الرئيسية » أخبار المجموعة » كلمة مرادبك إيمان علييف* الامين العام السابق لمنظمة شانغهاى للتعاون ووزير خارجية قرغيزيا سابقا في منتدى “قراءات في أيتماتوف” – من سلسلة مقالات عن الكاتب جنكيز أيتماتوف بعنوان **إبداعات أيتماتوف في الثقافة العربية المعاصرة** – ترجمة محمد حسن /أسرة التحرير
mrdbk_ymn_lyyf.jpg

كلمة مرادبك إيمان علييف* الامين العام السابق لمنظمة شانغهاى للتعاون ووزير خارجية قرغيزيا سابقا في منتدى “قراءات في أيتماتوف” – من سلسلة مقالات عن الكاتب جنكيز أيتماتوف بعنوان **إبداعات أيتماتوف في الثقافة العربية المعاصرة** – ترجمة محمد حسن /أسرة التحرير

 

–  مبادرة تنظيم منتدى "قراءات في أيتماتوف" أتت من هذه المجموعة، وتحديدا من فنيامين بوبوف شخصيا. واليوم أود أن أقرأ لكم فقرة مقتضبة عن مشكلة بناء العلاقات بين الإثنيات والقوميات. وهذا الموضوع كان محط اهتمام جنكيز أيتماتوف شخصيا. إلا أن ما سأقوله الآن ليس محاكاة وتقليداً لأيتماتوف، وليس توسعا في هذا الموضوع، وإنما بعض من أفكاري وخواطري.

ما هو الأساس في بناء سياسة قومية بناءة للدولة؟ أهو الثراء الروحي والقانون، أم هو الاقتصاد الذي تنحصر انعكاساته الاجتماعية والسياسية في إطار المجتمع الاستهلاكي الذي صنعته وتصنعه باستمرار دول أخرى؟

إن السياسة القومية حسب رأيي – وقد أكون مخطئاً – هي نظام أداء مجموعة من المعالم الثقافية والاقتصادية والسياسية تشكلت على قاعدة منظومة قيم عامة، مدعومة من غالبية السكان المتعددي الإثنيات والأديان، تلك التي يمكن تصنيفها (منظومة القيم) في الممارسات الدولية كقيم إنسانية عامة.

إلا أن مصطلح «إنسانية عامة» يخضع لنوع من السخرية أو لنوع من الرفض.

إن أنظمة تطور البشرية ثقافياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإنسانياً خلال الخمسة قرون الأخيرة أو أكثر أتتنا من أوروبا وهي قائمة على إنجازات الفلسفة الأوروبية والفكر السياسي والقانوني والاقتصادي وكذلك على خبرة تطبيق هذه الأفكار والمشاريع من قبل الدول الأوروبية.

وفي مراحل متقدمة تطورت هذه الأنظمة في أمريكا الشمالية واليوم باتت تعرف بمنظومة القيم الأوروأطلنطية. ولا جدال في أن للديانة المسيحية دوراً في تكوينها وتطويرها ونشرها.

لقد عاش الغرب وهو في طريقه الوعر والصعب هذا عددا من الثورات (الإنكليزية والأمريكية والفرنسية وغيرها)، ثم عصر الاستعمار وحربين عالميتين حتى أن وصل في مسيرة تطوره إلى أوجَين اثنين للديمقراطية:

الأول: الحد من السلطة المطلقة للشخص أو للعائلة في أوروبا، والثاني: تقديس الحرية الشخصية المطلقة في أمريكا الشمالية والتي تقاس في الإطار القانوني السياسي بالحق في الاختيار بما في ذلك العمل التام تقريبا للمنظومات الإنتخابية والقوانين والتشريعات السياسية والقانونية والاجتماعية التي تحكم وتنظم مسائل تداول السلطة وحرية التصرف بالملكية التي تم الحصول عليها بالطرق القانونية.

في ظل الارتخاء المطمئن والشبع تعتبر سيادة الشخص مساوية لسيادة الدولة، ولكن لأي درجة هذا الأمر مبرر ولأي درجة هو صحيح؟ الحكم ليس لي وربما ليس لهذا الجيل من البشر؟

لا بد من الإشارة إلى أن العنصرية والأنانية في أوروبا وشمال أميركا كأساس بيوسياسي لتراتبية المجتمع البشري قد تآكلتا مع ارتقاء وثبات حقوق الإنسان وحرياته الفردية. إلا أننا نشهد اليوم إعادة تشكيل الهيكليات والأفكار المتعلقة بالعلاقات بين الأعراق وبين الإثنيات والتي كما يبدو لن تهدف إلى تبرير العدوان الاستعماري كما كان الأمر في القرنين التاسع عشر والعشرين، وإنما ستهدف إلى الحماية من التدخل من الخارج الذي لا يصنف الآن كغريب أو معادٍ ولكن قد يصبح كذلك في حال التطور السلبي للتوجهات المذكورة.

في المسيحية كذلك بدأت عمليات معقدة، تحديدا باتت واضحة اليوم بعض التحركات في هذا الاتجاه في أمريكا الشمالية وفي أوربا، رغم أن هذه العمليات تتطور بشكل متباين في مختلف الدول ومختلف الأقاليم.

أتصور أنه مع تطور هذه العمليات سوف تظهر بيئة مختلفة تماما من حيث المبدأ وسيختلف منطق إنشاء المعاني وربما ستظهر قاعدة سياسية وقانونية وقاعدة قيم جديدة.

ولذلك من أصعب الأسئلة في يومنا الحاضر العامل الديني في السياق السياسي والاجتماعي لعمل الأنظمة الحكومية القانونية، والتي تبدو لبعض الفلاسفة والساسة المعاصرين منفصلة بشكل غير مبرر عما يعتبر هوية حضارية مبنية بشكل متين. أنا مثلا لست مقتنعا بالوحدة الحضارية لمسلمي الشرق العربي ومسلمي جنوب شرق آسيا ومسلمي أوروبا وآسيا الوسطى مثلا. ثمة العديد من العوامل التاريخية الثقافية والاجتماعية السياسية تلعب دورا في تشكيل التجمعات الحضارية المختلفة في ظل أهواء دينية تضامنية.

هذه التعددية في اتجاهات تطور الحضارة موجودة كذلك في مجتمعات الديانات الأخرى. وربما لم تكن الهوية الدينية هي القاعدة الأوضح دائما وليست الأقوى لتشكيل نماذج تقرير الأشخاص والجماعات لهويتهم.

أفهم أن ليس الكل سيتفق معي على هذا الطرح ولكنه قائم رغم ذلك. فمشكلة المواجهة بين الأديان والطوائف تكمن في شيء آخر، ألا وهو القدرة على تقبل مجموعة القيم السياسية والقانونية للآخر على خلفية غياب آليات التكييف المناسبة، بما في ذلك حقوق وحريات كل شخص، وجودها أو عدم وجودها والتي تستغل بشكل مباشر أو غير مباشر في مجال فهم حقوق وحريات الأقليات الإثنية.

في ماضينا الإشتراكي القريب كانت هناك أشياء إيجابية بالإضافة إلى الأشياء السيئة، فالكثير مما تم التوصل إليه من قبل شعوب الاتحاد السوفيتي مثلا كان مرتبطاً بعمل وأداء الشيوعيين السوفييت. ولكن تاريخ الدول الاشتراكية كانت فيه حالات غير مفهومة البتة في مجال تقرير كون الناس في هذه المجموعة القومية أو الإثنية أو تلك.

في هذا الصدد أتذكر أحداث سنة ١٩٨٢ في بلغاريا الشعبية، عندما قامت قيادة تلك الدولة «بالبلغرة القسرية» للأتراك المحليين، وقد وثّقت ذلك بمنحهم هويات جديدة فيها أسامي بلغارية. وما كانت السلطات البلغارية لتمتنع عن هذا الدمج المكتبي غير القانوني لولا موجة الامتعاض من جانب الأتراك المحليين والتي كادت تنمو لتصبح أزمة إثنية حقيقية، ولولا اعتراض تركيا والدول الغربية الصارم.

يمكننا أن نستحضر أمثلة كثيرة من هذا النوع من الماضي الاشتراكي لدولنا، إنها دروس يجب التعلم منها وعدم نسيانها.

في سياق ما ورد أنفا يبدو جليا أمر أهمية الاعتراف على مستوى الوعي القومي بالأخطاء التي ارتكبناها وفهم انجازات الغير وتقلبها وكل ذلك من دون التبرؤ من المشاريع الناجحة في ماضينا.

يجب تعلم كل ما هو تقدمي في العالم العاصر ولكن من دون تقليد واستنساخ. وأريد أن أشدد على نقطة أخرى ألا وهي أن الثقافة القومية والديانة لا تشكلان عائقا أمام ذلك إن لم تُلبسا عباءة الأيديولوجية بما فيها الشوفينية والقومية والفاشية وغيرها، ومن ضمها المسألة الأعقد المتمثلة في العلاقات بين القوميات وبين الإثنيات.

وعليه أتيح لنفسي الفرصة لأسرد بعض الأفكار والفرضيات المتناقضة والتي هي في نفس الوقت محط جدل كبير.

إن السياسة القومية والدينية يجب أن تكون خالية من العامل الأيديولوجي والقومي والديني. وهدف سياسة كهذه يجب أن يكون توحيد الناس على أساس نقاط تقاطع والتقاء قيم مختلف الشعوب، التي تصبح فيما بعد قيما موحدة كما هي الحقوق والمطالب، بدلاً من بناء المجتمع على أساس التراتبية وتوزيع الناس على أساس إثني أو ديني أو أي ميزة أخرى في مختلف زوايا البلاد القومية.

ترجمة: