية العقلانية، لأنها تحكم بالحرية، بل جعلت منها طريقة للعيش والحياة، لأن الإنسان محكوم عليه بالحرية. وبما أن الإدارة الحرة تشيد بالذات الناقدة، فإنه هذه الذات هي التي تقوم بنشر التنوير، الذي يكون دائما نتيجة الفلسفة النقدية، شعارها التحرير من خلال المعرفة.

ومهما يكن التنوير مرعباً للأرواح الثيولوجية، فإنه لا يتخلى عن أخلاقيات الحرية باسم العقلانية النقدية، لأن التعليم يقود الناس إلى احترام القانون والواجب الأخلاقي،على عكس الجهل الذي يؤدي إلى التطرف، وعدم الإيمان بالمعرفة والتعدد الثقافي، فمحاربة الفقر بالعلم هي محاربة للفقر والجهل معاً، أما إحداث صندوق التضامن مع الفقراء وحرمانهم من التربية والتعليم، فإنه برميل بلا قعر يهدد المجتمع بالانفجار. وربما هذا هو شعار المرحلة، التي تتهرب من العقلانية النقدية، كما لو كانت هي الدواء الأعظم للاستبداد السياسي، ذلك أن الذين يحكمون لا يعرفون بأن الحل هو النهضة العقلانية، ولن تكون سوى رشدية، فالمدرسة الرشدية ممكنة في المغرب، لأنها بدأت، وينبغي أن تستمر، وهي قادرة على تدمير الظلام، وفتح المجال أمام التنوير، ولذلك لا بد من الانتقال المطلق من الذات الثيولوجية التي تعلم الناس الجبن والكسل إلى الذات الناقدة ومسؤوليتها العلمية والأخلاقية، هكذا ستقود ثورة إصلاح التعليم، لا كشعار سياسي زائف بل كغاية أنبل لفلسفة التنوير لأن الظلامي ينشر الظلام، والتنويري ينشر التنوير، فأيهما أقرب إلى النهضة العقلانية؟ وكيف يمكن لمن جعل المغرب آخر المراتب أن يحكم؟ ولماذا أن الذات الناقدة تظل مهمشة؟ ألا يكون من السخرية أن نحاور الغرب بعقل ثيولوجي تكنوقراطي؟ ونخفي العقل الأنواري؟ بل لماذا يتم تهميش الأنطولوجيا التاريخية؟ ولماذا أبعدت المدرسة الرشدية من الحق في الوجود؟ تلك هي الأسئلة التي ينبغي صياغتها في صمت، لأنها ظلت في النسيان كل هذه القرون، وأرغم التاريخ المزور أن يحتل محل التاريخ الحقيقي، والفكر الخرافي محل الفكر الفلسفي، ليلقي المغرب في ضياع، بيد أن الحقيقة لا تتأخر في الوصول عندما يحل موعدها، لأنها تعرف أن اضطهاد العلماء لا يخدم مصلحتها، ولذلك فإن الأمة التي تضطهد الفلاسفة هي أمة تطرد الحقيقة من وطنها، ولكن يستحيل أن توقف تقدم النهار على الليل والمعرفة على الجهل، فضوء النهار سيبدو ظلمة هذا الليل، ويتخلص منه، من أجل أن تصبح علاقة المعرفة بالحقيقة علاقة انطولوجيا.