الرئيسية » حضاريات » كتاب ((فنّ الشِعــر)) لأرسطو – عن أهميّة الترجمة في الحضارة الإنسانيّة – النقول الفلسفيّة المبكّـرة – الجزء الثاني د.خديجة زتيلى
ارسطو كما رأه العرب

كتاب ((فنّ الشِعــر)) لأرسطو – عن أهميّة الترجمة في الحضارة الإنسانيّة – النقول الفلسفيّة المبكّـرة – الجزء الثاني د.خديجة زتيلى

هذه الحركة قدّمت للمسلمين كلّ الكتب الأرسططاليّة» (14). وهذه الشهادة التاريخيّة، وغيرها من الشهادات في هذا الموضوع، تؤكّد أن الكتب الفلسفيّة اليونانيّة وكتب أرسطو بشكل خاصّ قد تحوّلت إلى اللسان العربي بفعل الترجمة وهذا قبل القرن الرابع الهجري، وذاك جهد عظيم وجليل على نحو غير مسبوق. ولعلّ صورة أرسطو في المخيال العربي بدأت تتشكّل انطلاقاً من تلك النقـول المبكّرة لمصنّفاته الهامّة، وبعدها انخرط المسلمون في متون نصوصه الفلسفيّة وفي القضايا الفكريّة التي طرحتها باستحضار الألفـاظ والمصطلحات ومفاهيمها بعد تعريب الكثير منها، وإن كانت الألفاظ تبدو في أوّل الأمر غريبة ودخيلة على الثقافة العربيّة الإسلاميّة.

لقد جذبَ أرسطو أنظار الشرق إليه وتلقّـى المسلمون المنجز الأرسطي بكثير من الاهتمام، وكان الالتقاء الحضاري بين الفكر الفلسفي اليوناني والحضارة العربيّة الإسلامية أكثر من فعّـال ومثمـر، وسيمتدّ أرسطو في كثير من المصنّفات العربيّة التي أتتْ على ذكر اسمه وشرح فلسفته وتحليـل الكثير من القضايا الواردة فيها. ولم يعد العرب بعد ذلك مجرّد نقلة لأرسطو الذي ينتمي إلى جغرافية أخرى وإلى لسان ودين مختلف، بل أصبحوا متفاعليـن مع أفكاره شارحين لها ومضيفين ما يمكن أن يتناسب ومنظومة قيّمهم الثقافيّة والاجتماعيّة والعقائديّة، كما تجلّت في ذات الوقت مواقفهـم النقديّة لبعض ما ورد في المتن الأرسطـي. ويظهر هذا الاهتمام والتفاعل الإيجابي وطبيعة الفكر النقدي في كتب الفلاسفة المسلمين لاحقاً كالكندي وابن سينا والفارابي وابن رشد على سبيل المثال لا الحصر.

وفي هذا المضمون يعقّب حسن حنفـي بقوله: «أرسطو التاريخ نقل، وأرسطو الحضارة إبداع. لذلك لا يوجد شيء اسمه ((أرسطو عند العرب)) بل ((الأرسطيّة العربيّة))، ولا يوجد شيء اسمه ((انتقال التراث اليوناني إلى الحضارة الإسلاميّة)) بل ((قراءة المسلمين لليونان))» (15). وهذه إشارة من الكاتب تؤكّد أنّ الفكر الفلسفي الإسلامي في مساراته الحضارية لم يقم بتحويل الفلسفة اليونانية إلى أحرف عربيّة وحسب مثل ما يدّعي بعض الغلاة من الغرب وغيرهم من المتعصّبين غير المنصفين والمستشرقين المتطرّفين، بل أضاف إليها ووسّـع من شروحها، هذه الشروح التي سيتلقفها الفكر الأوروبي ويستعين بها في بداية نهضته وفي مستهلّ عهده بالحداثة لمعرفة الفلسفة اليونانيّة، ولا غرو أنّ معرفة أرسطو في هذه الأثناء كانت لا تحصل إلاّ ّعبر الشروح القيّمة والمستفيضة التي أنجزها ابن رشد.

3 ـ- الترجمة بوصفهـا فعـلاً حضارّياً: ـ الصعوبات، المخاطر، والرهانات ـ

لا جدال أنّ النقل –((من وإلى لغة بعينها)) -هو علامة من علامات التقدّم، وهو نافذة على ثقافة الآخر ورصد لموقع الأنا في الثقافة الأجنبيّة، والنقـل إلى اللغة العربيّة ضخّ الحياة في كثير من الكتب اليونانيّة والأرسطيّة على وجه الدقّة، وحافظ عليها من الزوال والنسيان وأحادية التأويـل، وأخرجها من دائرة التاريخ بمفهومه التراكمي إلى التاريخ بمفهومه الحضاري والإنساني، وكلّ الدلائل التاريخيّة تقوم مؤيّدة للدور التنويري المشهود الذي قامت به الحضارة العربيّة الإسلامية في أبهـى عصورها. فكل حضارة موصوفة هي تلك التي تقْـدِر على خلق أشكـال نصوصها ومضامينها وتكون طيّعة لكي تتفاعـل مع ريّاح التغيير التي تهبّ عليها، عندها فقط تحتفظ بتميّزها وألقهـا المستمّر. وعطفاً على ما سبق ذكره وانسجاماً مع نفس الطرح، وحسب توصيف حسن حنفي فإنّ «أرسطو التاريخ هو أرسطو الميّت الذي لا يثير أحداً، لا يحرّك ولا يتحرّك، لا يَعْتَرِض ويُعْتَرض عليه في حين أنّ أرسطو الفكر أو الحضارة أي الأرسطيّة هي التي تبقـى عبر التاريخ نموذجـاً فكريّا وموقفاً حضاريّا يثير ويحرّك، ويبعث على التسـاؤل، ويتجدّد باستمرار» (16). وهذا الموقف الأخير هو مآل النصوص الكبيرة والحضارات الشامخــة.

لذلك «لم تكن الترجمة مجرّد وثيقـة تاريخيّة تقوم على نقل نصّ يوناني إلى نصّ عربيّ مُطابقٍ بل تعبّر عن موقف حضاري ونقـل تصوّرات حضارة الآخـر التعدّديّة إلى تصوّر حضارة الأنا التوحيديّة. لم تكن الغاية أسرار النصّ الأرسطي كتاريخ بل بلـورة التوحيد الإسلامي كرؤية. ليس المهمّ صواب الترجمة أو خطئها قاموسيّا ولغويّا بل إعـادة التعبير عن النصّ ونقله من حضارة إلى حضارة أخرى. لم يكن النصّ الأرسطي هو الأصل والعربيّ هو الفرع بل كان النصّ العربي هو الأصل واليوناني هو الفرع .. كانت الترجمة عملاً جماعيّاً بين أكثـر من مترجم سعياً وراء هدف مشترك وهو إعـادة إخراج النصّ المترجم في ثقافة مغايـرة» (17). وهذا المنطق يسمحُ لنا بمجاراة الرأي القائـل أنّ «الترجمة إعادة تعبير، وإعادة كتابة، وإعادة تأليف، وطبقاً لخصائص كلّ لغة في التركيز والإطناب. قد صاحبتْ الترجمة نشأة المصطلح الفلسفي ونقله من لغة يونانيّة إلى لغة عربيّة في الحياة اليوميّة مثل جوهـر وعرض، ومكان وزمان، وصورة ومادّة، وعلّة ومعلـول. وهي ثنائيات لغويّة» (18). فالترجمة المبدعـة هي إعـادة إنشاء وكلّ ترجمة في حقيقة الأمر هي قراءة تأويليّة للنصّ الأصلي، وتلك مهمّة قديـرة لما تنطوي عليه من معاني عميقة ومشقّات كبرى، وقد قامت بها النقـول العربيّة المبكّرة على نحو طريف.

لكن الأمر هنا قد لا يخلو من إشكاليّات وصعوبات تتعلّق بالترجمة وكيف نُترجم؟ ولماذا تتعدّد الترجمات؟ وهل تعدّدها هو أمر صحّي تقتضيه ظروف موضوعية؟ أم أنّ الإعـادة توحي بأنّ النصّ الأوّل المترجم قاصر وضعيف وبعيد عن الأصل مما يستدعي تجـاوزه؟ وبأية ترجمة يجب الوثوق هل بتلك المتقدّمة أم بالمتأخـّرة وما هو معيار التقييـم؟ تلك إشكاليات وقضايا لها بداية ولكن ليس لها نهاية، ولا يمكن أن نصل في مسائلهـا إلى أي إجماع يمكن أن يُذكر، وستتفـرّقُ بالمترجمين السبل، لا محالة، في الإجابة على هذه الأسئلة، وبالمتلقّي فضلاً عن ذلكً. ورغم كلّ ما قيلَ ويُقال أو سوف يقال ستستمـرّ معركة الترجمة وسَنُقبـِل في كلّ مرّة على النصوص الوليدة من رحم تلك الحركة الإبداعيّة بشغف كبير. ومما لا شكّ فيه أنّ كلّ الترجمات لنصّ قديم أو حديث لا تخلـو من الهوامش التوضيحيّة، وهذا يعنـي في حدّ ذاته أنّ القراءات للنصّ متعدّدة ومختلفة في مراميهـا فهناك «قراءة إحاليّة، وقراءة استنتاجيه، وقراءة إسقاطيّه، وقراءة بانوراميّة، وقراءة تاريخيّة، وقراءة تعليليّة، وقراءة تفسيريّة، وقراءة حديّة ملخّصة، وقراءة قصديّه، وقراءة قلقـة، وقراءة مُعجميّة، وقراءة مُقارنة، وقراءة مُكمّلة، وقراءة نقديّة» (19). ما يعزّز الرأي بضرورة تعدّد الترجمات واختلافهـا، وما يعني في نهاية المطاف أنّه «لا توجد أخطـاء في الترجمة بل مستويات متفاوتة من القراءة من أجل إعادة توظيف النصّ» (20)، وسعياً لتجويده واستعادة المعاني الهاربة منه تلك التي لم ينتبه إليها المترجم، وهذا من أجل الحفاظ على الأثر الفكري.

ولعلّ الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكـور، الذي ناقش هذا الموضوع في أكثر من نصّ له عن الترجمة والتأويل، لم يجانبه الصواب عندما اختصر الصعوبات التي تتعلّق بالترجمة في لفظ ((محنة))، «ذي المعنى المزدوج باعتبارها ((معاناة مستديمة)) و ((امتحان)). إنّها وضع أمام الامتحان، كما يقال، لمشروع، أو رغبة، أو حتى دافع، إنّها دافعيّة الترجمة» (21). ولكنّه يضيف، في نفس السياق وهو بصدد شرحه وتفصيله لهذا الموضوع، أنّه علينا أن نحدّد الهدف الذي ننشده من الترجمة، وماذا نبتغـي منها، هل يجب أن نحرص على الدلالة القاموسيّة أم على المعنى التأويلي؟ وحسب تقدير ريكور هناك مدخلان يحيلان إلى هذا التسـاؤل: «أن نأخذ كلمة ((ترجمة)) بالمعنى الدقيـق الذي يعني رسالة لسانيّة من لغة إلى أخرى أو نأخذه بالمعنى الواسع كمرادف لتأويل كلّ مجموعة دالة داخل نفس الجماعة اللغويّة» (22)، ليصل في تحليله إلى القول بأنّ «كلتا المقاربتين لها الحقّ في الوجود» (23)، ومن هذه المسألة سينتقـل بنا إلى إثارة موضوع «اللامترجم النهائي الذي تُظهـره وتُولّده أيضاً الترجمة» (24). ووِفقَ تعقيب ريكور فإنّه لا يمكننا الفصل النهائي في أي نصّ مترجم، لأنّ هذا الأخير سيظلّ في كل مرّة مفتوح الآفاق أمام القارئ والمترجم على تأويلات جديدة تسعى حثيثاً لتحسينه، إنّها على حدّ تعبير ريكور «عظمة الترجمة ومخاطر الترجمة، إنّها الخيانة الخلاّقة للأصل وتملّك خلاّق أيضا من طرف لغة الاستقبال وبناء ما يمكن مُقارنته» (25).  فكل ترجمة جديدة تتضمّن وعي وبصمات صاحبها.

4 ـــــ أرسطو في المراجع العربيّة القديمة

كتبَ ابن النديم يُعرّف أرسطو في كتابه الفهرست فقال: «نظرَ في الفلسفة بعد أن أتى عليه من عمـره ثلاثون سنة. وكان بليغ اليونانيين ومترسلهم وأجلّ علمائهـم بعد فلاطـن [أفلاطون] ومن معنى عالي المرتبة في الفلسفة عظيم المحلّ عند الملوك وعن رأيه كان الإسكندر يمضي الأمور وله إليه جماعة رسائل ومكاتبات في السياسة وغيرها» (26). وكتب الشهرستاني في كتابه الملل والنحـل في الفصل الثالث المعنون ((متأخرو حكماء اليونان)) و«هم الحكماء الذين تلوهـم في الزمان، وخالفوهـم في الرأي، مثل أرسطوطاليس ومن تابعه على رأيه مثل: الإسكندر الرومي، والشيخ اليوناني، وديوجانس الكلبي وغيرهم وكلّهم على رأي أرسطوطاليس في المسائل التي تفـرّد بها عن القدماء» (27). ولقد استفاض الشهرستاني في الملل والنحل بشكل خاصّ في الكلام في موضوع الألوهيّة أو الإلهيّات عند ((المعلّم الأوّل)) كما يحلـو له أن يسميه أو ((الحكيم المطلق)) كما يطلق عليه في أحيان أخـرى، ولعلّ المقام وغرض الموضوع كانا يقتضيان منه التوسّع في هذا الأمر وإعطاءه أكبر حيّز من الدراسة في مصنّفه الملل والنحل، أكثر من غيره من الموضوعات الأخرى في فلسفة أرسطو.

من الواضح جدّا أنّ هذه التصنيفات المعجميّة وغيرها من المراجع العربيّة القديمة لتدلّ، بشكل لا غبار عليه، على علـوّ مقدار أرسطو ومكانته الفلسفيّة الرفيعـة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، وحتى وإن اختلف الناس في تأويل فلسفته أو في الاهتمام بجانب منها دون سواه وفق ما كانت تتطلّب أغراض توظيف فكره أو مرامي الشارح أو المحلّل أو المعقّب أو المحقّق أو المختصر لهذا الفكـر، ففي كلّ الحالات تلك يمكن القول أنّ حضور أرسطو ظلّ قويّا ومركزيّا ومُستقطبا للاهتمام بدون منازعٍ. ومما لا شكّ فيه أنّ أرسطو يتجلّى في صور كثيرة ومتعدّدة، ليس في الحضارة العربيّة الإسلاميّة وحسب، بل وفي مختلف الحضارات التي تأثّرت بفكره واهتمّت بأطروحات فلسفيّة بعينها في ثنايا فلسفته، أو رجّحت مواضيع دون أخرى، وأكثره كان بما يتناسب والجانب العقائدي في فكر وحضارة بعينها، «فأرسطو عند الرومان غيره عند العرب، وهو عند الأخيرين مختلف عنه عند الغربيين في العصور الوسطى. بل هو في داخل الحضارة الواحدة يتلوّن وفقا لأدوارها» (28). وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على مدى التأثير الذي مارسته فلسفته في الحضارات المختلفة بسبب طرافة ما طرحه فيها.

 

المصدر: http://hwamsh.net/