الرئيسية » حضاريات » كل الأسماء اللامعة للفكر الخلاق هم في جلهم من شعوب غير عربية – نزار بدران / الجزء الثاني
ibnsina.jpg

كل الأسماء اللامعة للفكر الخلاق هم في جلهم من شعوب غير عربية – نزار بدران / الجزء الثاني

طوال أمد فترة الجمود، والتي شملت إنغلاق الفكر، بقرار سياسي من الخلافة العباسية، وبدعم من الأغلبية الشعبية المحافظة، وربط أي نشاط فكري بمرجعية دينية محددة، لا يجب أن يكون سبباً لاستمرار هذا الجمود، خصوصاً في هذا الزمن المنفتح على العالم، وتطور طبقة وسطى متعلمة، لم تعد تقبل بمسلمات الماضي، بل ترغب باللحاق بركب الحضارة العالمية، وبناء أمة منفتحة، تتخلص من قيود التحجر الفكري الديني الغيبي.

المذهب الحنبلي في القرن التاسع، وما تبعه في القرن الثالث عشر، من ظهور الفكر الأصولي المتطرف لإبن تيمية، والذي جُدد بقوة مع ظهور المذهب الوهابي، بالقرن الثامن عشر، هو للأسف الصيغة الطاغية على الوضع الحضاري والفكري في العالم الإسلامي. بينما فكر المعتزلة المنفتح، ووصولهم للسلطة زمن الخليفة المأمون، لم يدم إلا بضعة عشرات من السنين.

كل الأسماء اللامعة للفكر الخلاق مثل ابن سيناء، والخوارزمي، والفارابي، وسيبويه، وهم في جلهم من شعوب غير عربية ذات انتماء للحضارة الفارسية لم تكن لتستطيع العطاء، لو عاشت في زمن إغلاق الاجتهاد، والاكتفاء بالنصوص الدينية، بالعلم والسياسة والمجتمع.

كما أن منع التعددية الفكرية في المجتمع، ومنع حرية تشكيل الأحزاب، هي التي أسست للتخلف الاجتماعي والحضاري، الفكر الأحادي في هذا الزمن، هو ما يسمى حكم الحزب الواحد، كما هو الحال في دول حزب البعث العربي الاشتراكي كسوريا، أو الحزب الوطني في مصر زمن الرئيس حسني مبارك.

في الأزمان القديمة، كانت الاتجاهات الفكرية، تأخذ دائماً غطاء مذهبياً، فالمذاهب الدينية، تعكس بالحقيقة التنوع السياسي للمجتمع، في زمن لم يكن هناك شيء يخرج عن إطار الدين.

وحدها الأنظمة الديمقراطية، هي التي تحمي التعدد الفكري، وحق تشكيل الأحزاب، وهو أساس قوة هذا النظام وسبب استمراريته، كما نرى حالياً في الغرب واليابان والبرازيل والهند وجنوب افريقيا وغيرها من الدول في كل أنحاء العالم.

أن تنتمي لطائفة محددة، في بلاد العرب حالياً، هو في الأساس انتماء لفكر سياسي اجتماعي، كان موجوداً في فترة معينة، قبل عدة قرون، وبظروف سياسية محددة، ويعكس صراعات سياسية معينة، لا يمكن الاعتماد عليها في زمننا هذا، لحل تناقضات مجتمعاتنا الحديثة، الطوائف يجب أن تبقى جزءا من تاريخنا وليس جزءا من حاضرنا، هي فقط أحزاب الماضي.

بالعكس فإن تشكيل الأحزاب السياسية، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، على أسس فكرية صرفة، محترمة توازنات القوى الاجتماعية، هي الكفيلة بإقامة دولة المواطنة، بدل دولة الطوائف.

لا يُتِصور حالياً، في دولة ديمقراطية، أن ينتمي أحد إلى اتجاه فكري، كان موجوداً قبل قرنين أو ثلاثة، مثل أحزاب الثورة أو الملكية الفرنسية، أو برامج أحزاب الحرب الأهلية الأمريكية، فكيف نقبل نحن، أن نبقى تابعين لأحزاب وُجدت قبل عشرة قرون؟. أن ندافع عن الحسن والحسين أو عن عمر وعثمان، لا يمكن أن يكون فكراً معاصراً مقبولاً، هؤلاء هم فقط جزء من التاريخ العربي الإسلامي لا أكثر ولا أقل.

الشمولية، هي وباء القرن العشرين، وقد ُبدئ التخلص منها في نهايات ذلك القرن، عندما انهارت الشيوعية، وتحررت دول أوروبا الشرقية، وكذلك تحررت دول أمريكا اللاتينية، وعديد من الدول الإفريقية والآسيوية. التغيرات السياسة في دول العالم، تبتعد دائما، عن فكر وسياسة الحزب الواحد، والقائد المُلهم، وتتجه نحو الديمقراطية والتعددية.

الأمة العربية لا يمكن أن تكون استثناء عن هذه القاعدة، وهي تعمل جاهدة للخروج من الاستبداد والفكر الشمولي، والذهاب نحو الديمقراطية والتعددية كغيرها، وسلاحها بذلك لن يكون إلا فكرياً حراً متجددا ، ولا مكان للفكر الغيبي أو القومي الشمولي، أو العلماني الانتقائي، في هذه المعادلة.