الرئيسية » حضاريات » لا عيش في القرن الحادي والعشرين من دون تحالف الحضارات – فينيامين بوبوف
popov_horiz.jpg

لا عيش في القرن الحادي والعشرين من دون تحالف الحضارات – فينيامين بوبوف

في أواخر شهر أيار في (معهد موسكو الرسمي للعلاقات الدولية) لدى وزارة خارجية روسيا – إحدى أشهر مؤسسات روسيا للتعليم العالي، التي تخرج فنها كثير من ممثلي النخبة الوطنية – جرى حدث مهم. افتتحت دائرة أبحاث علمية جديدة – مركز تحالف الحضارات. لأهمية حدث افتتاح المركز حضر ممثلو كثير من الإدارات الحكومية، وزارة الخارجية. مجلس الدوما للاتحاد الروسي. مختلف المنظمات الاجتماعية السياسية، مسؤولو السلك الدبلوماسي، علماء روس مستشرقون مرموقون.

في كلمة الافتتاح صرح نائب رئيس فرع السياسة في معهد موسكو الرسمي للعلاقات الدولية لدى وزارة الخارجية الروسية، فاليري فوروبيوف. أن الوضع الحاصل في العالم غرض الحاجة لافتتاح مركز تحالف الحضارات. بسبب تهديد الانقسام البيني الحضاري، لاحظ هو، تنشأ ضرورة إنشاء ثابت جديد للعلاقات المتبادلة – تحالف الحضارات. «سوف تتمكن بلادنا من أداء دور مهم – لاحظ هو – في روسيا تتمثل بشكل واسع المسيحية والإسلام. وبقية الأديان – لدينا خبرة قرون كثيرة من العيش المشترك والإغناء المتبادل للثقافات».

من جهة أخرى وزير خارجية روسيا الكسندر سلطانوف ميز بشكل خاص دور روسيا في الحوار بين الأديان في العالم كله. حسب كلامه، من الضروري أن نجعل أنصار العالم وحيد القطب يفهمون أن روسيا لاعب أساسي على الحلبة الدولية ولا بد من أخذ رأيها بالحسبان.

الممثل الرسمي لرئيس الوزراء الباكستاني لشؤون حوار الأديان ريان كوفار. حضر بدعوة خاصة افتتاح المركز، وقد عبر عن قلقه بخصوص أن في السنوات الأخيرة تثير صورة المسلم في العالم مشاعر سلبية فقط. «إذا وثقنا بتقويم المراقبين»، معتنقو الإسلام – أناس غير متعلمين، غير مثقفين، لا يفيدون القيم العالمية بشيء، ولا يفهمون شيئاً، سوى بنية الرشاش». – قال الممثل.

كما أشار نائب رئيس صندوق أندري بيرفوزفانوف، ميخائيل ياكوشيف. مفيد جداً لكثيرين أن يظهر شركاء روسيا من البلدان الإسلامية غير جديرين بالثقة. ومع ذلك، حسب كلامه، كان العالم الإسلامي ويبقى شريكاً اقتصادياً وسياسياً جديراً بالثقة. وبالتالي شريكاً استراتيجياً.

ممثل الكنيسة الأرثوذكسية الروسية فسيغولود تشابين لفت انتباه المجتمعين إلى أن التراث الروحي والثقافي من الضروري ليس الحفاظ عليه فحسب، بل ومضاعفته قدر الإمكان. لقد أعاد إلى الأذهان أننا «نعيش في بلد فريد، حيث يعيش كتفاً إلى كتف الروس والتتار. الأوكرانيون والموردوف وشعوب كثيرة أخرى من روسيا متعددة القوميات. لا شك، أنها تجربة غنية جداً للجميع ولكل منا».

الكاتب المعروف جينكيز ايتمانوف لاحظ من ناحيته. أن في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى من المهم أن نجد توازناً صحيحاً بين مصالح القوميات، والأعراق وحتى الشعوب الصغيرة وبين المشكلات العالمية التي تشمل البشرية جمعاء. حسب كلامه، لا يمكن القيام بذلك من دون مشاركة «عمالقة الكوكب» كالصين والهند.

ميز كل الخطباء الفكرة الأساسية بأن روسيا يمكنها ويجب عليها أن تؤدي دور الوسيط وحلقة الوصل بين العالم الإسلامي والغرب، الذي تدهورت العلاقات معه بسرعة وهناك الكثير من الأسباب الموضوعية والذاتية لذلك.

في الوقت الحالي يعيش العالم مدة من الرفاهية والازدهار، لم يعرفها منذ سبعينيات القرن العشرين. بسبب الإنجازات الخارقة في مجال التكنولوجيا المعلوماتية قبل كل شيء، تنفتح إمكانات غير مسبوقة، بما في ذلك بالنسبة لتقارب البشر. بسبب عمليات العولمة، تقوت بشكل حاد التبعية المتبادلة للمجتمعات والدول، بسبب انتشار التلفزة يصبح العالم أشبه بقربة غير كبيرة. بعضهم حتى يؤكد أنه مع تطور الإنترنت والهواتف المحمولة أصبح في واقع الحال بيتاً كبيراً واحداً.

إلا أن ذاك وجه واحد فقط للميدالية في الوقت ذاته أصبح العلم، عالم التفاوتات الحادة، حيث عدد غير كبير من سكان «قطب الرفاهية» يتمتعون بخيرات التقدم والازدهار والحرية، أما الأكثرية الآخرين ينحدرون في هاوية الفاقة، والآلام والذل. يزداد تباين النمو الاقتصادي بين الدول وحتى بين أقاليم كاملة نتيجة ازدياد حجم التكامل في الاقتصاد العالمي من عام لآخر. يجري كل ذلك على خلفية اختلالات جدية في نظام وتوزيع القوى بين مختلف الحضارات.

على مدى القرون الأخيرة، بدءاً من عصر الاكتشافات الجغرافية الكبرى، أخذ العالم بالتدريج «يتمركز حول أوروبا». منذ القرن التاسع عشر أصبحت بضعة بلدان أوروبية متقدمة مركزاً جيوسياسياً واقتصادياً تحدد مسيرة التطور العالمي، أما بقية العالم «الهامشي»، المقسم إلى مناطق نفوذ، كان يدور في أفلاكها. «جوقة دول» غير كبيرة دخلت فيها روسيا أيضاً، وفي القرن العشرين انضمت إليها الولايات المتحدة، أصبحت مركز الاقتصاد والسياسة والثقافة العالمي.

على مدى القرن العشرين كله تقريباً. كان المثال الذي يحتذى بالنسبة لبقية العالم وبالدرجة الأولى الدول النامية، بتعبير شرطي، النموذج «الأنكلوساكسوني» و «السوفييتي» للتطور. أحدثت النجاحات التي حققتها الولايات المتحدة في التطور الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية انطباعاً أن لأمريكا حق معين لتأكيد ما إذا كانت هذه الدولة أو تلك تريد أن تؤمن لنفسها وتائر نمو مرتفعة، عليها أن تتبع الطريقة الأمريكية. وقد دفع انهيار المنظومة «السوفييتية» اللاحق النموذج «الأنكلوساكسوني»، «الأمريكي إلى المقدمة، النموذج الذي أظهر أنه أكثر غنى وقدرة على البقاء وجاذبية وقد أخذت الولايات المتحدة على عاتقها دور الزعيم العالمي وصانع النظام الجديد.

في هذه الآونة يتغير الوضع من جديد.

من جهة ينشأ نموذج تطور جديد «آسيوي» بتعبير شرطي، يثبت في الممارسة العملية نجاحه وفعاليته. «نمور آسيا» (ماليزيا، تايوان، سنغافورة)، والهند والصين لأكثر من عقد بمؤشرات وتأثر النمو bbn910% في العالم (بلدان أوروبا المتقدمة 3% الهند – أكثر من 9% الصين – أكثر من 10%). يحاول بعض علماء السياسة الأمريكان تفسير هذه الحالة بهذه الخصوصيات المميزة أو تلك للشعوب الآسيوية، ولاسيما «الحب الفائق للعمل» المزعوم. لا شك أن ذلك يؤدي دوره غير الأخير إلى حد بعيد. إلا أن «ظاهرة» حب العمل الصينية ذاتها تتحدد إلى درجة كبيرة بالتكوين الحضاري للمجتمع الصيني بمنظومته القيمية، المختلفة عن النظرة الأوروبية للعالم، للمجتمع وللإنسان فيه. وهكذا تبين أن النموذجين «الأنكلوساكسوني» و «الأمريكي» ليسا الوحيدين القادرين على تأمين التطور المضطرد والثابت. وقد انضم إلى السباق لاعبون جدد. وكسروا احتكار الغرب للنمو الاقتصادي السريع.

من جهة أخرى، يبدأ عامل علاقات بلدان الغرب المعقدة مع العالم الإسلامي بأداء دور ملحوظ أكثر فأكثر على الحلبة الدولية. بمعنى من المعاني يمكن اعتباره مجابهة «حضارية»، والصورة على هذه الجبهة أقل تفاؤلاً بكثير. أكثر من ذلك، تتوجه علاقات الغرب بالعالم الإسلامي إلى التأزم فقط، وللأسف لا شيء يدل حتى الآن على إمكان انعطاف جذري فيها في المستقبل القريب.

لهذه المجابهة تاريخ قديم. فهم إرث الاستعمار المترافق مع فقدان كامل أو جزئي للاستقلال، مع التبادل غير المتكافئ أو النهب المباشر، تدمير أو تحويل العلاقات السياسية – الاقتصادية والاجتماعية، مع سرقة الكنوز الثقافية. والتنازع على الأرض، أحدها – المشكلة الفلسطينية – لحساسيتها الخاصة والتجاوب الدولي الواسع النطاق تجاوز النزاع مقاييس منطقته. وهذه عوامل كثيرة أخرى – من الملف النووي الإيراني إلى الدراما الصومالية ومسألة دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

اكتسبت هذه المجابهة طابعاً جديداً ومقاييس مغايرة تماماً في القرن الحادي والعشرين. الحد الفاصل الأشد وضوحاً كانت أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة والتي جرت وراءها العمليات الحربية في أفغانستان، ومن ثم – احتلال العراق.

وها هي مكافحة الإرهاب وقد أصبحت شعاراً رئيساً لكل العلاقات الدولية قرابة ست سنوات. ولكن نتائجها ليست فقط لا تبشر بفرج، بل العكس تصبح بمرور كل عام أكثر إحباطاً في التقرير السنوي الذي نشره مجلس الدولة الأمريكي منذ مدة قصيرة في الولايات المتحدة، يلاحظ أنه في عام 2006 ازداد عدد الهجمات بنسبة 25% مقارنة مع العام 2005. وعدد الضحايا بين المدنيين ازداد نسبة 40%. في العام الماضي (2006) حصل 14338 هجوماً (في عام 200511153) قتل بنتيجتها 20498 شخصاً (14618– في العام 2005).

لا مفر من خروج القوات الأمريكية من العراق. وستكون تلك لحظة دراماتيكية إلى حد بعيد، إذا نظرنا إلى نفوذ وجبروت أمريكا في المنطقة وفي العالم بأسرة. إلا أن من المفيد أن نستمع إلى أصوات أولئك الذين يحذرون من خروج الأمريكان من العراق قد لا يكون هزيمة لواشنطن. بمقدار ما هو انتصار للقوى المتطرفة مع كل ما ينجم عن ذلك عن عواقب، على بلدان المنطقة بالدرجة الأولى.

بهذا الخصوص يفترض أن إنشاء مركز تحالف الحضارات في معهد موسكو الرسمي للعلاقات الدولية، حاضنة الدبلوماسية الروسية – هو استجابة لمتطلبات العصر.«الحرب الباردة» الجديدة بين الغرب والعالم الإسلامي، مهما كانت الجبهة التي أشعلتها، لا تدخل في مصلحة روسيا مهما كانت الذريعة. لن تحتل موسكو مكاناً إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، مهمتها – مصالحتهما.

روسيا تصلح لهذا الدور ليس كأي أحد، لأن لدينا نسبة كبيرة جداً من السكان المسلمين. يعيش المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب أكثر من ألف سنة. لم تعرف روسيا الحروب الدينية قطً. ثلث مساحتها يقع في أوروبا وثلثاها في آسيا. روسيا – هي أوراسيا. سطور ريديارد كيبلينغ المعروف «فالشرق شرق، والغرب غرب ولن يزولا عن مكانهما إلى أن تمثل السموات والأرض أمام محكمة الرب الرهيبة». لا يمكن أن تولد (أي السطور) على الأرض الروسية. على العكس، فقد قال الفيلسوف الروسي العظيم نيكولاي بيرديايف إننا نحن – الشرق – غرب أما العالم الموسوعي الروسي ذائع الصيت ديمتري إيفانوفيتش منديلييف فقد قال: إن روسيا يجب أن تصالح الغرب مع الشرق.

بهذا الشأن فكرة تحالف الحضارات يجب أن تصبح موحدة وحجر الزاوية في سياسة روسيا الاتحادية.

يضع المركز المهمات الرئيسة أمامه. أولاً، البحث عن كل ما يقصد تحت كلمة «مشترك» – قوانين الحياة الاجتماعية المشتركة لمعظم بلدان الشرق والغرب، قواعد السلوك، العقائد، آفاق من العلاقات المتبادلة. ثانياً، وضع مبادئ جديدة للعمل المشترك لتلافي بأسرع ما يمكن تصاعد التوتر والنزاعات في العالم كله. وبداية حركة اجتماعية واسعة لتحالف الحضارات على هذه المبادئ. في معهد موسكو الرسمي للعلاقات الدولية تناقش مبادئ هذه الحركة الجديدة التالية:

1– لا توجد ولا يمكن أن توجد حضارات «عليا» و «دنيا»، كما لا يمكن أن تكون ثقافات «عليا» و «دنيا»، وأعراق وشعوب. جميعهم كل على طريقته يسهم بسهمه الفريد غير المتكرر في مجمع نفائس الثقافة العالمية.

2– كل أطراف الحوار يجب أن يعتبروا شركاء متساوي الحقوق مطلقاً، يسمعون ويستمعون لبعضهم بعضاً، ويحترمون مصالح بعضهم بعضاً. فقط لدى الالتزام بتوازن المصالح، تصبح المقاربة العملية ممكنة لحل كل المشكلات الموجودة في العلاقات الدولية.

3– في عالم اليوم يستحيل حل المشكلات باستخدام القوة فقط. فاستخدام القوة قد يحمل طابعاً قصير الأجل فقط ويخفي في طياته خطر نشوب أزمات جديدة أكثر خطورة.

لا يجوز فرض الحلول المصنوعة في الخارج للنزاعات العرقية والدينية بالقوة. نجد من المفيد العودة إلى أفكار باكت بريان – كيلوغا (1928)، التي تندد باللجوء إلى الحرب لتسوية النزاعات الدولية، التي تنادي بالتخلي عن الحرب كوسيلة للسياسة القومية والتي تقر بأن تسوية أو حل كل الخلافات أو النزاعات، بغض النظر عن طبيعة منشئها، يجب أن تتم بالوسائل السلمية. لم تتمكن البشرية آنذاك من تجسيد هذه الأفكار في الحياة – أما اليوم فيصبح ذلك ممكناً.

4– في ظروف نقص الموارد، وبالدرجة الأولى، موارد الطاقة، وكذلك الماء، في ظروف الصراع التنافسي المحتدم للاستفادة منها، لا بد من تمتين الآليات الفاعلية الآن، وفي حال الضرورة وضع آليات جديدة لمعالجة هذه المشكلات بالطرائق الاقتصادية، المالية والاتفاقية – الحقوقية – لا يسمح أبداً باستخدام القوة في الاقتصاد.

5– من الضروري إنشاء مراكز دولية شاملة وإقليمية للدبلوماسية الوقائية، مدعوة لتلافي النزعات المحتملة، دون انتظار الأزمات المستجدة. تلك هي المهمة الأعظم الآن، التي لا تنجح الدبلوماسية المعاصرة في الاضطلاع بها دائماً، للأسف.

6– من الضروري العودة إلى فكرة نزع السلاح الشامل، وفي المقام الأول السلاح النووي. تمتلك البشرية احتياطات منه أكثر من كافية للتدمير الكامل لكل ثمار الحضارة الأرضية، ولا بد في النهاية من الخروج من هذا الطريق الخطر الذي يقود إلى الانتحار الجماعي.

7– لا بد من العمل على أن تكون إنجازات التقدم العلمي والتقني، وفي المقام الأول في مجالي الطب والصيدلة، متاحة للبشرية كلها، وأن تتوافر إمكان الوصول مجاناً إلى هذه الإنجازات.

8– لا يمكننا انتظار رحمة الطبيعة بعد كل ما فعلتاه بها. مسألة المسائل تصبح مكافحة تغيرات المناخ، الاحترار العالمي. لا بد من جعل الكوكب أكثر نظافة وراحة ليس فقط من أجل «المليار الذهبي».

يجب علينا معاً أن نبني هذا العالم الجديد، المناسب لحياة كل الحضارات وأن نسلمه إلى الأجيال القادمة سليماً معافى.

 

 

فينيامين بوبوف (منسق مجموعة "الرؤية الإستراتيجية")

كلمات مفتاحية: فينامين بوبوف، تحالف الحضارات، القرن الحادي والعشرون، نزاعات، أزمات، حوار، احترام، تعاون