الرئيسية » اكتشف روسيا! » كركلا يسرج خيله على طريق الحرير في الذكرى الستين لمهرجانات بعلبك الدولية – مي منسي
مشهد من عرض "طريق الحرير" لعبد الحليم وإيفان وأليسار كركلا مساء أمس في بعلبك

كركلا يسرج خيله على طريق الحرير في الذكرى الستين لمهرجانات بعلبك الدولية – مي منسي

هل من كلمات تفي وصف ما يفوق الحواس ويعلو فوق الحلم، وبعلبك من على أدراج معبد باخوس، ترسم السفر الخيالي الى طريق الحرير إحياء للذكرى الستين لولادة مهرجاناتها؟

"طريق الحرير" هي أكثر من استعراض غنائي – راقص، هي مغامرة جنونية إلى أقصى منابع الدهشة، بطلها الزمان كما تخيّله بالموهبة والفن والتكنولوجيا العالية، عبد الحليم وإيفان وإليسار كركلا، هذا الثالوث الملتحم كأصابع اليد، المدعو للخلق والإبداع، لأجل بلوغ الحلم المستحيل الذي تراءى لنا في أبعاده الثلاثة، تحدياً لمنطق العقل، حين الخيال من عصب الآلهة.

تبدأ الحكاية في الزمن الحاضر، استعداداً للاحتفال بالعيد الستين لمهرجانات بعلبك. نرى فتى يسير بين السيّاح، ثم يلحق برجل مسن إلى المعبد، ويقف أمام عرش جوبيتير.

الزمان في عبوره التاريخ يروي حكاية بعلبك أيام الرومان. هو النسر المحلّق فوق المعابد يغدو حين يحط على الصخرة، جوبيتير إله النور، بثياب الشمس، و بصوت رفعت طربيه، يسأل الفتى عن القلادة المعلّقة على صدره فيخبره تيمور بصوت (سيمون عبيد) أنها لم تفارقه منذ الصغر. يدور دولاب الزمن ويقف عند أربعمئة عام، حيث الأهالي يحتفلون بعرس تقليدي، في حضور الوالي الذي يزف الحضور مشروع مغامرة تنطلق من بعلبك إلى عمان، فالصين والهند وبلاد فارس، فالبندقية، رجوعاً إلى بعلبك. هنا تتمازج الحكاية التي كتب سينوغرافيتها عبد الحليم، ووشّحها بالأقمشة البرّاقة، المدموغة بالبلد التي نسجت فيه. فالحرير والقصب والأرجوان مواد دغدغت أحاسيس هذا المبدع في تصميمه أزياء الراقصين، والمغنين، بوحي من كل جغرافيا حطت فيها البعثة البعلبكية في رحلتها على طريق الحرير، وفي جو كل منها، كان لتصاميم إليسار الكوريغرافية رونقها وعمقها في زي البلد وثقافته… فالتاريخ على طريق الحرير، مزيج من هذا الواقع الذي أقام له كركلا ورشة بحث وتنقيب ليعلو منها مكسوّاً بمادة الوحي الملفوحة بخيال لا ينضب.

على أبعاد ثلاثة بنيت تحفة "طريق الحرير"، بمادة إخراجية تصوّرها إيفان كركلا، في سبعة ألواح معدنية متحرّكة تنقل الحدث الفرضي على متن الزمان العابر، المسافر، بحّاراً في المراكب، خيّالاً على صهوة الخيول، سيراً في الصحارى وعلى ظهور الجمال. عين المشاهد معلقة على المشاهد الفرضية المسرعة، وعين على المشاهد الملموسة، المتأنيّة في إيصال الرسالة بمادة شاعرية، غنائية، فولكلورية، راقصة،على المستويين. هنا، البعثة البعلبكية في كل لقاء مع حاكم من حكّام البلدان الموضوعة على خريطة طريق الحرير، وفي المساحة الواسعة، الرقص بتنوّع هويته، وتقاليده، وأزيائه.

يتملّكنا العجب حين نلاحظ أنه لبلوغ الكمال لا يعود للحسابات التقديرية حساب. كركلا فتح كفيه على الملأ، فهفّ للمشاركة في رائعة " طريق الحرير" فنانون وكتّاب وشعراء وموسيقيون، أعطوا من بيانهم، أمثال المستشار الموسيقي محمد رضا عليغلي، والمستشار الثقافي طلال حيدر، والمستشار الأدبي نسيب بو ضرهم، ومن جورج خبّاز كلمات المشهد الأول وكلمات الدلعونة والماني، الموسيقى الصينية التقليدية ها سيلو، الموسيقى الهندية التقليدية فيدي شارما وأحسن علي. أما البارزون في الاضاءة على الأحداث، فأربعة أصوات عبرت الزمن اللبناني وما زالت تهيّج الذاكرة الفولكلورية بلهب شدوها، جوزف عازار في دور الوالي، إيلي شويري في دور مستشار الوالي، هدى حداد في دور الشيخة أم تيمور، وصاحب الحنجرة الصادحة في سماء بعلبك هادي خليل. في هذه النخبة من المغنين دخلت في صلب الموضوع عناصر تكمّل هذا البناء الشاهق، من غبريال يمين في دور الحكيم، إلى أليكو داود في دور أحمد إبن ماجد، ونبيل كرم في دور المختار، وعلي الزين الدليل وروميو الهاشم من الأعيان.

تيمور سيعبر بقلادته الحاملة تاريخ بعلبك طريق الحرير، وبها يكون التلاقي والتبادل الثقافي والفني مع كل بلد. ثلاثون راقصاً وراقصة من مونغوليا، ستة عشر راقصا وراقصة من الهند، مغنون من الهند، كما من بلاد فارس انشدوا من شعر عمر الخيام وإبن الرومي والشيرازي. إلى عودة تيمور والبعثة اللبنانية إلى بعلبك حيث الدبكة البعلبكية التي من دونها لا تكون بعلبك ولا مهرجاناتها. بين زلاغيط الأزياء ورهجة الوانها، دخل عمر كركلا بلباسه التقليدي الأسود، كنسر أسود ينافس بتحليقه نسر جوبيتير، فالدبكة البعلبكية هو حارس تراثها، يأتي في الختام ليؤكّد أن الميثولوجيا هي أيضا من صنف الرجال.

الكاتب: مي منسى

المصدر: جريدة النهار، 23 تموز/ يوليو 2016

 

 

كلمات مفتاحية: لبنان، مهرجانات بعلبك، كركلا، رقص، فلكلور