الرئيسية » أخبار المجموعة » خودوبيردي خوليكنازاروف: عن أيتماتوف وتواصل الأدبين القرغيزي والطاجيكي. من ضمن سلسلة مقالات عن الكاتب جنكيز أيتماتوف بعنوان **إبداعات أيتماتوف في الثقافة العربية المعاصرة** – ترجمة ميشال يمين
jnkyz_ytmtwf.jpg

خودوبيردي خوليكنازاروف: عن أيتماتوف وتواصل الأدبين القرغيزي والطاجيكي. من ضمن سلسلة مقالات عن الكاتب جنكيز أيتماتوف بعنوان **إبداعات أيتماتوف في الثقافة العربية المعاصرة** – ترجمة ميشال يمين

 

أود أن أحدثكم بإيجاز شديد عن التراث الأدبي للكاتب العظيم جنكيز أيتماتوف في جمهوريتنا طاجيكستان. لذلك، أستأذنكم، وأبدأ بالقصائد الرائعة للفردوسي العظيم.

 

شاعرنا الكبير الفردوسي في "الشاهنامة" كتب السطور التالية:

 

كل شيء في الكون زائل

وسوف يلفّه غبار النسيان،

 

ولن يعرف الفناء ولا النتن

 وحسبُ شيئان اثنان:

 

بطولة البطل

وحكمة الحكيم

 

تمر القرون وتنأى

وهذي وتلك ستبقى

 

نعم، إن نثر الحكيم وسيد الكلمة جنكيز أيتماتوف، كما الشعر الخالد للفردوسي، سوف يعيش إلى الأبد حقاً وفعلاً.

 

كان جنكيز أيتماتوف كاتباً منّ علينا به وبموهبته الله عز وجل. ولئن كان في تخصصه الأصلي شخصاً بعيدا عن الأدب، ولكنه أحب الأدب، وهو بدأ حياته الأدبية في عام 1952، حين راح ينشر في الجرائد والمجلات القصص باللغة القرغيزية.

 

المواهب الأدبية للكاتب الشاب جنكيز ايتماتوف فتحت له الطريق لارتياد "الدورات التعليمية الأدبية العليا" في موسكو، حيث استطاع خلال فترة عامي 1956-1958 أن يشحذ قدراته ويحسن مهاراته ويكتب قصته الرائعة "جميلة" التي جلبت له شهرة طبقت العالم. وقد تمت ترجمة هذه القصة على الفور إلى اللغة الطاجيكية ونشرت في مجلاتنا. وكانت مثابة القصة المفضلة لدى جميع طلابنا، فراح الجميع يقرأها فرِحاً بأن هناك مثل هذا الكاتب ومثل هذا العمل الأدبي الرفيع.

 

وفي مقدمة الطبعة الفرنسية، كتب الكاتب الفرنسي الفذ لويس أراغون: "قبل أن أقول كل ما أفكر فيه بالنسبة إلى "جميلة"، يجب أن أشير إلى أني أعتبر هذا العمل مثابة القصة الأكثر جمالا في العالم عن الحب …"

 

بدأ النشاط الأدبي المهني لجنكيز أيتماتوف في عام 1959، عندما أصبح رئيس تحرير "المجلة الأدبية" في قرغيزستان وعمل في الوقت نفسه كمراسل خاص لصحيفة البرافدا في جمهورية قرغيزيا السوفياتية.

 

بعد "جميلة" كانت هناك قصص "عين الجمل" (1960) و"المعلم الأول" (1961) و"حقل الأم" (1963) ومجموعة "حكايات من الجبال والسهوب" (1963) التي حصل الكاتب بفضلها على جائزة لينين. وقد ترجمت هذه القصص على الفور إلى اللغة الطاجيكية وأصبحت كتبا مفضلة في الجمهورية. ونشرت جميع الأعمال في وقت واحد بالقرغيزية ومترجمة إلى الروسية. وفي عام 1965، تم عرض قصة "المعلم الأول" من قبل أندريه كونتشالوفسكي كفيلم من إنتاج استوديوهات "موسفيلم".

 

قصة "وداعا يا غولساري!" (1966) جلبت جائزة الدولة للمؤلف. فحتى عام 1966، كان الكاتب يبدع فقط في لغتين اثنتين (علما أن معظم مؤلفاته كانت باللغة القرغيزية)، ولكن بدءا من قصة "وداعا يا غولساري!" انتقل كليا تقريبا إلى اللغة الروسية. فنشرت له رواية "السفينة البيضاء" (1970) باللغة الروسية، وأصبحت هذه لسنوات عديدة واحداً من الأعمال الأكثر شهرة لجنكيز أيتماتوف في العالم بأسره، كما أن هذه الرواية صورت كفيلم عرض في المهرجانين السينمائيين الدوليين في برلين والبندقية.

 

في عام 1977، نشرت رواية "الكلب الأبقع الراكض على حافة البحر" التي أصبحت واحداً من الأعمال المفضلة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. هكذا نرى ما الذي كان عليه حجم جنكيز أيتماتوف علماً أن العالم كله كان يقرأ له ويترجم له. وقد تم تصوير هذه القصة أيضا في فيلم من قبل المصورين السينمائيين الألمان والروس.

 

في عام 1978، حصل الكاتب على لقب بطل العمل الاشتراكي. وفي عام 1980، صدرت له رواية "واليوم يدوم أكثر من قرن"، تلك التي حصل إيتماتوف بفضلها على جائزة الدولة الثانية. وكان آخر عمل نشر له في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية هو روايته "المحراث" (1986).

 

إن مسائل الأسلوب والأصالة في شكل الأعمال، فضلا عن حياة الكاتب القرغيزي الشهير جنكيز أيتماتوف ونشاطه الإبداعي، كانت دائما ولا تزال محط اهتمام النقاد الأدبيين الطاجيك. فقد نشر النقاد الأدبيون والصحافيون الطاجيك مئات المقالات العلمية والصحفية والمذكرات التي تشير إلى الدور الهام للكاتب القرغيزي في الفكر الفني للطاجيك. وقد جذبت انتباه النقاد والعلماء الطاجيك مهارة ايتماتوف وموهبته في الكتابة. فخصصت المقالات العلمية والبحوث الأساسية لقصتي "جميلة" و"الباخرة البيضاء" ولرواية "محطة بوران".

 

وتمجد صلات القربى بين القرغيز والطاجيك منذ قرون عديدة ملحمة "ماناس" الشهيرة، علماً أن التطور التاريخي والثقافي والروحي لشعبينا مترابط ومتشابك بشكل وثيق على طريق الحرير العظيم.

ففي ملحمة "ماناس" بالذات تظهر بكل قوة الرغبة في إنشاء دولة قرغيزستان، ويشيد الكاتب بالنزعة الإنسانية ووحدة الشعبين، وتنعكس بشكل واضح فكرة حرية الشعبين الشقيقين، وحمايتهما من الأعداء الخارجيين، وعلاقاتهما الودية واحترامهما العالم من حولهما. فالبطل الصنديد "ماناس" يقع في حب فتاة طاجيكية اسمها سانيرابيجي ويتزوجها. وهذا ورد في الملحمة على النحو التالي:

 

مرت سنون. مرت قرون.

 

نسيت سانيرينجيه اسمها.

 

ولم يبق سوى اسم كانيكي،

 

ما يعني بنت الخان.

 

ومنذ ذاك الحين وحتى يومنا

 

عاشت كانيكي بين الناس.

 

القرغيزي منذ القدم يعتبر طاجيكستان أمه

 

وعلينا نحن واجب أن ننحني لها ونرى فيها

 

رمزاً للحب والأسرة،

 

صديقة وأمّاً وزوجة

 

الفتاة الساحرة كانيكي هي واحدة من الصور التي لا تنسى في ملحمة ماناس. فهي ليست وحسب الأم التي تربي ابنها على الصدق وحب الوطن الذي لا حدود له، ولكنها أيضا المرأة التي تتسم بنكران الذات، والباقية على استعداد لتقديم التضحيات لأجل الشعب. وهي الكادحة الماهرة في حرفتها، والتي تحت قيادتها خاطت النسوة لجنود وطنهن ألبسة معركة لا يمكن اختراقها. وهي التي شفت "ماناس" من جرح مميت، وأنقذته عندما أصيب على يد خائن، وبقي وحيدا في ساح المعركة. وهي المستشار الحكيم لماناس. فيما الابن الحبيب والوحيد لماناس – سيميتي، نشأ وترعرع في أحضان الطاجيك.

في العهد السوفياتي، كانت الصداقة الشخصية بين جنكيز أيتماتوف وميرزو طورسون زاده، رئيس اتحاد الكتاب جمهورية طاجيكستان آنذاك، مثالا ساطعا على الصلات الأدبية الطاجيكية القرغيزية. عن هذه الصداقة تحدث جنكيز أيتماتوف بالتفصيل لاحقا في المقال الذي جاء في شكل مذاكرات تحت عنوان "شخصية فريدة من نوعها" والذي كرس ليوبيل ميرزو طورسون زاده.

بدوره، قال ميرزو طورسون زاده بحماس في مذكراته عن جنكيز أيتماتوف: "إن أمير الحرب المنغولي جنكيز خان غزا نصف العالم بحد السيف، وحول الكثير من البلاد إلى خراب، فكانت في كل مكان الفوضى والخوف والموت والدمار. وبقي اسمه في التاريخ كجنكيز خان الشرير. ولكن لحسن الحظ، غزا معاصرنا جنكيز ايتماتوف العالم كله بكتبه وحكمته وطيبته، وحبه للسلام والإبداع".

الشاعر الشعبي الطاجيكستاني مؤمن قانوعة كتب في مقالته "وجه الصديق" يقول: "إذا قلت أن كل قصص وروايات جنكيز أيتماتوف مترجمة إلى الطاجيكية وتعتبر الكتب الأكثر شعبية بين القراء، فإن هذا مجرد ذكر لحقيقة واقعة. فتأثير إبداع إيتماتوف في العمل الإبداعي لكتاب النثر الطاجيكيين هو ظاهرة معروفة. وفي الاجتماع الأخير في فرونزه وفي إيسيك كول، قال لي بصراحة هذا: نحن معك، ومعك أيضا شيوخ آسيا الوسطى أولجاس وعبد الله وأركين. لقد فعلنا كل ما في وسعنا من أجل شعبينا ومن أجل الحفاظ على الصداقة بينهما. ومن الضروري أن نعهد بكل هذا إلى أيدٍ موثوق بها. هكذا يجب ان نفكر وبهذه الطريقة علينا أن نتصرف".

كثيرا ما تحدث جنكيز أيتماتوف أمام الرأي العام في كلا الشعبين الشقيقين، وشارك باستمرار في الاجتماعات المختلفة. وعن الخيام الكبير قال: "عمر خيام يتطابق مع إطار عقليتنا حتى الآن". كما كرس لمؤسسي الأدب الطاجيكي والأدب الكازاخستاني صدر الدين العيني ومختار أويزوف، مقالا بعنوان "الأستاذان". ومن الضروري أيضا تذكر التعاون الإبداعي بين جنكيز أيتماتوف ومخرج الفيلم الطاجيكي باكو صادقوف. فقد كتبا معا قصة فيلم "سمرتش" اي "الإعصار" ("بامير"، 1986، العدد 4). والفكرة الرئيسية لهذه القصة – تعرُّفُ المسار التاريخي الذي اجتازته البشرية، ومنع تدمير أحلام المستقبل، وفهم المرء لهدفه في الحياة، وعدم الاستئثار بنتائج عمل الآخرين، وعدم جعل الحي ميتاً، وصون الإنسان كإنسان.

الكاتب عبد الملك باهوري في كتابه "وطني ماناس" (1963)، الذي يتألف من سلسلة من المقالات، يمعن التفكير في مسار التنمية الاقتصادية والثقافية لقرغيزستان، في تلك الثروة الروحية للشعب القرغيزي، في جمال الطبيعة، ويصف بكثير من البهجة حسن الضيافة عند القرغيزيين.

في شهر أيار/مايو 1976، أقيمت أيام ثقافة قرغيزستان في طاجيكستان، وبعد شهرين، في آب/أغسطس، أقيمت في قرغيزستان أيام الثقافة الطاجيكية. هذا التقليد الرائع يحتاج إلى أن يستمر. وكلما واصلنا ذلك زادت صداقتنا.

لقد أصبحت هذه المناسبات الاحتفالية مرحلة جديدة في العلاقات الثقافية والإثراء المتبادل. فالكتاب الطاجيكيون لم يخلقوا وحسب أعمالاً تنعكس فيها الصداقة بين الشعبين، ولكنهم أيضا أبدعوا بصدق فني صوراً مشرقة عن الكادحين والشعراء والناثرين والمطربين والمثقفين المبدعين. كما أنشأوا عددا من الأعمال التي تغنّي أفضل التقاليد عند شعب قرغيزستان.

قبل افتتاح يوم الثقافة في كل من جمهورية قرغيزستان وجمهورية طاجيكستان (22 مايو 1976)، نشرت صحيفة "سوفييتي طوتشيكستان" مقالة ميرزو طورسون زاده "أهلا وسهلا" ومقالة جنكيز أيتماتوف "ننتظركم بفارغ الصبر". في هاتين المقالتين يشاطرنا أستاذا القلم الفني الكبيران أفكارهما في شأن تعزيز الصداقة وأهمية العلاقات لإثراء الثقافة الروحية في كلتا الجمهوريتين الشقيقتين. وبنفس الروحية كتب مقالة "بإيمان حقيقي"" الكاتب الشعبي الطاجيكي رحيم جليل في جريدة " برافدا لينين آباد".

مما لا شك فيه أن أسابيع وأيام الصداقة والاجتماعات الإبداعية، كونها وسيلة فعالة لتعزيز الاتصالات المتبادلة، ساهمت بنشاط في تقارب الثقافتين الوطنيتين. ولقد أظهرت مداخلات رجال الأدب بعد الاجتماعات واللقاءات الإبداعية وتغطيتها في وسائل الإعلام أن بمثل هذا الاطلاع الوثيق لأبناء كل من إحدى الجمهوريتين على حياة الجمهورية الأخرى يصبح أكثر وضوحا وعمقا فهم خصائص الطبع القومي والتقاليد والعادات لدى الشعب الجار. وقد ساعد ذلك على تداخل الأدبين.

وفي الوقت الحاضر، يجب أن تولى اهتماماً خاصاً الدراسة المتأنية والإضاءة على الدور الوساطي للترجمة الفنية ونشر وإصدار المطبوعات في تشكيل وتطوير العلاقات الأدبية بين طاجيكستان وقرغيزستان، تلك التي لها أهمية كبيرة ليس فقط على الصعيد التاريخي، ولكن أيضا من وجهة نظر الحاضر.

كل هذا يساعد على تحديد طبيعة العلاقة بين أدبينا بوضوح، وتسليط الضوء على الظروف التي تطوَّر في ظلها أدبنا ضمن بيئة العصر الحديث، بغية إظهار الدور الذي لعبه الأدب الطاجيكي في التعرف على طرق الصراع من أجل تطوير الأدب الحديث في قرغيزستان، ، وبالمقابل، بغية فهم دور الأدب القرغيزي في استيعاب وإتقان أنواع النثر الكبرى من قبل بعض الكتاب الطاجيكيين.

وأخيرا، من الضروري أن نذكر أن اللغة الروسية لا تزال هي لغةَ التواصل في ما بين مختلف شعوبنا، وهي التي يفرض الزمن دراستها وإتقانها.

ترجمة: