الرئيسية » حضاريات » خصوصية المعرفة في الثقافة الإسلامية و تحدّيات العولمة – نور كيرابيف خاص بالموقع / الجزء الثالث
خصوصية المعرفة في الثقافة الإسلامية و تحدّيات العولمة

خصوصية المعرفة في الثقافة الإسلامية و تحدّيات العولمة – نور كيرابيف خاص بالموقع / الجزء الثالث

فهذا كتاب مُفكّر العصور الوسطى المعروف بـ "الغزالي" (10581111) إحياء علوم الدين يمكن أن يُعَدّ كتاباً فلسفيّاً، وحقوقيّاً، ودينيّاً، ولغويّاً، وثقافيّاً منهجيّاً في الوقت نفسِه، أي مُتعدّد الموادّ في المفهوم الحديث.

ولعلّ ابن رشد (11261198) الفيلسوف ذا الشهرة الطائرة، ما قال عبثاً عن الغزالي إنه فيلسوفٌ بين الفلاسفة، وصُوفيٌّ بين الصوفية، ومُتكلّم بين المتكلّمين. كما أنّ كثيراً من علماء الكلام قد ألّفوا كُتباً لا حول المشكلات الدينية فحسب، بل في الفلسفة والعلوم الطبيعية كذلك. وليست القضية هنا قضية ضعفٍ في التمييز بين العلوم، وإنما مردُّ ذلك إلى النظرة الروحية الخاصة للثقافة الإسلامية، التي تستند إلى أثرٍ يُروى عن النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، يقول فيه: "اُطلُب العلم ولو في الصين".

وقد اكتسبت "المعرفة" في الحضارة العربية-الإسلامية في القرون الوسطى أهمّيةً لا نظير لها في سائر الحضارات، على نحو ما يُؤكّد المستشرق الأميركي، "ف. روزنتال" في كتابه انتصار المعرفة. و"المعرفة" التي نتحدّث عنها هنا هي معرفةٌ عَلمانيةٌ ودينية، إلا أنّ مكانتها المُهمة في نظام قيم المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى، على الأقلّ، تدلُّ على كفاية عدد المتعلّمين في هذا المجتمع، ولا أدلّ على ذلك من الجزء اليسير المُتبقّي من المخطوطات الذي وصل إلينا، ويُعدّ بمئات الآلاف.

أمّا عن طبيعة التوجُّه القيمي للجزء المتعلّم من المجتمع الإسلامي في القرون الوسطى، فيمكن الحُكم على ذلك من خلال كتب الأدب، ونحن نتحدّث هنا عن الأدباء، الذين يُجسّدون في ذواتهم نموذج الإنسان المُثقّف المُتعلّم. على أنّ الأدب هو جملةُ معايير التعليم والتربية، وكان يفترض معرفة العلوم الدينية والعلمانية على حدّ سواء، لا سيما الفلك، والرياضيات… إلخ، كما كان يفرض نمطاً مُحدّداً من السلوك.

ولا جدال في أنّ إدراك الخصائص التي اختُص بها الإسلام، من مثل غياب المؤسّسة الكنسية، وبالتالي، الأيديولوجيا الكنسية، والإقرار بأنّ حقّ وضع الشرائع هو لله وحده، ومن ثَمّ غياب التعصُّب والهرطقة بالمعنى الذي تفهمهما به الكنيسة، وكذلك التعدّدية الدينية والقانونية في إطار العقيدة الإسلامية الواحدة… كلُّ ذلك ذو أهمّية غير يسيرة من أجل فهم الدلائل على وجود الثقافة الإسلامية.

على أنّ من المهم، لدى دراسة الثقافة أو الحضارة الإسلامية، أنْ نُميّز بالحدّ الأدنى مُكوِّنَيْنِ أساسيّين لهذه الثقافة: الإسلام والهلّينية. فقد تبدّت هذه الثقافة، وتتبدّى في تاريخها (وجهها) الغربي، بوصفها تشمل عناصر اليهودية، والمسيحية والهِلّينية، وكلما ابتعدت عن جوهر هذه المُكوِّنات تبدّت في وجهها "الشرقي". ويُتيح أخذُ الظرف الأخير بالحسبان فهم الطابع الإنساني للثقافة الإسلامية، المرتبط بمحاولة جعل الإنسان أكثرَ إنسانيةً والمُساهمة في تفتُّح عظمته. وبإمكاننا أن نتكلم على ثلاثة جوانب من الإنسانية في الثقافة الإسلامية خلال العصور الوسطى:

1- الإنساني الديني: الذي أعلن الإنسانَ أسمى مخلوقات الله.

2- الإنساني الأدبي: مثالُه الأدب المُتشكّل في القرن التاسع، الذي يُضارِعُ المثال الذي يُميّز أوروبا في القرن السادسَ عشر، أي مثال تطوُّر الإمكانات البدنية والأخلاقية والعقلية للإنسان، وذلك باسم الخير الشامل.

3- الإنساني الفلسفي: الأقرب إلى التعبير عن وجهة النظر، التي عبّر أبو حيان التوحيدي عن جوهرها باختصارٍ في كلمات: "الإنسان أصبح مشكلة الإنسان".

ويمكن في الآن عينِه، اعترافاً بفضل مبادئ الإنسانية وسماتها العامة ووجودها، أن نقول إنّ كل ثقافة أو حضارة، تعيش عصر الازدهار تُنتج نموذجها الإنساني الخاص بها. لكن ثمة حديثٌ كذلك عن أنه حتى في إطار الثقافة الإسلامية نُلاحظ الإنسانية في صيغٍ مُختلفة؛ إذ عُرفت هذه الظاهرةُ في الشرق لأول مرّة إبان حُكم كسرى أنو شروان ووصلت عبر بَرْزَوَيه وبولس الفارسيَّيْن. بعد ذلك تأتي الإنسانية التي تطورت بتأثير المعرفية الهِلّينية والامتناعية والأفلاطونية الجديدة، وتُعبّر عنها البحوثُ الإنسانية المتركزة حول موضوع "الإنسان الكامل" التي قدّمها كُتّاب من أمثال: الحلاّج (857922) والسُّهْرَوَرْدي (11541191)، وابن عربي، وعبد الكريم الجيلي (13651417). وهناك أخيراً الإنسانيةُ التي لفتت الانتباه إلى عظمة العقل الإنساني (كما في الحديث الذي يُنسب إلى النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم ومُفادُه أنه: "من يعرف الله، يعرف نفسه"؛ ومثلُه حديث: "أولُ ما خلق اللهُ: العقل"، وهذا ما نُلاحظه في مؤلّفات محمد بن زكريا الرازي (850925) الذي نفى الجبرية، وأكد استقلالية العقل الإنساني، على نحوٍ يُعبّر عن روحية النهضة الأوروبية.

إنّ ازدواجية الثقافة الإسلامية، المرتكزة على مبادئ الشريعة والوجود التاريخي للخلافة العربية، تفترض النظر فيها من منظور التوافُق بين الأرضي والطقوسي فيها وبين "مادة الوجود" ذات الطبيعة الظاهرية والباطنية. وإذا أولينا اهتماماً لدور الشريعة الضخم في الكون وتغلُّب الأسس الأرضية في سلوك الإنسان وفكره، من الضروري أنْ نلاحظ أنّ الثقافة الإسلامية حافظت، ولا تزال، على علاقةٍ ثابتة بين التصوُّرات عن الكون وبين الأخلاق. وهذا الظرف بالذات هو ما سمح عصرئذٍ أن يُعتبر "العلمُ الغريب" أي الفلسفة الموجّهة نحو التقليد الهِلّيني، جُزءاً لا يتجزّأ من الثقافة الإسلامية الخاصة، وهو ما يسمح اليوم كذلك بترك الباب مفتوحاً للعلم والثقافة الأوروبيَّين الحديثين.

وفي سياق الحديث عن التوافق بين الظاهري والباطني في سياق إشكالية العقل والإيمان، لا بدّ من أن نلاحظ طبيعة التكامل المتبادل بينهما؛ إذ إنّ تحليل المستوى الديني-الفلسفي لحلّ إشكالية التوفيق بين العقل والإيمان المُستقر، يُشير إلى أنه على الرغم من التباين القائم بين مواقف شتّى المُفكّرين، فإنّ ثمة ما يُوحّدُها، وهو أنها جميعها سلكت مسار التقليد الباطني، المرتبط بأفضلية العقل. وبذلك هيّأ هؤلاء المُفكّرون الأرضية للمعرفة الباطنية الصوفية ومحاولتها إيجاد الانسجام بين الشريعة والطريقة، باعتبار ذلك مُسوِّغاً لمقاربتها الخاصة للإشكالية الحالية.

لم يرَ الصوفية في إشكالية التوفيق بين العقل والإيمان "إشكاليةً قائمة بحدّ ذاتها"، بل ضمُّوها إلى المنظومة العامة لتوافُق أركان الإيمان، وطريقته وحقيقته (شريعة-طريقة-حقيقة). ومن الضروري في أثناء ذلك أن نلاحظ أنّ منظومة "شريعة-طريقة-حقيقة" نظمت "شكلاً منطقيّاً" لعمل الذات الساعية إلى المعرفة بحثاً عن مطلقها الخاص، وبذلك مهّدت السبيل لظهور جملة خياراتٍ، تُشكّل تعاليمُ الغزالي واحداً منها. وإذا كان منّا على بالٍ أنّ الصوفية ظاهرةٌ تاريخية ومتكاملة، فإننا نفترض أنّ من المهم دراستها، مع الأخذ بالحسبان الأنماطَ الأُولى القديمة للثقافة الصوفية بصورة خاصة.

بَيد أنّه ينبغي ألاّ يعزب عنّا أنّ التحليل الفلسفي للثقافة الإسلامية يجب أن يُميّز بين ما هو ثابتٌ وما هو متغيّر على مدى تطوُّرها التاريخي، ومن المهم أن نأخذ ذلك بالحسبان لدى تحليل وجهات النظر المتعلقة بما يُسمى "الإصلاح" أو التحديث الإسلامي؛ ذلك لأنّ المحاولات التي جرت حتى الآن لبناء نماذجَ غربيةٍ للتطور الإسلامي واجهت الإخفاق على العموم؛ ومردُّ ذلك إلى أنّ الأسس التقليدية التي تُكوّن روح الثقافة الإسلامية، جرى اعتبارُها شيئاً قد تمّ تجاوزُه تاريخيّاً.

على حين أنّ الحقائق الاجتماعية-التاريخية والسياسية تدلّ بالضرورة على أنّ فهم ماهية الأصيل والمعاصر وثيقُ الصلة بأسس الثقافة السياسية-القانونية للإسلام وللحركات الأيديولوجية-الثقافية السائدة في إطار الإسلام المتطوّر. ثم إنّ تحليل نظريات الدولة الكلاسيكية في الفكر السياسي الإسلامي، التي طرحها علماءُ من أمثال: الماوردي (تُوفّي في العام 1058)، والجُويني (توفي عام 1085)، والغزالي، تُبيّن بوضوحٍ أنّ مبادئ الشريعة لم تكن عائقاً أمام اعتبار الحقائق التاريخية للخلافة العربية، بل إنّ هذه المبادئ اعتَمدت إلى درجة كبيرة على السوابق التاريخية. والمُكوّن الثابت لهذه النظريات هو تعليمٌ ينصّ على أنّ الدولة مُجرّدُ مُنفّذٍ لمبادئ الشريعة. ولكن القضية برُمّتها تنحصر في: من يملك السلطة السياسية الفعلية؟، وكيف تُفهم السلطة والمرجعية؟، وما الذي يُشكل مرجعاً مُتّفقاً عليه والقاعدةَ الأخلاقية-الروحية للمجتمع الإسلامي؟.

 

 

 

نور كيرابيف –  نائب رئيس جامعة الصداقة بين الشعوب (روسيا)