الرئيسية » حضاريات » خصوصية الثقافة والحضارة الإسلاميّتين و تحدّيات العولمة – نور كيرابيف خاص بالموقع / الجزء الثاني
shrq_grb.jpg

خصوصية الثقافة والحضارة الإسلاميّتين و تحدّيات العولمة – نور كيرابيف خاص بالموقع / الجزء الثاني

بل إنها تكمن كذلك في أنّ الثقافة الأنتيكية واليونانية-الرومانية تُشكل جُزءاً مُكوّناً لتَينِك الحضارتين؛ إذ يجب أن نتذكر دائماً أنّ أرسطو كان بالنسبة إلى الشرق العربي هو "المُعلّم الأول".

أمّا فيما له مَساسٌ بالاختلافات الأساسية بين الحضارتين، الغربية والإسلامية، في تطوُّرهما التاريخي-الثقافي، لا سيما بعد عصر النهضة، فيبدو أنّ من الممكن أنْ نبحث عنه في ما يُسمى بـِ "العَـلمانية". فقد حافظت الثقافة الإسلامية الكلاسيكية على التوازن بين الديني والعلماني، وهذا التوازن بالذات هو ما حدّد المبادئ العقائدية والقيمية الأساسية، كما كان في أساس الفهم الإسلامي للشمولية حتى منتصف القرن الخامسَ عشرَ، لكنْ منذ القرن السادسَ عشرَ، أخذ المُكوِّن الديني بالتغلُّب. أما التقليد الأوروبي بعد عصر النهضة، فقد أكد الدور المُهيمن للبداية العلمانية في رؤية العالم. ولذلك، فإنّ كل محاولات العودة إلى الرؤية الدينية للنظام الاجتماعي والثقافي للعالم يُنظر إليها بحسبانها نُكوصاً تاريخيّاً، وتهديداً للحضارة الغربية الحديثة.

والواقع أنّ خصوصية الثقافة والحضارة الإسلاميّتين يجب أنْ يُنظر إليها، لا في سياق تضادّ "الشرق" و"الغرب"، والقديم والجديد، والماضي والحاضر، والأصالة والحداثة، والتقليدية والعقلانية، والتراث والتجديد، والديني والوطني… إلخ، بل على قاعدة تواصُلها. انطلاقاً من هذه الثابتة، نرى أنّ من المهم الإجابة عن سؤال: كيف نُقارن، أو كيف نُوفّق، في البعد الفلسفي-القيمي، بين الحضارة العربية الإسلامية الكلاسيكية، التي كانت مُنفتحةً على تبادُل التأثير مع بقية الثقافات، وبين الحضارة الإسلامية المعاصرة، التي إن لم تكن تُجابِه، فإنها على ما يبدو غيرُ مُستعدةٍ، وغير منفتحة على الحوار المعاصر بين الحضارات؟.

إنّ إحدى الإشكاليات الرئيسة المطروحة على الساحة الثقافة الإسلامية في زمننا الراهن هي تحديدُ تلك الثابتة التي يجب أن تبقى في حلّ مسألة المُواءمة، أو التوفيق بين الإسلام بوصفه ظاهرةً حضارية، وبين القومية بوصفها بُعداً وطنيّاً للدولة، وذلك في سياق انتقال مجتمعات الشرق الإسلامي إلى التطور الصناعي وما بعد الصناعي.

لا شك في أنّ الثقافة الإسلامية تُشكّل جُزءاً مُكوِّناً للثقافة العالمية، كما أنها أدّت دوراً ملموساً في تاريخ الحضارة الإنسانية، ولا تزال ذات تأثير كبيرٍ في مختلف نواحي الحياة في دُول شتّى في العالم. من هنا، فقد كان من الطبيعي أن يسعى الدارسون إلى تقديم مُقارباتٍ فلسفيةٍ للتقاليد الثقافية لشعوب الشرق الإسلامي.

وفي هذا الصدد، كان لدراسة الثقافة الإسلامية في روسيا أهمّيةٌ كبرى، لا أكاديمية فحسب، بل واجتماعية-سياسية كذلك، كان من أبرز أسبابها تجاوُر روسيا مع البلدان الإسلامية، بالإضافة إلى أنّ جُزءًا مُعيّناً من سُكان روسيا مُرتبطٌ تاريخيّاً بالفضاء التاريخي-الثقافي الإسلامي، ناهيك بأنّ علاقة روسيا بالإسلام وبالثقافة الإسلامية على امتداد تاريخها –كما يدُلُّ تحليل التقليد التاريخي-الفلسفي والثقافي الروسي- تُساعد إلى حدٍّ كبير على فهم خصوصية ما تُمثّلُه روسيا بعامة، والثقافةُ الروسية على جهة الخصوص. ولا يزال لذلك حُضور قويّ في النقاشات المعاصرة حول المشكلات الأُوراسية.

ثم إن إحدى أهم المسائل التي تقف أمام العلم الفلسفي هي دراسةُ كلّية التاريخ الكوني، لا من خلال استجلاء ملامح التشابه والتطابق بين شتّى الحضارات فحسب، (التنوُّع في الوحدة)، بل أيضاً من خلال إدراك أنّ كُلاًّ منها كان شكلاً خاصّاً لتطوُّر نواحٍ مُعيّنة في حياة الإنسان بوصفه كائناً ثقافيّاً-تاريخيّاً (الوحدة في التنوُّع)؛ ذلك أنه بهذه المقاربة يُمكن اكتشافُ دلائل الحضارة الإسلامية وإدراكُ دورها التاريخي الذي يُبيّن، بل ويُحدّد الترافق الاجتماعي-الثقافي بين كافة الحضارات من حيث بُعدُها الإنساني المشترك، ولا نِزاع في أنّ لذلك أهمّيةً كبرى. على أنّ هذا الدليل (البرهان) الروحي يتوضح بواسطة تحليل الظواهر الثقافية والأيديولوجية بكلّ تنوُّعاتها، وبالدرجة الأولى في تلك المرحلة التاريخية، التي قام فيها الدليل بصيغته النهائية نسبيّاً والثابتة. وعلى هذا النحو يكون فهمُ الحضارة والثقافة الإسلاميتَين على صلةٍ وثيقةٍ بالإجابة عن السؤال التالي: ما الذي حدّد رؤية العالم والإنسان (حسب مفهوم هايدغر) فيها؟؛ إلا أنّ إدراك هذا "الشيء المعاشي" يفرض مراجعةً تاريخيةً-فلسفية للظواهر الثقافية والأشكال الأيديولوجية لتلك الحقبة.

ومن الضروري لدى تحليل قيم الثقافة الإسلامية، أن نشير إلى مضمون التصوُّر المُعمَّم عن أنماط تاريخية-محدّدة من البشر حول أهداف سلوكهم ومعاييرها، والتي تُجسّد التجربة التاريخية لأعلامٍ رُوحيّين، يتقيّد بهم مُمثّـلو الحضارة الإنسانية، أفراداً ومجموعاتٍ اجتماعيةً، من حيث الأعمالُ ونمطُ الحياة.

إنّ قِيم الثقافة الإسلامية، كما هو الحال بالنسبة إلى ثقافة أي حضارةٍ أخرى، تتحدّد إلى درجةٍ كبيرة بما يُسمّى "قِيماً أساسية"، تُشكِّل بكُلّيتها قاعدة الوعي القِيمي. وقد تحدّدت القيم الأساسية "القاعدية" للثقافة الإسلامية إلى درجةٍ كبيرة بخصوصيات إقامة الخلافة العربية وتطوُّرها، كما أنّ خُصوصيات الثقافة الإسلامية الكلاسيكية، بوصفها شواهدَ الثقافة الإسلامية أو دلائلَها، تتحدّد عُموماً وإلى حدٍّ كبير بظروف كونها قد تشكّلت بحسبانها جُزءاً مُكوِّناً من الثقافة أو الحضارة المُتوسّطية الواحدة، وحافظت على تقاليد العصر الأنتيكي، الثقافية والعلمية والفلسفية، وأضافت إليها أضعافاً، كما طوّرت الطابع الإنساني للثقافة المُتوسطية (ولكنْ في ظروف تاريخيةٍ مختلفة). من ثَمّ لا يعود مُستغرَباً أنْ يُنظَر إلى الموروث الأنتيكي في الشرق العربي بوصفه مصدراً لثقافة العالم الإسلامي وجُزءاً لا يتجزّأ منها.

ولا شكّ في أنّ تطوُّر الحضارة الإسلامية وثيقُ الارتباط بولادة الإسلام والخلافة العربية، التي أصبح فضاؤها الواسع مركزاً جديداً للتأثير والإثراء المُتبادَلَينِ بين شتى التقاليد الدينية والثقافية، كما بترسُّخ شوكتهما. وقد امتدّ "العصر الذهبي" للحضارة الإسلامية من القرن التاسع إلى القرنِ الثانيَ عشرَ للميلاد، حينما غدتْ الثقافة الإسلامية هي التي تُحدّد مستوى الثقافة العالمية، الروحية والمادّية على حدّ سواء.

والواقع أنّ إحدى أهمّ الخصائص المُميّزة للثقافة الإسلامية الكلاسيكية هي أنّ العناصر الأساسية المُكوّنة لها لم تكن العلوم (كما في الفكر الأوروبي الغربي)، بقدر ما كانت التيارات القِـيمية-الأيديولوجية، التي تُحدّد طبيعة مُقاربة صورة العالم المعرفية والتصوُّر المقبول لها. ولهذه التيارات شاهدٌ مُشترك ينطوي في أساسه على جُملةٍ مُحدّدة من التقويمات والتصوُّرات، التي تعود إلى القواعد النهائية المتعلّقة بوجود الإنسان في العالم، وطبيعته الشخصية وعلاقته بالكون، والتي تعكسها العقيدة الإسلامية.

في ميدان المعرفة الإشكالي بالذات (المرتكز على مثال المعرفة في الإسلام) عالج مُفكّرُو القرون الوسطى المسلمون كلّ مشكلةٍ على حِدة، سواءٌ مسائلُ الثقافة، والسياسة، والأخلاق، والجمال، والفلسفة والقانون. كما لم تُقيّد التياراتُ الإسلامية الفلسفية والاجتماعية-السياسية الرئيسة، التي كانت سائدة في العصور الوسطى، نفسَها بموضوع واحدٍ، بل كانت تُقدّم في كلّ إشكاليةٍ نظريةً عامة؛ فقد كان للإشكاليات السياسية نظرياتٌ سياسية، وللفلسفية نظرياتٌ فلسفية، وللقانونية نظرياتٌ حقوقية، وللأخلاقية نظرياتٌ أخلاقية… وهكذا دواليك.

 

 

نور كيرابيف –  نائب رئيس جامعة الصداقة بين الشعوب (روسيا)